إنما النكوص الحضاري يكون من الإسلام إلى العلمانية ولا يصح العكس

80310 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 10 يونيو 2013م الموافق ل فاتح شعبان 1434ه، عقب صاحب هوى علماني واضح على مقالي السابق الذي تساءلت فيه عن أيهما يكون تبعا للآخر الإسلام أم الأهواء ؟ وأعتبر مقالي نكوصا حضاريا لأنني لا أقر بالعلمانية كمشروع حضاري بديل عن المشروع الحضاري الإسلامي . وفي البداية لا بد من التنبيه إلى دلالة لفظة نكوص اللغوية ، ذلك أن النكوص مصدر فعل نكص ينكص ـ بكسر وضم الكاف ـ نكصا ـ بتسكين الكاف ـ ونكوصا ومنكصا ، وهو الإحجام عن الشيء ، والرجوع عما كان ، وهو الانتكاص أيضا. وفي الذكر الحكيم قال الله عز وجل عن الشيطان يوم غزوة بدر : (( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريىء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله )) . ولا يوصف بالنكوص إلا من رجع عما كان عليه . فعندما يقول قائل النكوص الحضاري ، وهو يعرف جيدا معنى النكوص ،فإنه يعني الرجوع عن حضارة ما والإحجام عنها. وعندما يقال هذا الكلام لمن يتحدث عن المشروع الحضاري الإسلامي ،فإنه يعني أن الإسلام لا علاقة له بالحضارة بالمفهوم العلماني ، وهذا منكر من القول وزور . ويبدو أن الحضارة بالمفهوم العلماني تختزل في الشق المادي والتكنولوجي ، في حين يكون الشق المعنوي فيها تبعا للشق المادي ، وهذا تصور متهافت وسوقي . فالشق المادي والتكنولوجي لا خلاف حوله بين المشروع الحضاري الإسلامي والمشاريع الحضارية الأخرى بما فيها المشروع الحضاري العلماني الذي يرى نفسه صاحب الحق الوحيد كمشروع حضاري تقابله مشاريع حضارية أخرى من ضمنها المشروع الحضاري الإسلامي . والإسلام لم يثبت عنه اعتراضه على تطور الحياة البشرية ماديا أو تكنولوجيا ، بل يعتبر هذا التطور هو المتغير في معادلته الذي يقابله الثابت على مستوى القيم أو على المستوى المعنوي . ففي القرآن الكريم دعوة صريحة للنفوذ من أقطار السماوات والأرض بسلطان أوله المفسرون بأنه سلطان العلم . ولا يمكن أن يصدر هذا التحدي عن القرآن الكريم ويوسم بعد ذلك بالنكوص الحضاري على المستوى المادي والتكنولوجي . والقرآن الكريم يعج بالدعوات إلى تأمل عالم الطبيعة المادي من أجل تسخيره عن طريق التطوير. ولا يصح أن يتهم صاحب مشروع حضاري إسلامي بالنكوص الحضاري في شقه المادي التكنولوجي إلا إذا ثبت أنه يرفض التطور المادي والتكنولوجي ، وينكص إلى المستويات المادية والتكنولوجية لعصور غابرة . فلا أحد على سبيل المثال من المسلمين في هذا العصر يرفض الاستفادة من تطور الحياة المادية بما فيها وسائل الاتصالات الحديثة أو تطور وسائل النقل على اختلافها أنواعه ، ولا أحد يفضل ضرب أكباد الإبل عن ركوب الهواء ، أو يفضل إشعار النار أو استعمال الحمام الزاجل في اتصاله عن الهواتف الخلوية الذكية إلى غير ذلك مما قد يعد نكوصا حضاريا في الشق المادي والتكنولوجي . وعندما يتعلق الأمر بالشق المعنوي أو شق القيم فالموضوع مختلف ، لأن المشروع الحضاري الإسلامي يقوم في شقه المعنوي على إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وهي ظلمات معنوية يراد بها تردي أو نكوص القيم والأخلاق ، كما أن النور معنوي أيضا يراد به تطور القيم والأخلاق . والإنسان في الإسلام مكرم من قبل خالقه سبحانه ، وآية تكريمه تفضيله على باقي الكائنات، واستخلافه في الأرض ، فضلا عن تسخير باقي المخلوقات له سواء الحية أو الجامدة . ولا يمكن أن يحدث للإنسان نكوص على مستوى التكريم أي لا يمكن أن يتراجع عن درجة التكريم الذي أعطيه يوم خلق. والرسالات السماوية التي جاءت بنفس الدين، وهو الإسلام عبر العصور كانت كلها تتضمن نفس المشروع الحضاري الإسلامي في شقه المعنوي حيث ظلت نفس القيم سائدة عبر العصور بالرغم من تغير العالم ماديا من عصر إلى آخر . ولقد تطور العالم ماديا ، فانتقل الإنسان من ركوب الدواب إلى ركوب الأجواء على سبيل المثال إلا أن قيمه الأخلاقية لم تتغير . فإذا كانت الطائرة المخترقة لجدار الصوت قد عوضت الجمل والناقة، فإن قيمة الصدق بقيت كما هي لأنها من الثابت الذي لا يتغير بتغير المتغير . وهكذا نجد في المشروع الحضاري الإسلامي أن شقه المعنوي أو القيمي ثابت بينما شقه المادي متغير ، ولا يؤثر الشق المتغير في الشق الثابت عكس ما يذهب إليه المشروع الحضاري العلماني الذي يسقط مفهوم الحداثة على كل شيء ، ويعامل المادي المتغير معاملة المعنوي الثابت . فإذا صح التحديث بالنسبة لما هو مادي ، فإنه لا يصح بالنسبة لما هو قيمي و أخلاقي . وهنا يصدق النكوص الحضاري على أصحاب المشروع الحضاري العلماني في الشق المعنوي أو القيمي حينما يدعون إلى التفسخ والانحلال على المستوى الأخلاقي تحت شعار الحرية والحداثة . وإذا كان المشروع الحضاري الإسلامي قد ارتقى بقيم الإنسان الأخلاقية على سبيل المثال في مجال الاتصال الجنسي عن طريق تشريع النكاح مقابل منع السفاح ، فإن المشروع الحضاري العلماني يدعو إلى السفاح ويتردى بالإنسان إلى مستويات البهائم ،بل يعود به إلى أشكال اتصال جنسي بدائية كعمل قوم لوط الذي ورد ذكره في القرآن الكريم في معرض الذم إلى جانب العودة إلى أشكال الزنا المختلفة التي منعها الإسلام لأنها تمس بكرامة الإنسان . واليوم نجد المجتمعات المراهنة على المشروع الحضاري العلماني على سبيل المثال تحتفي بزواج المثليين ، وبإباحة كل أنواع السفاح بذريعة الحداثة ، والحقيقة أن الأمر يتعلق بالانتكاص أو بالنكوص الحضاري على مستوى القيم والأخلاق . ولا يستقيم عقلا أو منطقا أن يصير زواج المثليين على سبيل المثال تطورا موازيا أو مماثلا لتطور وسائل الاتصال أو وسائل النقل أو غير ذلك مما يتعلق بالتطور المادي والتكنولوجي . ولا يجوز استباحة عرض الإنسان وكرامته بذريعة تحديث قيمه لأن المادة والتكنولوجيا تطورت . فتطور المادة والتكنولوجيا يكون نحو الإيجابي في الغالب مع بعض الاستثناء ، بينما تطوير القيم الأخلاقية بالمفهوم التحديثي العلماني عبارة عن نكوص أو انتكاص حضاري. ولا يجوز أن يستبيح الرجل مثلا عرض امرأة لمجرد أنها لم تعد تركب الجمل والناقة ، و صارت تركب الطائرة المتطورة . ولا يجوز أن يواقع الرجل الرجل لأن العصر عصر هواتف خلوية ذكية . فمن السخف قياس تطور القيم وتحديثها على تطور وتحديث المادة والتكنولوجيا . ولا مجال لادعاء حلول قيم جديدة مع التطور المادي والتكنولوجي . وكثير من العلمانيين في مجال الفكر والأدب يسوقون قيما منتكصة أو متردية عن سلم الأخلاق الإسلامية السوية بذريعة مفادها أن تطور الحياة المادية والتكنولوجية اقتضت قيما جديدة أو فرضتها. وهكذا سرنا نسمع على سبيل المثال بشعر المدينة في النموذج الشعري الحداثي ، وهو شعر يتحدث عن قيم سلبية أفرزها التطور المادي والتكنولوجي ، وحاول أصحاب هذا الاتجاه شرعنتها أو إضفاء الشرعية عليها أو اعتبارها أمرا واقعا يستمد مشروعيته من مجرد وقوعه بغض الطرف عن قيمته. وهنا تكمن مغالطة العلمانية والحداثة التي ترى أن الدين يجب أن يعامل معاملة القديم لأنه ينتمي للقديم ليستقيم مفهوم الحداثة التي تصنع وجودها على حساب القديم مهما كان . ومن الغريب أن يتهم المشروع الحضاري العلماني المشروع الحضاري الإسلامي بالظلامية ، مع أن هذا الأخير يرفع شعار التنوير مقابل نكوص القيم الأخلاقية في المشروع الحضاري العلماني أو ظلامية هذه القيم . إن العلمانية تتسم بخاصية قلب المفاهيم في صراعها مع الإسلام من أجل تقديم نفسها كبديل حضاري مسبوق بنماذج حضارية منتكصة على مستوى القيم والأخلاق عبر تاريخ البشرية ، والتي عادت من جديد في أشكال تدعي الحداثة ، وهي تعتبر في العرف العلماني تطورا موازيا للتطور المادي والتكنولوجي . وبهذا يكون ردي على من وصف مقالي السابق بالنكوص الحضاري .

إنما النكوص الحضاري يكون من الإسلام إلى العلمانية ولا يصح العكس
إنما النكوص الحضاري يكون من الإسلام إلى العلمانية ولا يصح العكس

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz