اختلال التوازن بين الحقوق والواجبات أصل كل فساد

12430 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 9 مارس 2012، من المعلوم أن مصالح البلاد والعباد رهينة بعملية التوازن بين الحقوق والواجبات. فبقدر ما يكون الالتزام بالواجبات بقدر ما تصان الحقوق . وكلما ضاعت الحقوق ،أو أهدرت إلا وكان السبب المباشر وراء ذلك هو التفريط في الواجبات ، نظرا للعلاقة الجدلية التي تربط بينهما ، ونظرا لاشتراك الناس في المصالح المتبادلة ، حيث تكون حقوق بعضهم البعض رهينة بواجباتهم ،إذ يعتبر قيام بعضهم بواجباته ، حصول البعض الآخر على حقوقهم .

ولما كانت طبيعة البشر موسومة بحب الذات أو الأنانية التي يستفحل أمرها حتى تصير نرجسية أو ظاهرة مرضية ، فإنهم شديدوالتعلق بالحقوق مقابل عدم الاحتفال بالواجبات ، حتى تبدو أحيانا الحقوق وكأنها كل ما يوجد في المجتمع . ولحسن الحظ أن المصالح المشتركة تفرض العلاقة الجدلية بين الحقوق والواجبات. ومن الطبيعي أن يكون الاهتمام بالحقوق طاغيا على الاهتمام بالواجبات ،نظرا لارتباط الحقوق بالذاتية ، في حين يتعلق الأمر في الواجبات بالموضوعية. ويبدو الإنسان مشدودا إلى مجتمعه عن طريق تعلقه  بحقوقه  لا غير، وهو تعلق يضطره من حيث يشعر أولا يشعر إلى القيام بواجباته  بشكل ضمني لا حبا في القيام بالواجب ، وإنما رغبة في الحصول على الحقوق . ولا يمكن أن يقبل الإنسان على القيام بالواجبات لو افترضنا جدلا أنه لا يقابل ذلك حصوله على الحقوق.

وبالرغم من القناعة الراسخة لدى الناس بأن مصالحهم مشتركة ، تقوم على أساس القيام بالواجبات من أجل الاستفادة من الحقوق ، فإنهم يبدون أحرص على الحصول على حقوقهم من حرصهم على القيام بواجبهم . ومع حلول الربيع العربي الذي أعقب طغيان الفساد السياسي ، وهو فساد تفرعت عنه كل أنواع الفساد ، أو بعبارة أخرى هو أبو الفساد ، سادت ظاهرة التظاهرات والاحتجاجات  والإضرابات ، وكلها مظاهر التعبير عن المطالبة بالحقوق التي أهدرها الفساد بأنواعه المختلفة ،والناتجة عن الفساد السياسي .

ولا يجادل أحد في عدالة  المطالبة بالحقوق خصوصا مع وجود ما يؤكد حرمان مختلف  الشرائح الاجتماعية من حقوقها بسبب طغيان الفساد ، إلا أن اللافت للنظر ، والمثير للاستغراب في نفس الوقت أن كل هذه الشرائح المطالبة بحقوقها بإلحاح ، لا تبالي بالقيام بالواجبات ، علما بأن الحصول على الحقوق يبدأ حيث ينتهي القيام بالواجبات . ولا يعقل أن يحصل الإنسان على حقوقه سلفا ، وإنما الحصول على الحقوق يكون في أحسن الأحوال متزامنا  مع القيام بالواجبات، إن لم يكن في الغالب  متأخرا عنها. وعلى سبيل المثال لا الحصر ، نذكر الدورة الزراعية حيث يقوم المزارع بواجباته ، ولا يحصل على حقوقه إلا بعد ذلك .

وعلى غرار الدورة الزراعية  يقاس كل سعي بشري فوق سطح هذا الكوكب ، فتسبق الواجبات الحقوق ،إلا أنها تبدو في تعاقبها بسبب المصالح المشتركة كحلقة مغلقة لا يعلم طرفاها  . ومما يثير الانتباه في الربيع العربي  أن المطالبة بالحقوق تبدو طاغية على الجميع ، في حين لا يبالي الجميع بالواجبات . ففي مجتمعنا المغربي  لا يمر يوم دون المطالبة بالحقوق ، ولكن  لا أحد يبالي بالواجبات . وعلى سبيل المثال لا الحصر  نذكر الدوائر الحضرية والقروية ، التي تتعلق بها مصالح الناس من خلال  حصولهم  على الوثائق الإدارية المطلوبة كشواهد  الميلاد ،     والمصداقة على مختلف الوثائق …  ، وغيرها من الوثائق التي  لا يحصل المواطنون على ما يريدون دونها ، ولا تسير شؤونهم الإدارية اليومية السير العادي . فموظفو هذه الدوائر ضربوا رقما قياسيا غير مسبوق في الإضراب عن العمل من أجل المطالبة بحقوقهم ، وهم محقون في ذلك ، إلا أن مطالبتهم بحقوقهم عن طريق الإضراب فيها هدر لحقوق غيرهم من المواطنين الذين لا يتحملون مسؤولية ضياع حقوق هؤلاء الموظفين .

والمواطنون عندما يحصلون على حقوقهم في حالة قيام موظفي هذه الدوائر بواجباتهم ، لا يبالون بحقوق هؤلاء الموظفين المهضومة أيضا . وهكذا تصير الأنانية هي  العملة الرائجة بين  كل شرائح المجتمع ، حيث لا توجد سوى المطالبة بالحقوق، دونما احتفال بالواجبات.  وعلى غرار إضرابات الدوائر الحضرية والقروية،  تقاس إضرابات كل القطاعات. وقد  تصير الخسارة بسبب هذه الإضرابات أفدح في بعض القطاعات منها في قطاعات أخرى ، فعندما يتعلق الأمر بحياة المواطنين ، كما هو الشأن في قطاع الصحة ، أو يتعلق بمصيرهم كما هو الحال في قطاع التعليم  تكون الخسارة جسيمة  ، ولا تعوض.

فقد يتأخر حصول المواطنين على بعض وثائقهم الإدارية بسبب إضرابات الدوائر الحضرية والقروية ، وتكون الخسارة أقل من خسارة قطاع التعليم على سبيل المثال ، حيث لا يمكن تعويض الزمن المدرسي ،وزمن التعلم الضائعين بسبب إضرابات المطالبة بالحقوق من طرف موظفي القطاع على اختلاف اختصاصاتهم  . وإذا ما التمست الأعذار لبعض المضربين في بعض القطاعات ، مع أنها لا تمر بدون دفع ثمن على حساب حقوق الغير ، فإنه لا عذر لشريحة من عديمي الضمائر و الأخلاق الذين يتعمدون إلحاق الضرر بحقوق الغير دون مبرر، من خلال  التهاون في القيام بواجباتهم ، والتي تتوقف عليها حقوق غيرهم، خصوصا أن هذا الغير هم فلذات الأكباد التي تتعلق بهم عيون ، وقلوب الآباء والأمهات .

ولقد بلغ الأمر حد نشر هؤلاء الآباء والأمهات بلاغات إعلامية في وسائل الإعلام للاحتجاج على هدر حقوق المتعلمين بسبب تهاون بعض المربين ـ يا حسرتاه ـ  في القيام بالواجبات ، مع أنهم لا يفوتون فرصة من فرص الإضراب للمطالبة بالحقوق . ولقد هالني مؤخرا ،  وأنا أزور إحدى المؤسسات بإحدى نيابات الجهة الشرقية استخفاف أحد المربين بواحبه المهني  ،حيث لم ينجز من  مقرر الدورة الدراسية الأولى سوى مجزوءة واحدة ، ونحن في الدورة الدراسية الثانية. ولما جاءت ساعة زيارته ولى مدبرا ، ونكص على عقبيه ، وهو بذلك حديث ألسنة الجميع ، علما بأنه لا تفوته فرصة من فرص المطالبة بالحقوق ، ولا يمر إضراب  دون أن  يكون مع المضربين ، وهو يسجل باعتزاز وفخر أيام الإضرابات في وثيقة رسمية تشهد على تهاونه المتعمد .

وإذا كان هذا حال من يحسب على طليعة المجتمع  وعيا ـ يا حسرتاه ـ  ، فماذا يقال عن غير الطليعة  الأقل وعيا ؟ إن مجتمعنا ابتلي بداء خطير ، وهو الحالقة التي لا تحلق الشعر ، وإنما تحلق الأخلاق والقيم ، إنه الفساد المترتب عن اختلال التوازن بين الحقوق والواجبات ، حيث تنال الحقوق ، ولا تنجز الواجبات . والجميع مسؤول عن هذه الحالقة ، بما في ذلك الذين يسكتون ، أو يتسترون على المستخفين بالواجبات، والمصرين في المقابل على المطالبة بالحقوق ، وعلى رأس هؤلاء من بيدهم مسؤولية حراسة وصيانة حقوق الناس  ، والصالح العام مع شديد الأسف و الحسرة والألم .

اختلال التوازن بين الحقوق والواجبات أصل كل فساد
اختلال التوازن بين الحقوق والواجبات أصل كل فساد

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz