احتضان الفساد والتطبيع معه والسكوت عليه دليل على فساد المحتضن والمطبع والساكت/ وجدة: محمد شركي

52165 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: من المعلوم أن قيام ثورات الربيع  العربي الساخن منها والفاتر وحتى المجهض إنما كان بسبب استشراء الفساد بدءا بالسياسة ،  ومرورا بما يترتب  عنها من اقتصاد واجتماع  وثقافة  وفكر ….  وغير ذلك مما تمسه السياسة من أمور الحياة  ، وهي  أم  المصائب أو الكوارث أو الخبائث ، وإن  كان  هذا النعت الأخير  لم يرق  أحد الفضلاء ذات يوم ، فعقب عليه مستشهدا  بنماذج من  السياسة  الصالحة  في فترات الرشد والصلاح ، وأنا  أتفق  تماما  مع  فكرة :” إن في  الحياة  شيء إن  صلح صلحت الحياة كلها ، وإن  فسد فسدت  الحياة  كلها  ألا  وهو  السياسة “، ولهذا رأى  أحد أئمة الأمة  أن يدخر  الدعاء  الصالح  للساسة  لأن في صلاحهم صلاح الأمة ، وفي فسادهم  فساد الأمة . ولما  أدرك أعداء الأمة  أن ثورات الربيع  العربي  قامت  لتجهز  على الفساد السياسي  من أجل القضاء على كل أنواع الفساد الأخرى أعدت ثورات  مضادة  من أجل إنقاذ الفساد السياسي  بغاية الإبقاء  على كل أنواع  الفساد الأخرى . وأسهل  وسيلة  استعملها  أعداء الأمة من أجل تكريس  وضعية  الفساد التي كانت ما قبل  ثورات  الربيع  العربي هي ركوب  ظهور طوابير خامسة  من محتضني  الفساد  ومن  الساكتين  عليه  ومن  المطبعين  معه في العالم العربي  . والملاحظ  أنه حين  اندلعت  ثورات  الربيع  العربي الساخنة  خصوصا بدا  أن  الكل  كان ضد  الفساد  ، والحقيقة  أن  من كانت  لهم مصالح في الفساد  ، وهم  المحتضنون له  تظاهروا  بأنهم ضده  تجنبا  لتيارات  الثورات الجارفة  والمدمرة  ساعة  اشتداد  الثورات . وما  إن  هدأت  عاصفة  الثورات  حتى  عاد  الانتهازيون  المرتزقون بالفساد إلى  الظهور  من جديد ، خصوصا وأنهم  وجدوا  الدعم  الكامل عند أعداء الأمة ، وعند  سماسرتهم من الأنظمة  الفاسدة التي أجهضت ثورات ربيعها مخافة  عدوى الثورات  الساخنة .وبدأ الذين  تظاهروا بمناهضة  الفساد يمهدون  لعودته  من خلال  تطبيق  أجندات  أعداء الأمة . وهكذا  بدأ  العسكر  المصري  على سبيل  المثال  لا الحصر،  والذي ظهر  أول مرة  بأنه  يقف مع  ثورة 25 يناير  ، وبدا  نظيفا  مقابل تورط  جهاز  الأمن  في قتل  المتظاهرين يمهد  لانقلاب  عسكري  لفائدة عودة  الفساد  مطبقا  تعليمات واشنطن  وتل أبيب  . ولما  أجهز  على الديمقراطية  التي  كانت تستهدف  استئصال  الفساد  تحول  بين عشية وضحاها من  عسكر  كان  يخيل  للمصرين  أنه  يقف إلى جانبهم إلى جهاز  قمع على غرار  جهاز  الأمن  إبان  ثورة  يناير، بل صار أشد بطشا  بالموطنين  المصريين  من جهاز الأمن ، وتبين  أن العسكر وجهاز الأمن  وجهان  لعملة واحدة. وكان  العسكر المصري  محتضنا للفساد  بامتياز ، والتقت  مصالحه  مع  مصالح  الذين  خسروا  رهان الانتخابات  الرئاسية ، فركب  ظهورهم كما تركب  المطايا،  واستغلهم من أجل  تبرير  انقلابه  على  الشرعية وعلى  الديمقراطية  ، وهي إرادة  الشعب الثائر ضد فساد العسكر  المتمثل في نظام حسني مبارك . ودخل على  خط  تأييد  الفساد  المطبعون  معه  من هؤلاء  الطامعين في الحكم الذين  أغراهم العسكر  بنقض  الشرعية  والديمقراطية ،  وكونوا ما سمي  جبهة الانقاذ ، وهي تسمية  غريبة   ومثيرة للسخرية بحيث توحي  بمؤامرة  كبرى  على  الأمة  المصرية  خصوصا والأمة  العربية عموما  إذ لا يكون  الإنقاذ  إلا من  شر ، وكان  الشر هو  فساد  نظام العسكر  في عهد   حسني  مبارك الذي  بسببه قامت  ثورة  يناير. وصار المطبعون  مع  الفساد يسمون أنفسهم  منقذين لثورة يناير التي زعموا أنها  اختطفت من طرف الإخوان المسلمين ، مع أن  الأمر  يتعلق بانتخابات  ديمقراطية بشهادة الرأي  العام  العالمي ،ودون  وجود طعن في مصداقيتها . وبقدرة قادر  صارت الديمقراطية  والشرعية  في مصر عبارة عن  سرقة لثورة  يناير  بينما  الانقلاب  عليها صار انقاذا . وخطط أعداء الأمة  لتمرير  ثورة مضادة  في مصر ، ونجحوا في ذلك  ، وساعدهم  على ذلك سكوت  الساكتين  عليها من الذين  أيدوا ثورة  يناير الرافضة  للفساد إلا أنهم  انقلبوا  بعد ذلك عليها  فصاروا  يؤيدون  عودة الفساد  الذي  ثاروا  ضده في البداية . والمحتضنون للانقلاب  العسكري في مصر  هم محتضنون  للفساد  الذي كان قبل  ثورة يناير ، والمطبعون مع الانقلاب  من الطامعين  في السلطة  مطبعون مع  الفساد أيضا ، والساكتون  على الانقلاب  ساكتون  على  الفساد  كذلك. ولقد استطاع أعداء الأمة جر أنظمة  وأحزابا وأفرادا  وجماعات إلى المشاركة  في التآمر على  ثورات  الربيع  العربي من  خلال تزكية  الثورات والتحركات  المضادة  الدافعة  في اتجاه  إنقاذ الفساد  ، وضمان عودته من جديد . ولقد  جند أعداء  الأمة  سلاح  الإعلام  الذي  صار له  في هذا العصر بأس شديد  ودور خطير في التمويه  على الحقائق  وقلب  الموازين عن طريق  أساليب  التضليل  والتشويه . فحتى  الإعلام  الذي  كان يدعي خدمة  قضية  الأمة  الأولى ، وهي القضية  الفلسطينية  ، وتحديدا الإعلام المحسوب  على  الفلسطينيين  كما هو حال  الموقع  العنكبوتي   المدعو “دنيا  الوطن ” على سبيل  المثال  لا الحصر  صار يخدم   فكرة  عودة الفساد . فهذا الموقع  الذي يتشدق  أصحابه  بأنهم أصحاب  قضية  يمنعون نشر كل  مقال  يفضح  الثورة المضادة في مصر ،ويفضح الانقلاب العسكري فيها .  ومعلوم  أن  المشرفين  على  هذا الموقع  ينحازون  لتيار فتح ، وقد  وجدوا  الفرصة  سانحة  للنيل  من  تيار حماس ذي التوجه الإسلامي بمناسبة  الانقلاب  على رئاسة  حزب  العدالة  والحرية  ذي التوجه  الإسلامي . ومعلوم أن أعداء  الأمة  يركبون  مناكب  فتح ، ويستدرجونها  لما  يسمى مفاوضات  السلام  ، ويفرضون  عليها مناهضة   كل توجه إسلامي  في العالم  العربي  . فحماس بالنسبة  لفتح تنظيم  إرهابي  لأن  الكيان  الصهيوني  يشترط  ذلك  من أجل  التفاوض مع  الفتحويين ، ولهذا  فهؤلاء  مع  كل  جهة  تعادي  حماس ، ولما  كان الانقلابيون  ضد  توجه  حزب  العدالة  والحرية  الإسلامي  ، و كانت حماس  ذات  نفس التوجه، فإنها قد صنفت  في خانة  حزب  العدالة والحرية  واعتبر  التعامل  معها  جريمة  سميت  تخابرا  مع  جهات أجنبية  عند قضاء العسكر  المأجور، وبناء  على ذلك  تقف  فتح مع الانقلابيين نكاية في حماس  مع  أن  التخابر  بالمعنى  الحقيقي  هو تخابر  الانقلابيين  والفتحويين مع  الكيان  الصهيوني . أما  تعامل  حزب العدالة  والحرية  مع حماس  فتسميته  الحقيقية  هي  دعم  المقاومة ضد الاحتلال  الصهيوني . ونفس  الشعار  الذي  يرفعه  الكيان  الصهيوني وهو محاربة  الإرهاب ،علما بأن معنى  الإرهاب  عند  هذا الكيان المحتل إنما  يعني  المقاومة  وتحديدا  الإسلامية  ضده كاحتلال ، يرفعه الانقلابيون  في مصر  ضد  الإسلاميين  وتحديدا  ضد حركة الإخوان المسلمين  التي يعرف  العالم  أجمع  أنها حركة  سلمية  لا تتبنى  العنف  ، ولا زالت  تتبرأ  لحد الساعة من كل  عنف   يدبره  الانقلابيون عن طريق  جهاز مخابراتهم  من أجل  تلطيخ سمعتها  ، وذلك  تطبيقا للأجندة الأمريكية  والصهيونية. وهكذا  يصير إعلام  أصحاب  القضية  ـ يا حسرتاه  ـ إعلاما مأجورا  لأوكار الفساد  في العالم  العربي . وصار حال الفتحويين  كحال  العاهرة التي  تبيع  جسدها  لكل من يدفع  الثمن . فالفتحويون  مع  النظام  العلوي النصيري  في سوريا  ، وهم  مع الانقلابيين  في مصر، لأن  ذلك  يتماشى  مع  الأجندة  الأمريكية والصهيونية  التي  تحركهم من خلال  إسالة  لعابهم  بما يسمى  مسار السلام  . ووالله  الذي لا إله إلا هو  لن ينالوا إلا  الريح كما يقول  المثل  العامي  المغربي  لأن  الصهاينة  ضربوا  جذورا في الأرض المحتلة ودخلوها  بالقوة  ، ولن  يخرجوا  منها إلا بالقوة  التي   يسميها  الخونة إرهابا . ويبدو  أن  الفتحويين  يستعذبون   حياة  المهانة   في ظل الاحتلال   الصهيوني  لأنهم  قطعوا الصلة مع  المقاومة  ، وصاروا يعيشون  على انتظار  رهانات  مسلسل  السلام  السرابية  ، وتنكروا للمقاومة  ، وتنكروا  لكل من  كان  يدافع  عن  قضيتهم بصدق  ، ووقفوا مع  المفسدين إذناب  العدو الصهيوني  وسماسرته . وما  قيل عن  فتح يصدق  على تيارات  وأحزاب  سياسية لها حساسية  ضد  الإسلام  ، ووجدت  الفرصة  سانحة  للشماتة  بحزب  العدالة  والحرية  في مصر  ، واستغلال  انقلاب  العسكر على شرعية  حكمه  وديمقراطيته من أجل المطالبة بتعميم  ما وقع في مصر على  باقي  بلاد الربيع  العربي  لمنع الأحزاب ذات  المرجعية  الإسلامية  من الوصول إلى مراكز القرار  لأن ذلك يقلق أعداء  الأمة ولا يريدونه . وهكذا  تحولت  هذه  التيارات والأحزاب السياسية إلى طوابير  خامسة  تستغل  لإعادة  الفساد من جديد في  أشكال  أخرى  تحت  شعارات  انقاذ  الثورات  من  سرقات الإسلاميين  على  حد تعبير  هذه  الطوابير  التي  باعت  نفسها  لأعداء الأمة  بسبب  أطماعها  السياسوية المكشوفة . وأخيرا  أختم  بالقول : كل محتضن للفساد ،وكل مطبع  معه  ، وكل ساكت  عليه  يقيم  الحجة الدامغة  على  فساده ، والله  لا يحب  المفسدين ، ومصيرهم  مزبلة التاريخ.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz