إصلاح نظام المقاصة بين الخيارات الشعبوية وإكراهات الوضع الراهن/ بقلـم: ادريـس الفقيـر

32941 مشاهدة

وجدة: ادريس الفقير/ وجدة البوابة: وجدة في 15 يونيو 2013، لا يزال الجدل قائما وسيظل حول إصلاح صندوق المقاصة بخصوص ما أفصح عنه رئيس الحكومة من رغبة في رفع الدعم عن المواد التي ظلت تحظى بدعم الصندوق على امتداد عقود من الزمن والمتمثلة في الدقيق والسكر وغاز البيتان والغازوال مقابل دعم الفئات الأكثر فقرا بكيفية مباشرة. وهو ما يفضي إلى تحمل المواطن البسيط عبء اقتناء المواد الاستهلاكية الأساسية بكلفتها الحقيقية الذي سيزداد حدّة باحتساب الضريبة على القيمة المضافة التي وإن ظل سعرها ثابتا فإن كلفتها سترتفع بارتفاع اسعار المواد المدعمة حاليا من طرف صندوق المقاصة. ويتوقع المختصون أن يتجاوز فارق التكلفة الناجم عن تطبيق السعر الحقيقي  13 % من دخل الأسر.

           لا يخفى على أحد ما قد يترتب على خيار رئيس الحكومة من انعكاسات سلبية مباشرة على القدرة الشرائية للسواد الأعظم من المواطنين ومن تبعات قد تشكل تهديدا إضافيا على السلم الاجتماعي الهش الذي لم يعد يحتمل المزيد من الهزات الناجمة عن خيارات الحزب الحاكم. وقد عبر السيد عبد الإله بنكيران أكثر من مرة داخل قبة البرلمان عن قناعته بأن خياره القائم على دعم الفئات الهشة بكيفية مباشرة هو صمام الأمان الذي سيقي المغرب تبعات ومخاطر رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية الأساسية وأنه في طور البحث عن الطريقة التي ستمكنه من تحديد الفئات الفقيرة التي ستستفيد من المنح المالية التي تعتزم حكومته برمجتها في هذا الصدد.

وقد لا يختلف اثنان حول ضرورة العمل على التخفيف من عبء صندوق الدعم على الميزانية العامة للدولة حتى يتيسر للحكومة توفير الأموال اللازمة لتنفيذ سياستها الإنمائية؛ إلا أن الخلاف سيظل قائما حول المقاربة التي اختارها رئيس الحكومة لبلوغ ذالك المبتغى.

       وقصد الإحاطة بكل حياد وموضوعية بالمتغيرات الوازنة في ملف المقاصة، ارتأيت الخوض في تحليل ومناقشة الانعكاسات المحتملة للخيار الذي ينادي به رئيس الحكومة في هذا الصدد، لأخلص في نهاية المطاف إلى تقديم تصور بديل قد يقينا ويلات الطرح الذي أملته مكاتب الاستشارة الأجنبية وصندوق النقد والبنك الدوليين. وهو التصور الذي يفترض فيه احترام المبادئ الكونية والدستورية لحقوق الإنسان  كالديموقراطية والمساواة واستبعاد كافة أشكال التمييز بين المواطنين.

       لنفرض جدلا أن حكومة عبد الإله بنكيران دخلت  بالفعل في تنفيذ الطرح التي أعلن عنه رئيسها في شأن إصلاح المقاصة:  فما هي صعوبات تنزيل الدعم المباشر على أرض الواقع ؟  وما هي الآثار والانعكاسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية البعيدة والقصيرة الأمد لهذا الطرح؟   

هذه الأسئلة وغيرها تترجم حجم وحساسية الملف التي ظلت تثيره الحكومات المتعاقبة دون أن تجد مسلك آمنا  للحسم فيه، ليس لافتقادها جرأة القيام بذلك كما يروج البعض، وإنما لجسامة مسؤولية اتخاذ أي قرار مغاير بشأن صندوق خلق (بضم الخاء) أصلا لتيسير الحيات الكريمة للمواطنين. ويمكن الخوض في الإشكالات السالفة الذكر من خلال النقاط التالية:

أولا:  يقتضي الدعم المباشر للأسر الأكثر فقرا (لا أقول الفقيرة لاعتقادي أن السواد الأعظم من المغاربة يقعون تحت طائلة الفقر) تصنيف المواطنين قصد إسناد “صفة الفقر” لبعضهم دون البعض الآخر وهو ما يعني نشوء مراكز قانونية جديدة داخل المجتمع. ومن البديهي أن يعمل كل من رُسِّم في خانة الفقر على الاحتفاظ بمركزه القانوني بكافة الوسائل بما فيها الاستمرار في الظهور بمظهر البؤس وإن تحسن وضعه المادي فيما بعد حتى لا يفقد تلك المنحة التي يمتصها من خزينة الدولة دون مقابل. ولعل خير ما يستدل به على قولي هو ما حدث مع ساكنة دور الصفيح التي ظلت تتضاعف على شاكلة المتتالية الهندسية بمجرد علمها بعزم الدولة على توفير السكن اللائق لهذه الشريحة من المجتمع مع كل ما صاحب مشاريع القضاء على مدن الصفيح من فساد وارتشاء؛ وواقع الحال يؤكد أن مدن الصفيح لا تزال على حالها رغم كل الأموال التي صرفت في سبيل القضاء عليها؛ فما الذي سيحصل إن تعلق الأمر بمنحة شهرية تجود بها خزينة الدولة على فئة معينة دون مقابل؟

       لسنا في حاجة لتفكير عميق لندرك أن سباق الحصول على الدعم المباشر سيكون محموما بين فئات عريضة من المواطنين لدرجة أن كل من لم ينجح في الحصول على صفة “الفقر” من الجهات التي سيسند الاختصاص في تفييء المواطنين سيلجأ لا محالة لوسائل ضغط بديلة لبلوغ مبتغاه. فهناك من سيرتئي الدخول في إضراب عن الطعام بجوار المؤسسات العمومية، وهناك من سيفضل إضرام النار في جسده في فضاءات عمومية وهناك من سيقتاد (بضم الياء) داخل حركات احتجاجية يصعب احتواؤها نظرا لطبيعة الشرائح المنضوية تحتها.

ثانيا: آلية الدعم المباشر ليست سوى شكلا من أشكال اقتصاد الريع الذي ظلت الحكومة الحالية تنادي بإسقاطه. فالآلية ستشجع على الاتكال والكسل والتحايل للحصول على راتب دون أي جهد يذكر وستضرب في العمق مبدأ ” الأجر مقابل العمل” الذي أضحت تعتمده الحكومة كقاعدة قانونية لتبرير الاقتطاعات التي تطبقها على أجور المضربين ناهيك عن كونها منافية لمبدأ المساواة لكنوها قائمة على التمييز بين المواطنين. ومن جهة أخرى تعد آلية الدعم المباشر بمثابة عقوبة خفية في حق المواطن النشيط الذي سيستثني من الدعم رغم إسهامه في تمويل الخزينة العامة عن طريق الضرائب التي يؤديها للدولة والتي سيذهب جزء مهم منها لجيوب أناس لا يعطون أية قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. ولا بأس من التذكير أن هذا المنطق الغريب الذي يستعصي على الفهم هو الذي عصف باقتصاد المعسكر الشرقي وعجل بسقوطه.

ثالثا: سبقت الاشارة إلى أن آلية الدعم المباشر ستخلق مراكز قانونية جديدة تترتب عنها حقوق مكتسبة لشريحة كبيرة من المواطنين. وهو ما يجعل مراجعة الآلية شبه مستحيلة على اعتبار أنه من الطبيعي أن يسعى المستفيدون من الدعم للحفاظ على مراكزهم. إذن فعلاوة على كون آلية الدعم تعتمد تفيىء المواطنين مع كل ما يترتب عن ذلك من حقد وحواجز سلبية بين فئاتهم، يبقى هذا الخيار محفوفا بالمخاطر لكونه لا يقبل الرجوع للخلف.

رابعا : من الأكيد أن تطبيق السعر الحقيقي على المواد المدعمة حاليا من طرف المقاصة ستكون له انعكاسات وخيمة على الطبقة المتوسطة التي تعاني حاليا من غلاء المعيشة والتي أضحت تندحر بمعدل مقلق يتجاوز 10% سنويا. فواقع الحال ينذر إذن بعدم قدرة هذه الفئة على تحمل أعباء إضافية نتيجة حرمانها من الدعم الذي يؤمنه حاليا صندوق المقاصة. ولسنا في حاجة لإبراز الدور الهام الذي ظلت تلعبه الطبقة المتوسطة في إنعاش الدورة الاقتصادية الوطنية.

خامسا: إذا كان زعماء بعض الأحزاب السياسية قد عبروا عن تخوفهم من استعمال الدعم المباشر كورقة انتخابية من طرف الحزب الحاكم، فإن لذلك التخوف ما يبرره على اعتبار أن الفئة المستفيدة ستدرك بطريقة أو بأخرى أن استمرارها في الاستفادة من منحة الدعم يظل رهينا بفوز الحزب الحاكم في الاستحقاقات المقبلة وأن كل تغيير يطال موازين القوى الحالية قد يفضي لتصور مغاير في تعديل المقاصة من شأنه أن يعصف بحقوقها المكتسبة. ولعل سعي رئيس الحكومة لتبديد تلك المخاوف من خلال ما جاء على  لسانه داخل قبة البرلمان من تأكيد على أن ملك البلاد هو من سيعلن عن الشروع في الدعم المباشر بعد إنهاء الاشتغال على هذا الملف ليس سوى شكلا من أشكال ذر الرماد في الأعين. فواقع الحال يُثبت أن المغاربة بمختلف شرائحهم صاروا مواظبين على تتبع المجريات المثيرة للجدل التي تحتضنها قبة البرلمان عبر القناة الوطنية الأولى وهم بالتالي يعرفون جيدا أن رئيس الحكومة هو من ظل مناديا ومتمسكا بالدعم المباشر للفئات الهشة مقابل رفعه عن المواد الاستهلاكية المدعمة حاليا.

       إذا كان من الواضح أن طريق الدعم المباشر محفوف بالسلبيات والمخاطر فما السبيل للإصلاح صندوق المقاصة دون ركوب تلك المخاطر؟ أي إصلاح سيكون بإمكانه الوصول لنفس النتائج دون اللجوء لتفيىء المواطنين أو التمييز بينهم؟

     من المعلوم أن الحكومة تجسد برامجها السياسة من خلال قانون المالية الذي يتضمن الاحكام والإجراءات الضريبية التي يُتوقع منها تمويل نفقات الدولة بما فيها دعم مواد استهلاكية معينة. وإذا كان حجم نفقات الخزينة العامة على دعم هذه المواد أصبح يثقل كاهل الميزانية العامة للدولة فإن كل حل ديمقراطي وعادل لهذه المعضلة لا بد وأن  ينطلق من النظام الضريبي نفسه وليس  من البحث عن حلول سحرية  تتنافى ومنطق كافة الأنظمة الاقتصادية الناجحة. فالضريبة هي الوسيلة المتعارف عليها دوليا والمقبولة اجتماعيا لتغطية نفقات الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تتم من خلال إعادة توزيع الثروة بين المواطنين، ليس باقتطاع جزء من أموال الأغنياء وردها إلى الفقراء لتضييق الفجوة بين الشريحتين، وإنما باتخاذ تدابير تصحيحية للوضع الراهن يمكن إيجازها في نقطتين اثنين لا ثالث لهما:

1) في بمحاربة التهرب الضريبي الذي يعد جزء لا يتجزأ من مكونات الفساد و آلية من آليات الإثراء الغير المشروع الذي يقلص من الموارد المالية الضرورية لتمويل الموازنة العامة ويحول دون تنفيذ البرامج الإنمائية للدولة. وقد جاء دستور 2011 صريحا في هذا الباب حيث صرح في بابه الثاني الخاص بالحريات والحقوق الأساسية أن: ” على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور“( الفصل 39 من الدستور)؛ وأن: ” على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد” (الفصل 40 من الدستور).

 2) سيناريو التخفيف من عبء صندوق المقاصة يجب أن يتم من خلال إحداث ضريبة جديدة تتسم بالواقعية والديمقراطية والعدالة والإنصاف لتصحيح مسار الدعم الحالي الذي يستعمل لأغراض غير تلك التي أنشأ لأجلها. وهو ما معناه، بتركيز شديد، أن يتم إخضاع كل جميع المعاملات والأنشطة المدرة للدخل والمقرونة باستعمال المواد المدعمة لضريبة جديدة يمكن تسميتها ب”الضريبة على استعمال المواد المدعمة لأغراض تجارية”: فعلى سبيل المثال لا الحصر تستعمل الشركات الكبرى وكذا المقاولات الصغرى البترول وغاز البيتان ومواد أخرى مدعمة في نشاطها الصناعي/التجاري، كما تستعمل المطاعم مواد مدعمة متنوعة منها الدقيق وغاز البيتان والسكر في نشاطها المدر للدخل، نفس الشيء يمكن أن يقال عن المقاهي والعديد الأنشطة التجارية التي ستعمل المواد المدعمة. فيما يقتضي المنطق إعفاء الأسر والأفراد من هذه الضريبة بخصوص ما يستهلكونه من مواد مدعمة، كما يتعين الاستمرار في دعم الفيول الموجه للكهرباء قصد خفض كلفة الفاتورات التي كانت موضوع احتجاجات في العديد من المدن المغربية.

      ليس من الصعب بلورة هذا التصور وتنزيله على أرض الواقع باعتماد “آلية التصريح” التي تعطي الأولوية للملزمين بالتصريح بحجم المواد المدعمة التي قاموا بتوظيفها في نشاطهم التجاري تحت طائلة مسطرة التصحيح أو التضريب التلقائي. وإذا ما أخذ بعين الاعتبار حجم المواد المدعمة التي تستهلكها الأنشطة المدرة للدخل، يتبين أن تطبيق هذه الضريبة بكيفية سليمة كفيل بأن يعيد للخزينة العامة ما لا يقل تلثي النفقات التي يلتهمها صندوق المقاصة.  

        وختاما آمل أن يؤثث هذا المقال، الذي استهدفت من خلاله وضع تصور واقعي ومعقلن لإصلاح المقاصة، لأرضية للتفكير حول الإشكاليات التي يطرحها الموضوع. والأكيد أن حجم وخطورة الملف يجعلانه خارج نطاق الاختصاص الحصري للحكومة ليصبح  شأن المغاربة برمتهم.

إصلاح نظام المقاصة بين الخيارات الشعبوية وإكراهات الوضع الراهن/ بقلـم: ادريـس الفقيـر
إصلاح نظام المقاصة بين الخيارات الشعبوية وإكراهات الوضع الراهن/ بقلـم: ادريـس الفقيـر

                                                            ادريـس الفقيـر

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz