إعادة تقييم تحالف “ج8” في ظل الأزمة الحكومية الراهنة

39591 مشاهدة

وجدة: نور الدين زاوش/ وجدة البوابة: وجدة في 19 يوليوز 2013، “إعادة تقييم تحالف G8 في ظل الأزمة الحكومية الراهنة؟”

إن ما نطلقه في حزبنا الإسلامي من صفات على الآخرين، نحن متيقنين من أن لا علاقة له بالمفاهيم الحقيقية لتلك الصفات، فمن نَصِفُه بالشريف أو الذكي أو النزيه، ليس ضروريا أن يكون كذلك، المهم أنه يكون مساندا لمواقفنا، أو تابعا لنا، أو متحالفا معنا، ومن نُطْلق عليه وُصوليا، أو مخادعا، أو مُهرجا، ليس بالضرورة أن يكون كذلك، المهم أنه منافس سياسي، أو منتقد لاذغ، أو معارض شرس.

وهذا ما دأب عليه صقور العدالة والتنمية، حتى اتضحت الصورة كاملة غير منقوص منها شيء، فبالأمس القريب كان السيد مزوار، رئيس حزب الأحرار، ورئيس كتلة “التحالف من أجل الديمقراطية G8، “مختلسا” و”فاسدا”، وكان يأخذ 40 مليون سنتيم تحت الطاولة، فأقام أفتاتي ميتما في البرلمان، استدعى له كل ما يزخر به قاموسه السحري من سب وشتم، واستنفر له كل ما بحوزته من اتهامات وتخوينات، ليفاجأنا هذه الأيام بحكمته الغير المعهودة، ورزانته الغير المألوفة، بأن كل خيارات حزبه قائمة، وكل الاحتمالات واردة، بعيدا عن الحسابات الشخصية، في إشارة إلى إمكانية التحالف مع رئيس التكتل “الفاسد” G8.

شكرا لك أيها السيد الفاضل على هذا التوضيح، وألف شكر على هذه المعلومة القيمة التي غابت عن الكثير من معجبيك ومريديك، فجميع ما كنتَ تقوله أو تصرح به في موضوع مزوار، لم يكن إذن إلا حسابات ضيقة وشخصية، ولم يكن الغرض منها مصلحة البلاد والعباد، أو مقاومة الفساد.

سبحان الله !!

من سيثق فيك أيها السيد المحترم بعد الآن؟ فلربما أتى اليوم الذي تعترف فيه أيضا، بأن معاركك ضد G8، وضد حزب الجرار، وضد السيد الهِّمة ،كانت أيضا حسابات شخصية لا غير، بل من سيثق في حزبك “الإسلامي” العتيد، حينما أصبح يُدعم ائتلافه الحكومي بالأحزاب “الشيطانية” التي أَلَّفت تحالف “الشر” G8.

طبعا، سيجد فقهاء حزبنا “الإسلامي” من السنة ما يبررون به مواقفنا “البطولية”، ومن آيات القرآن الكريم ما يُخرسون به ألسنة “الحاقدين” و”الغاضبين”، يكفي أن يعودوا إلى مقالاتي الشرعية التي نشرتها من قبل في الموضوع، ليجدوا فيها ما تقر به الأعين وتلذ به الأنفس.

لقد عشتُ وسط “الإخوان” منذ صغري متعاطفا معهم، ومناضلا في صفوفهم، وقياديا في هيآتهم، وأعرف أكثر من غيري، أن لا أحد أَقْدَر منهم على تشويه الآخر وتصنيفه وعزله، خصما كان، أو منافسا أو مجرد مختلف في الرأي، فقد راكموا تجربة عشرات السنين من المحن والابتلاءات، نظموا فيها صفوفهم، وحَبَكوا نظرياتهم، وتغلغلوا في صفوف هذا الشعب المسكين، حتى بدوا وكأنهم منقذو الأمة، ومخلِّصوها من براثين الجهل والظلم والفساد، ومُجسدو كتاب الله تعالى فيها وسنة نبيه الكريم.

حينما أنشئ تحالف G8 أقاموا الدنيا ولم يُقعدوها، ولم يدعوا موقعا إلكترونيا إلا كتبوا فيه مقالاتهم، أو جريدة إلا ونشروا فيها اعتراضهم وتشويههم، أو منبرا إعلاميا إلا وتجندوا فيه لإلصاق أقبح الأوصاف، وأنتن النعوتات، وأوضع الاتهامات بهذا التحالف، فكان الشعب بين خيارين لا ثالث لهما، إما أن يُصدق ما يقولوه، وينخرط في اللعبة، فيشعر بالراحة والطمأنينة، أو أنه لا يُصدق، فما زالوا قابعين قرب أذنيه، مرابطين بجانب رأسه، يصرخون ويوسوسون ويُوَلْولون حتى يرجع ويتوب، أو يتحمل صداع الرأس إلى أبد الآبدين.

إنهم أخطر من الخطر، وأعجب من العجب، وأدهى وأمر على هذه الشعب المسكين، من كل داء يمكن أن يصيب أمة النبي الكريم، فهم من ظهور علامات “الصلاح” على وجوههم، أقرب إلى التصديق من غيرهم، ومن “نبل” الألفاظ التي تنساب من بين شفاههم، أقدر على الاستيلاء على قلوب الآخرين ونفوسهم، فيصيروا بذلك أمثلة تُحتدى، ونماذج تُقتدى، وهم في حقيقة الأمر مجرد أناس لا يكلون من ذكر السنة النبوية الشريفة، لكنهم لا يطبقون منها سوى جزءها النظري، ولا ينفذون منها سوى ما تعلق بِحَثِّ الآخر ونُصحه، دون أن يتعداه لصلاح الذات، وتصفية القلب، وتزكية النفس، وتطهير الروح.

فها هو تحالف G8، قد جعلوا منه أكبر تحالف “شيطاني” في تاريخ المغرب السياسي المعاصر بدون منازع، وحينما استتب لهم الأمر، وصدقهم هذا الشعب المسكين حتى النخاع، صاروا غير مضطرين لإثبات نظرياتهم بأدلة الكتاب أو السنة القاطعة، أو أدلة الواقع الصارخة، بل يكفيهم الرجوع إلى تحالف G8، الذي سبق وأن بينوا “شيطانيته” العظيمة، وبرهنوا على “فساده” الكبير، فَلَان لهم الصعب، وسهل عليهم العسير، وصار تشويه الآخر لا يتطلب غير كلمة واحدة: G8.

هذا ما يفعله كثير من قياديي الحركة الإسلامية والحزب الإسلامي، فحينما طالب حزب النهضة والفضيلة بكوطا للعلماء في البرلمان، قام حماة العقيدة ساخرين: “ها ها ها، G8 وكوطا للعلماء”، وحينما طالب في إصلاحاته الدستورية بإدراج فصل ينص على أن التشريع الإسلامي مصدر رئيسي من مصادر التشريع، قام حماة العقيدة: ” ها ها ها، G8 والتشريع الإسلامي”، وحينما انضم ثلة من السلفيين الأخيار إلى حزب الفضيلة، صاح الهلالي وأصحابه: ” ها ها ها، خِ8 والسلفيين”.

يؤسفني، أو ربما يشرفني، أن أخبر حراس الشريعة، وحماة العقيدة، بكون تحالف G8 هو أشرف تحالف سياسي عرفه المغرب، وأتحدى في ذلك “فقهاءهم” و”علماءهم” ومثقفيهم ومفكريهم وقيادييهم، من أن يبينوا العكس، لكن لا حياة لمن تنادي.

بمجرد أن تبوّأ حزب العدالة والتنمية صدارة نتائج انتخابات 25 نونبر 2011م، بدأ بتشكيل الحكومة، وهو في حل من أولئك الذين منحوه أصواتهم، ووضعوا فيه ثقتهم، فتحالف مع من شاء، وأهمل من شاء، وما أكثر متعاطفيه الذين خيَّب ظنَّهم فيه تحالفُ G4، الذي يضم أحزابا كانت من أشد المعارضين للمشروع الإسلامي والناقمين عليه.

فكم من مناضل غيور، ما كان ليصوت على الحزب الإسلامي، لو علم بأنه في حال فوزه سيتحالف مع حزب شيوعي، كحزب التقدم والاشتراكية، وكم من متعاطف إنما صوّت على الحزب الإسلامي، ليستريح من حزب الاستقلال، الذي يراه أوصل المغرب إلى حافة الهاوية، وكم من غيور ساند حزب “الإسلاميين”، كي لا تلج أحزاب G8 قصر الحكومة.

لكن للأسف الشديد، فقد ولج الحكومة حزب الحركة الشعبية، وهو أحد أقطاب G8، وتربع على عرش وزارة الداخلية، وهي أكثر الوزارات حساسية وتأثيرا، وهذه خيانة للمناضلين ليس بعدها خيانة، ومكيدة دُبِّرت ضد المتعاطفين ما بعدها مكيدة، أضف إلى هذا كله، فليس من المستبعد أن ينضم إلى الائتلاف الحكومي رئيس G8 السيد مزوار وحزبه “الفاسد”، على حد تعبير قياديي العدالة والتنمية.

تصوروا معي لو أن حزب العدالة والتنمية أفصح عن تحالفاته قُبيل الانتخابات، أتراه كان سيفوز بذلك العدد من المقاعد في البرلمان؟ إذا كان الجواب كلا، فإن هذا يعني أن مقاعد البرلمان التي تمثل فارق العدد بين ما تحصل عليه بالفعل، وبين ما كان سيتحصل عليه في حالة ما لو كان صادقا مع مناضليه ومتعاطفيه، هي مقاعد ربا، وكراسي حرام، إنما تحصَّل عليها عن طريق الخديعة والمكيدة لا غير.

إن إفصاح حزب النهضة والفضيلة عن تحالفاته قبل خوض غمار الانتخابات، يدخل في إطار الشفافية بينه وبين المتعاطفين معه، وفي إطار الصدق الذي يجمعه بمناضليه، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، ويأخذوا قراراتهم، ويحسموا أمورهم، ولا يصوتوا عليه إلا وهم يعلمون تحالفاته، فإذا راقتهم ساندوه ودعموه، وإذا لم ترقهم انصرفوا عنه وتركوه، غير مُترددين أو مَلُومين، فلا يتهمونه فيما بعد، بالتغرير بهم، أو الكذب عليهم، أو إخفاء معلومات مصيرية عنهم من أجل بلوغ أغراض وضيعة.

من هذا كله، نفهم أن تحالف G8 كان أشرف تحالف عرفته الساحة السياسية بالمغرب، حتى وإن نجح محترفو “الإخوان” في تشويهه، عكس التحالف المرتقب الذي يحاول الحزب “الإسلامي” القيام به هذه الأيام، حتى وإن نجح محترفو “الإخوان” في تلميعه، ونفهم أيضا لماذا لم يفز حزب النهضة والفضيلة “الصغير” بأي مقعد في البرلمان، لأنه بكل بساطة، آثر أن يبقى واقفا على أن يجلس على كراسيَ حرام.

Zaouch.nor@gmail.com

إعادة تقييم تحالف "ج8" في ظل الأزمة الحكومية الراهنة
إعادة تقييم تحالف “ج8” في ظل الأزمة الحكومية الراهنة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz