احتفاء بموريس: جزيرة بول وفرجيني،وأشباح القراصنة

344469 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: ” احتفاء بموريس:  جزيرة بول وفرجيني،وأشباح القراصنة”                                                                                              

تقديم:

في إطار الدفاع الثقافي عن وحدتنا الترابية- كاشتغال دبلوماسي مواز للعمل السياسي والعسكري- يجمل بنا أن نركز ،ونحن نقنع دول العالم بعدالة قضيتنا، وألا علاقة لها بالاستعمار واضطهاد الشعوب ،على المكون الثقافي  للدول التي

أخطأت – أو أريد لها أن تخطئ- فهم درسي التاريخ والجغرافية المغربيين ،فسارعت الى الاعتراف بما توهمته  دولة

صحراوية منفية بتندوف،  والحال أنها  مجرد حطام ،في بحر، لسفينة قراصنة  تسكنها الأشباح.

أن  نلتمس من هذه الدول ،خصوصا التي لا تفهم في المغرب وجواره،أن تمنحنا بعضا من وقتها لتصحيح نظرتها ،يقتضي منا أن نعرف أولا كيف تفكر ؟ من هم مثقفوها؟ وكيف نقيم بيننا وبينهم جسورا للتواصل والحوار.

لا أعتقد أن  أغلب سفاراتنا التي لم تعرف حتى كيف ترقى بالخدمات المقدمة لجالياتنا بالخارج -على الأقل خجلا من رقي الإدارة في البلدان المضيفة- لديها من الوقت “العمومي” ما تخصصه  لفهم المكون الثقافي ،و تأطير مثقفينا بالداخل الراغبين في فتح جبهات للدبلوماسية الموازية؛عساهم ينجحون بامكانياتهم المتواضعة في ما فشلت فيه سفارات تكلف الدولة كثيرا،دون أن تحرز، حتى  من مغتربينا  فقط، على   مجرد شهادة حسن الخدمات .

بعد أن رَمَت  جزيرةُ موريس بسهم  الحق  أشباح القراصنة،في عرض صحرائنا ،مما خلف ارتياحا مغربيا كبيرا؛ورغبة مني في تمكين القراء من  الإحاطة السريعة  والعذبة بالخريطة الثقافية لهذه الدولة ،وسكانها من المثقفين ؛إضافة إلى معالمها الوجدانية ،لم أجد – ضمن أرشيف ترجماتي القديمة- أفضل  من نص سياحي ثقافي،ل”جاك مونيي” JACQUES  MEUNIER   فعاودت الاشتغال عليه تنقيحا ورقنا  .

بول  و فرجيني :

الطريف في عبارة مالكولم دو شازال  Malcolm de Chazal ” هذه البلاد تزرع قصب السكر والأفكار المسبقة ” هو أنها تساهم بدورها في إنتاج فكرة مسبقة ؛والنتيجة أنني قصدت جزيرة موريس بفكرة سريالية مسبقة .

سأنسى بسرعة أن  موريس تقع في أقصى المحيط الهندي ومحيطها خمسة وأربعون فرسخا .سأخلط ،بغباء بين صابيات

Alizesالجنوب الشرقي و أعاصير الجنوب الغربي .سأتجاهل كثيرا عدد السكان ؛وهو من أقوى الكثافات السكانية في العالم ،بعد هونغ كونغ وبنغلاديش..يكفي أن  تجد نفسك محاصرا في زحام بين port louis العاصمة وcurepipe، على الهضبة الوسطى لتدرك انك لست في جزيرة خالية.

جزيرة موريس تزرع قصب السكر،هذا صحيح ،فمنذ الخروج من مطار “النزهة” وحقول القصب تتوالى من كل جانب ،ويؤكدون لك بأن “جزيرة موريس منجم للسكر منكشف للسماء “،وأن نصف الجزيرة  ذو موهبة سكرية ؛ونصف هذا النصف في ملكية أربع عشرة عائلة.يهمسون بهذا في أذنك حينما تلتبس عليك الخاصية الاقتصادية.موريس تنتج ،سنويا،ما يقارب طنا من السكر لكل شخص .هذه حقيقة اجتماعية.

الأفضل، بعد هذا، الذهاب للسباحة في مياه البحيرة الزرقاء .شعور داخلي قديم ،مضاد للدخيل ، يجعلك تفضل أشجار “الفيلاوس” les filaos على نخيلvu m’as tu-.  الفيلاوس الذي ينتشر بكثرة على الساحل ،وبكميات قليلة في شعر “بول جون تولي” ليس من السهل وصفه: تخيلوا شجرة منكسة بشعر من الهليون asparagus. بودلير يسمبها “أشجار الموسيقى”. انه يضفي على النزهات المشمشة طعما من الكآبة المبهمة.

يؤكد السيد Victor Charlier رحالة القرن التاسع عشر أن الفيلاوس أكثر جمالا وأكثر حزنا من شجر السرو .انه يحيى عرسا أبديا بين السماء والأرض. ولا يوجد – نحس بهذا حينما نشيخ- شجر أفضل منه لتغطية القبر .

أترتعشون؟ ها أنتم الآن – بسهولة- في عمق  رواية”بول  و فرجيني”.الكل حاضر :العرس ،القبر،ولا ينقص سوى غرق السفينة. الآراء المتعلقة بالرواية الكلاسيكية لb.de  saint-pierre  والتي تجري أحداثها شمال الجزيرة ،وقد أبكت أجيالا من القلوب الحساسة ،تبدو الآن قاسية بشكل غريب.A.Camus على سبيل المثال ،يتحدث عنها كما يتحدث عن “كتاب رديء،بكل بمعنى الكلمة”،وEtiemble الجامعي والناقد القاسي ،يصفها كأحد الكتب” الأكثر رداءة والأكثر قراءة في الأدب الفرنسي”.إذا نظرنا إليها من جزيرة موريس ،ونحن نرتشف كوكتيل الأنناس والروم ،فان هذه المأساة لا تستحق كل هذا”.

بين هذا “البول” المفرط في مراهقته وهذه “الفرجيني” الشرسة في عذريتها ،لا يمكن إن تسير الأمور .يبقى أن هذه الميلودراما القبلرومانسية ،بتجردها المرفوض ،مشابهة – من بعض الجوانب- للجزيرة التي اتُّخذت مسرحا لأحداثها .

لقد نحت برنارد  للجزيرة أسطورة بمقاساتها. لقد استطاع أن يجعل منها رواية عالمية ،لأن الموت والجنس ،الإشكاليتين الأساسيتين بالنسبة لكل جالية تعمير،مثبتان فيها بكيفية رمزية.

فراخ اليمام القلقة:

سعادتي ستكون في اكتشاف –بالصدفة- احترام غير منتظر لفراخ اليمام القلقة المتوارية في الجهنميات

Bougainvilliers،عند مدخل حي للكراء المعتدل ،حيث تشير لوحة ،بكل بساطة، إلى  “الحي العمالي بول وفرجيني”.

سأوفر عليكم زيارة الأماكن – مسرح الرواية- على حد زعمهم . إن الموريسيين الذين استقلوا حديثا ،والعاجزين عن العثور على قبر “فرجيني” سيشعرون – من الآن فصاعدا- بالخجل  من الخداع. رغم أنني لم أر سوى بالمنظار ممر الليمون la passe des  citronniers- المكان المضبوط حيث يوجد حطام السفينة ” سانت جرون” ،واجتزت بسرعة

قرية “الحسرة” village de creve –coeur فان انطباعاتي هي الانطباعات الأكثر اختصارا والأكثر غموضا.

لا – كمخبر أدبي- يجب علي إن أعترف لنفسي ،بسرعة،أن اقتفاء اثر “بول ” و”فرجيني”  لم يكن سوى ستار ،ذريعة لنصوص أخرى ، وتمهيد لقراءات أخرى. وهنا ،بصراحة، لا تخيب جزيرة موريس أملَ أي احد . موريس ،جزيرة الوز ile des cygnes،وجزيرة فرنسا سابقا ، جزيرة فوق أدبية. هذا يدهش أكثر من  كون وجود البشر فيها يعود إلى مائتين وخمسين سنة فقط؛وكونها تحتضن عددا من اللغات (يتحدث سكانها عشر لغات ،من ضمنها الانجليزية والفرنسية و”الكريول”،وتتوزع الديانات  فيها الى ثلاثين. ) هذا الوضع لا يشجع على ولادة أدب محلي.عل أي طائفة يمكن الاعتماد  حينما نجد أنفسنا أمام شعب متعدد اللغات ،مجزأ وغير متحيز؟وهل يستطيع الناشرون ،من حيث التجهيز،التوفر على جميع أصناف الحروف  المطبعية التي يتطلبها مشروع كهذا؟

أحسن جواب على هذا السؤال يوجد في المكتبات .أظهر آخر إحصاء أن الأدب الموريسي  يضم مائتين وخمسة وعشرين كاتبا (225) و أزيد من سبعمائة كتاب (700) . إحصاء سنة 1988.

الجمعيات الأدبية تضاعفت منذ 1803؛ويكفي أن نشير الى أسماء: روبير ادوارد هارت،مالكوم شازال،لويس وأندري ماسون ،جان فونشيت ،ادوارد مونيسك ،،وماري تيريز هامبر ،لندرك أن الأمر لا يتعلق بكتاب دون المتوسط ؛هذا دون أن نتحدث عن كتاب ناطقين بالانجليزية  مثل: سها كونتا  لا هولدار ، أناند مولو و ديبشند بيهاري ؛إضافة الى كتاب ناطقين بالهندية  مثل أبهمنيو أونوث ،وباللغة الأردية  ومنهم أ.و.فوندون مترجم  بول وفرجيني ،وبلغات: المراتي، التيليغو و التامول.

 شعب قوس قزح:

أنفة الموريسيين المتعددة الأعراق ،وميلهم للتغني بفضائل “شعب قوس قزح” أو “الدماء المتعددة” لا يجب أن تخفي الانقسامات والخصومات الحاضرة دوما :من الأبيض الى الموزمبيقي ،مرورا ب”الميلاتر” ،السنوا ، المالبار ن،الروز ، الفوي الصغير  والفوي الكبير gros fey.

إن تصور مواطن موريسي معتدل ،يمثل انسجاما ممتازا بين كل المكونات ،يغدو من المحال.

الموريسي مواطن “مشترك” على حد تعبير جميل لأحد المعلمين التامول ،والذي يضيف بهدوء:”الكتاب الموريسيون حولوا العائق الى فضيلة ،كما لو أن – في غياب  مواطنين أصليين- الواجب فرض عليهم مل فراغ ميثولوجي”.

عالم متكامل ، فالجزيرة – بحجمها- تقوي الروابط بين الناس والأشياء  وتُسيِّرُها أيضا.لا حظوا كيف أن برنادان دو سانت  بيير الذي أقام بها سنتين وأربعة أشهر ،أبرز نغم التوافق في كتابه ” دراسات الطبيعة”؛وكيف أن بودلير الذي توقف بها لمدة تسعة  عشر يوما ،استلهم منها أشعارا تتواصل فيها الأنغام  والشذى والألوان ؛وكيف أن مالكولم دو شازال

– أخيرا- والمولود  هناك نَمىَّ ،انطلاقا من انطباعات بسيطة، موهبة “النظرة الثلاثية “.إن مؤلف “الحاسة التشكيلية” و ” الحاسة السحرية” و ” بيترسموك”petrusmok يعترف قائلا: ” أنا واثق من أنني  لم أكن لأستطيع إنتاج أعمالي في مكان آخر غير جزيرة موريس .هيئة هذا البلد وهيئة روحي يشكلان كلا واحدا ؛الأسطورة عندي حية هنا بالذات ،بسبب التواصل المتبادل” .ربما  هذا هو السر الأكثر تخفيا في جزيرة موريس :لا شيء يخفى تماما . انك وسط دوامة طبيعية وثقافية ،دوامة من الأحاسيس ،نظام معمم.

يبدوا أن هذا  مجرد ادعاء وتفخيم من طرف فضولي بسيط قادم من أوروبا .لكن بعد برناردان ، بودلير ومالكولم كل شي مسموح به،كما أن مفاجآت أخرى تنتظركم.

هكذا ستعرفون أن ال”دودو” ،الطائر السمين الذي نسي الطيران ،والذي انقرض حوالي 1710 ( في قدور الهولنديين) لم يترك سوى اثر واحد:هيكل عظمي عُثر عليه في الموضع الذي يتم به تخطيط  المدرج الرئيسي  للمطار. تهرع الى المتحف لترى مجسم الجبس المطابق له ،فيصدم أنفك إعلان غريب :”المتحف مغلق بسبب الأمطار”..

داروين أيضا:

داروين الذي مر بالجزيرة في ماي 1836 أخطأ ،هو أيضا، الدودو ،ولم يمنعه هذا من الذهاب الى المسرح،من التعجب من عدد المكتبات ، من اجترار بعض النظريات عن التكوينات البركانية ،من فحص بعض المرجانات  وبعض كتل الحمم ، ومن الهتاف :” كم سأكون سعيدا بتمضية حياتي هنا “.بعد هذا يشير الى وجود ثمانمائة هندي ،سجناء الحق العام .وينهي إقامته بجولة طريفة:”لولويد يمتلك فيلا جعله رهن اشارتنا لنتمكن من القيام بنزهة على الطريقة الهندية .الحدث الذي فاجأني أكثر هو أن هذا الحيوان لا يحدث أي صوت في مشيته “.

محافظ الغابات الذي يعرف جميع هذه الحكايات ،وأشياء أخرى، “مستعد للإجابة على جميع أسئلتي ”  عبارة مجاملة طبقتها حرفيا بدون مجاملة : الأمر بسيط أريد رؤية شيء فريد .يجيب :هذا الأمر سهل ، إشارة بطرف العين للسائق،وانطلقت  سيارة “الجيب” في دورة من مائةمتر داخل مشتل “كيروبيب'”،وتوقفت أمام نخلة؛فقال مزهوا: “هاهي”،هاهي  ماذا؟رد:”هذه النخلة أمامك هي  الhyophorbe americaulis  قطرها 14سم وترتفع 6 أمتار” ؛وأمام تباطئي في استخراج آلة التصوير أوضح:” أتريد شيا فريدا ؟هذه النخلة هي النموذج الأخير المتبقي في العالم  “. لا داعي للقول انه يصونها كرضيع..

قلب الشاعر:

..حينما كنا نسير في غابة ” ماكابي” آخر معقل للحيوانات والنباتات الأصيلة،  نصحني المحافظ ،الذي أدرك  الهدف الغامض لرحلتي : يجب عليك أن تهتم بقلب شاعرنا الكبير ر. هارت R.HART؛تعرف ذلك الذي كان يسكن منزلا من المرجان  على شاطئ “سورياك”،والذي كان صديقا لمالكولم دو شازال  و”جورجس دو هامل”: مات الشاعر بتخثر الدم ،وربما لأنه كتب “شاهد قبر لقلب” تم الاحتفاظ بقلبه في الفورمول . انتقل هذا القلب من يد الى يد ،وأخيرا تم اقتراح وضعه في مرمدة  عند مدخل بلدية بور لويس ،لكن الفكرة لم تحظ بالإجماع .عندئذ ، ومن أجل مزيد من الأمن ،تم سكبه في قالب من اللدن .قال لي المحافظ أوادالي: إذا تمكنت من رؤيته فكر في بيته الشعري

se taire et ;seul dans l’infini ,s’ensevelir .

………………

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz