إنما استبداد الأنظمة العربية من استبداد الأحزاب السياسية في البلاد العربية

11960 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 7 أكتوبر 2012، إن الباحث المتأمل في ما أصاب الوطن العربي من أنظمة مستبدة لعقود طويلة ،يكتشف أن أصل داء الاستبداد هو الأحزاب السياسية التي تكاد تتفق كلها في طول هذا الوطن وعرضه في خاصيتين اثنتين : الأولى هي احتكار حركات المقاومة عندما كانت معظم  أقطار الوطن العربي تحت نير الاحتلال الغربي ، والثانية هي الحلول محل هذا الاحتلال  من حيث الاستبداد  بعد جلاء القوات العسكرية للمحتل. وبهاتين الميزتين تتميز الأحزاب السياسية العربية بصفحة مشرقة باعتبار احتكارها لحركات المقاومة ، وأخرى مخزية باعتبار استبدادها بعد استقلال البلاد العربية .

والمؤسف حقا أن تظل هذه الأحزاب ترتزق بالصفحة المشرقة بعد الصفحة المخزية وبعد استبدادها، وخلق أنظمة سياسية مثلها في الاستبداد والطغيان. فالأحزاب السياسة التي كانت زمن الاحتلال الغربي للوطن العربي تحتضن حركات المقاومة وتتبناها صارت بعد استقلال الوطن العربي  تمارس أفظع وأبشع الجرائم ضد مواطنيها ،وهو أمر سجلته شهادات تاريخية تخشى هذه الأحزاب من شيوعها في الناس لأنها تفضحها ، وتفضح  آثار جرائمها البشعة  من قبيل المقابر الجماعية التي تضم رفات آلاف الضحايا ، والمعتقلات الرهيبة ، والانتهاكات الصارخة للأعراض ، وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .  

أما الحكومات التي نشأت في بداية استقلال الوطن العربي عن هذه الأحزاب فقد كانت بداية إصابة الوطن العربي بداء الاستبداد والطغيان، وأما ما نشأ من أنظمة مستبدة خارج عباءة هذه الأحزاب من قبيل الأنظمة العسكرية الانقلابية، فقد  نهلت من نبع استبدادها  وطغيانها، وفاقتها استبدادا وطغيانا . وما كان لرؤوس الأنظمة العربية المستبدة أن يفكروا في توريث الرئاسات لأبنائهم لو لم يتعلموا من زعماء الأحزاب السياسية توريث الزعامات الحزبية لأبنائهم وأقاربهم . ولا توجد ظاهرة استحواذ الأسر والعائلات على  زعامات الأحزاب السياسية إلا في الوطن العربي ، ذلك أن زعامات الأحزاب السياسية في باقي أقطار العالم ذات طبيعة تداولية بحيث  يكون بإمكان كل المنخرطين فيها أن يصيروا زعماء لها . وفي اعتقادي أن ظاهرة توريث الزعامات الحزبية في الوطن العربي إنما  تسربت عن طريق الإرث الديني الصوفي  حيث يورث شيوخ الطرق الصوفية المشيخة لأبنائهم  وسلالاتهم ، فكذلك يورث زعماء الأحزاب السياسية في الوطن العربي  زعاماتها لسلالاتهم.

ولهذا يبدو غريبا عندنا  انتقال الزعامات الحزبية من الأسر والعشائر إلى عامة من ينخرط فيها. ولا أظن أن ظاهرة التوريث ستتغير بل  ستأخذ أشكالا جديدة ،وتنتقل من وراثة عائلية أو أسرية إلى وراثة تعتمد اعتبارات أخرى لا تختلف عن  الاعتبارات الأسرية والعائلية. وإذا ما كانت الزعامات الحزبية في دول العالم خاصة تلك التي  عرفت التجارب الديمقراطية لقرون دولة بين كل مناضلي أحزابها، فإنها في الوطن العربي دولة بين  أسر وعائلات وحتى عصابات ترتبط فيما  بينها بمصالح. إن الشعوب العربية التي  راهنت على ربيعها تريد أن تطوي صفحة الأنظمة المستبدة إلى الأبد، ولكنها لم تحسب الحساب الدقيق لذلك ما دامت لم تطو صفحة الأحزاب السياسية المستبدة ، أو الأحزاب السياسية التي خلقتها الأنظمة المستبدة، والتي  تتشكل  بأشكال مختلفة  حسب الظروف التي تمر بها بلدان الوطن العربي  بحيث تغير أحزاب الأنظمة المستبدة عباءتها  ، وتغير من عناوينها عند الاقتضاء، لكنها تظل كما كانت في حقيقة أمرها ، وفي أهدافها وغاياتها . وحال الشعوب العربية  الحالمة بالتخلص من الاستبداد كحال من قال فيه الشاعر العربي :

 ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها //// إن السفينة لا تجري على اليبس

أجل لا يمكن استئصال الاستبداد السياسي باعتماد  ما يسمى اللعبة الديمقراطية بين الأحزاب السياسية التي  تتخذ من الاستبداد عقيدة  ومذهبا ومنهجا. وبتغيير بعض الأحزاب السياسية قياداتها فيما يبدو ظاهريا حلول عقيدة الديمقراطية محل عقيدة الاستبداد داخلها، فسيظل المثل الشعبي المأثور القائل : ” الذيب هو الذيب ولو طبختو بالزبدة والزبيب ” صحيحا لأن الأحزاب التي بنيت على الاستبداد لن تكون إلا مستبدة مهما غيرت من أصباغ قيادتها ومن عناوينها المضللة والمموهة. ولا أدل على إصرار الأحزاب السياسة المستبدة على استبدادها دخولها في ائتلافات حكومية مع بعد الشقة  فيما بينها إيديولوجيا، لأنها تلتقي جميعها عند محطة الاستبداد، و لهذا لا تجد حرجا في محاولة تقريب ما بين المشرقين من بعد حينما  تتظاهر بأن إيديولوجياتها يمكن أن تتعايش بالرغم من تناقضها الصارخ. ومعلوم أن إغراء الحكم والسلطة يقرب بين  كل الراغبين فيهما  بالرغم من اختلاف الشاميين عن العراقيين، وعليهم يصدق قول  أمير الشعراء مخاطبا القمري في بلاد الفردوس المفقود حيث كان منفيا :

فإن يك الجنس يا ابن الطلح فرقنا //// فإن المصائب يجمعن المصابينا

وكذلك  تفرق الإيديولوجيات الأحزاب السياسية، ولكن تجمعها المصالح لأن السياسة لا خلاق لها. فلن تنتظر الشعوب العربية شفاء من داء الاستبداد ما دامت الدماء التي تضخ في جسم  الوطن العربي موبوءة بداء الاستبداد الذي لا زالت تضخه الأحزاب السياسية المستبدة بطبيعتها في أنظمة سياسية جديدة حلت محل الأنظمة المستبدة النافقة. وسيظل هذا الاقتناع موجودا يفرض نفسه حتى يثبت العكس إن شاء الله تعالى، وهو ما تأمله الشعوب العربية التي لا زالت مفتونة بربيعها، ولا زالت تعلق عليه آمالها العريضة دون أن تدفع بسفنها من اليابس نحو الماء إذا كانت فعلا ترجو النجاة  ذات المسالك المعلومة.

إنما استبداد الأنظمة العربية من استبداد الأحزاب السياسية في البلاد العربية
إنما استبداد الأنظمة العربية من استبداد الأحزاب السياسية في البلاد العربية

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz