إصلاح المنظومة التربوية المغربية شأن أمة وهو أكبر من مجرد تغيير الوزراء المكلفين بتدبير شأنها

491302 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: تناوب على وزارة التربية الوطنية المغربية منذ استقلال المغرب عدد كبير من الوزراء منهم التكنوقراط ومنهم المنتمون لأحزاب سياسية . والمعروف أن حقيبة هذه الوزارة كانت دائما موضوع تنافس بين الأحزاب السياسية سواء ما يعرف بأحزاب المعارضة أو ما يعرف بأحزاب المخزن التي وجدت لخلق التوازن السياسي الذي لا يمكن أن يسمح باستقواء حزبي لطيف من الأطياف السياسية ، الشيء الذي يعتبر تقاسما للسطلة الحزبية بين المخزن ومن يعارضه ـ إذا جاز الحديث عن معارضة في المغرب بالمعنى المتداول في دول أخرى يسهل فيها التمييز بين المعارض والمؤيد ـ . وكانت الأحزاب السياسية تعتبر دائما وزارة التربية الوطنية مكسبا مهما ، لهذا كانت موضوع تنافس شديد بينها حيث يحقق الظافر بحقيبة هذه الوزارة امتيازا على غيره لأهمية قطاع التربية الذي يعد المؤشر الرئيس المتحكم في التنمية . ومعلوم أن هذا القطاع يعد قاطرة التنمية بسبب إعداده لرأسمال الأمم وهو رأسمال بشري الربح فيه ربح والخسارة فيه لا تعوض . ومشكلة قطاع التربية في المغرب أنه ظل منذ الاستقلال مجال تنافس سياسوي بين الأحزاب ، وهو ما جعله مجال تجارب متعددة ومتنوعة من خلال مسلسلات إصلاح تتأرجح بين التعريب والفرنسة والمغربة والاقتباس من الغرب أو متابعته وتقليده ، وتجريب منتوجه البيداغوجي المختلف ما ناسب منه وما لم يناسب حتى أضحى المتعلمون المغاربة طيلة فترة ما بعد الاستقلال في حكم فئران تجارب جربت عليهم مختلف التجارب البيداغوجية الناجحة عند غيرنا والفاشلة بالضرورة عندنا ، وكانت النتيجة عبارة عن تخريج أفواج غير متجانسة التعليم والتكوين يلعن بعضها بعضا حيث يفخر المفرنسون على المعربين ، ويطعن هؤلاء في أولئك ، ويدعي كل فوج أن تعليمه هو الأمثل والأصلح ، وحال الجميع كما يقول المثل الشعبي المغربي : ” من لم يعرف اللحم تعجبه الرية (أي الرئة ) ، ومن لم يعاشر النساء تعجبه رقية “. فمن عرف نوعا معينا من التعليم ينبهر به ويرفعه فوق كل الأنواع الأخرى . وكانت النتيجة في الأخير بعد مرور أكثر من خمسة عقود اقتناع أصحاب القرار السياسي بأن المنظومة التربوية مختلة ، وفي حاجة إلى إصلاح حقيقي ، وأنها لا بد أن تظل بعيدة عن المزايدات السياسوية التي تعد سبب خرابها. ولقد كانت عادة أصحاب القرار السياسي طيلة فترة الاستقلال إسناد تدبير شأن المنظومة التربوية لوزراء تكنوقراط ـ مع تحفظ شديد على صفة التكنوقراط في المغرب ، وأكاد أجزم بأن التسمية أو النعت لا يعدو الاستعمال المجازي ـ وذلك كلما ارتفعت درجة حمى المنظومة التربوية وهددت أوضاعها بالانفجار لأن قطاع التربية في كل بلاد العالم هو الشرارة القادحة للثورات و الاضطرابات لأنه قطاع طليعة المجتمع ومحرارها الذي يقيس سلامتها وسقمها . وفي ظل حكومة محسوبة على المرجعية الإسلامية والتي جاءت نتيجة ربيع مغربي بنكهة خاصة مخالفة لربيع بلدان عربية أخرى ، والتي لم تتمكن من أغلبية برلمانية تسمح لها بالانفراد بتسيير البلاد وحدها الشيء الذي اضطرها إلى التحالف مع أطياف حزبية بمرجعيات مختلفة عن مرجعيتها بل أحيانا مناقضة لها تماما ، وهو ما جعل تجربة الائتلاف الحكومي فاشلة منذ البداية بسبب التشكيلة غير المنسجمة سياسيا إذ لم يصمد الائتلاف الأول لهذه الحكومة سوى مدة وجيزة ، كما عسرت ولادة ائتلاف جديد تمخض عن حكومة بأكبر عدد من الحقائب الوزارية في عز الأزمة الاقتصادية المغربية وفي ظرف أزمة اقتصادية عالمية اضطرت فيها دول عظمى إلى تسريح مئات الآلاف من موظفيها . ويبدو أن الإكثار من الوزراء فيما يسمى النسخة الثانية للحكومة ذات المرجعية الإسلامية ـ مع تحفظ على هذه النسبة خصوصا بعد الائتلاف الجديد حيث صار آكل “الفريك ” أكثر من مجرد شريك كما يقول المثل العامي المغربي ـ يعتقد أنه هو الحل للأزمات التي تتخبط فيها البلاد بسبب انشغال الأحزاب السياسية بالحملات الانتخابية في غير أوانها عوض الانصراف لمواجهة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة للغاية بسبب تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية التي لا ترحم ولا تمهل . ومن المثير للضحك بل وللسخرية ما تم الترويج له إعلاميا ـ والإعلام عندنا يعتمد أسلوب ما يطلبه المستمعون أي إعلام تحت الطلب السياسوي ـ أن إسناد حقائب وزارية لعدة نساء اعتبر فتحا مبينا علما بأن التدبير لا يعزى نجاحه للذكورة أو الأنوثة بل للخبرة أينما وجدت :

“وليس التأنيث لاسم الشمس عيب /// ولا التذكير فضل للهلال “

كما قال الشاعر العربي ولكن الدعاية الإعلامية أو الإشهار بعبارة أدق جعل من تعدد الوزيرات مكسبا ثمينا مغازلة للعنصر النسوي المغربي ،وهي مغازلة ممجوجة طالما لجأ إليها الذين لا يكنون في الحقيقة أدنى احترام للمرأة المغربية بل يخادعونها ويخدعونها بقولهم حسناء . ومما سوق إعلاميا على أنه أيضا من مكاسب النسخة الجديدة لحكومة الائتلاف الجديدة وجود وزير يحلب ومعه وزير يمسك المحلب كما يقول المثل المغربي، علما بأن جحر واحد لا يمكن أن يجمع بين ثعبانين كما يقول المثل المغربي أيضا . وواضح أن الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب كان وراء تحديد الطبيعة التي يجب أن تكون عليها وزارة المنظومة التربوية ، ذلك أن هذا الخطاب أدان المساومة السياسوية في قطاع التربية ، فكانت النتيجة هي تعيين وزير محسوب على التكنوقراط ، وهو وزير سبق أن دبر شأن وزارة التربية الوطنية ومردوديته لا تخفى على المغاربة ، وهو من جيل كان من المفروض أن يكون في معسكر التقاعد كما هو الشأن بالنسبة للعديد من الوزراء الذين شاخوا ولا زالوا وزراء كأنهم قد وضعوا في أحماض ضد الشيخوخة فلم يشيخوا ولن يشيخوا أبدا . ولقد كان من المفروض أن تسند وزارة التربية الوطنية إلى وجه جديد محسوب على التكنوقراط ولا تسند لمن عرفت حنة يده كما يقول المثل المغربي الشعبي ، وله نصيبه من اختلال المنظومة لا يمكن أن ينكره منكر . فهل عقمت الأرحام أن تنجب شابا محسوبا على التكنوقراط والذي تربى بعيدا عن سوء التربية السياسوية وبمستوى علمي وخبرة علمية عالية لتدبير شأن التربية التي هي مجال تكوين الناشئة . والناشئة المغربية لا ترغب في تربية الجيل المخضرم الذي عاش فترتي الحماية والاستقلال ، ولا زال متشبثا بالتدبير بالرغم من شيخوخته . ويا ليت المغاربة يستفيدون من مجال الرياضة وتحديدا كرة القدم أو ألعاب القوى حيث يعتزل اللاعب فيها عندما يبلغ سنا معينة تكشف عن عدم قدرته على المسايرة . وإن العديد من الوزراء الذين لا زالوا يوزرون لو طبق عليهم قانون لعبة كرة القدم أو ألعاب القوى لكان مكانهم خارج الملاعب مع المتفرجين ، ولكننا في مغرب تقدس فيه الشيخوخة ، ويدان فيه الشباب مع أن الله عز وجل خلق لكل عصره جيله ولكن هذه القاعدة تستثنى في المغرب حيث يسيطر جيل واحد على عصر غيره ويفرض عليه الحجر والوصاية . وفي المغرب أيضا لا تصح إلا قاعدة الشيخوخة تساوي الحكمة والحنكة ولا وجود لفكرة الشيخوخة هي أرذل العمر الذي لا يعلم صاحبه بعد علم شيئا . ولقد كان وزير التربية السابق يسأل دائما بطانته قائلا : ” ماذا تسمون هذا العجب ” فكل شيء لا يعرفه ولا يفقهه كان يسميه عجبا لأن عمره لا يسمح له بالمواكبة والمسايرة ، ولهذا عمد إلى تسيير قطاع التربية حسب هواه وحسب ما يدركه هو لا حسب ما يجب حتى يمكنه المسايرة، ولكذا بدا له أنه وحده الذي يمسك بناصية الحقيقة وغيره ضال مضل وغاش ومفسد أو هكذا خيل له وسولت له شيخوخته التي كان عليه احترمها عوض محاولة إخفائها كما أخفى شيبه بصباغة السواد ظنا منه أن العجز وقلة الخبرة لهما أيضا صباغة على غرار صباغة الشيب والشيخوخة . ولن يكون نصيب الوزير الجديد المحسوب على التكنوقراط أفضل من نصيب سابقه ذلك أنه سيحاول أن يكشف النقاب عن عيوب سلفه كما فعل هذا الأخير ، وكلما جاء وزير لعن أخاه مع أن الجميع يشترك في لعنة وزارة قدرها أن تعيش الاختلالات المتراكمة ومسلسلات الإصلاح ولا أصلاح . وقد لا نفاجأ إذا ما أصدر الوزير الحالي قرارات تلغي ما كان قد قرره خلال فترة وزارته السابقة . وأظن أن العديد من أجهزة الحاسوب وهي صفقة هو صاحبها لازالت في صناديقها تقبع في مستودعات المؤسسات التربوية ، فهل سيدعو إلى تشغيلها بعد تجديدها أم أنه سيعقد صفقات أخرى بأجهزة من الجيل الجديد الذكي لتحل محل الجيل المحنط في المستودعات ؟ وأخير أختم بأن إصلاح المنظومة التربوية شأن الأمة المغربية قاطبة وهو شأن أكبر من تغيير الوزراء المكلفين بتدبير شأنها ، فهل ستستشار حقيقة الأمة فيها أم أن قدرها هو تناوب الوزراء عليها كتناوب الأزواج على الأرامل حتى لا أقول كتناوب عشاق الهوى على بائعات الهوى ؟

إصلاح المنظومة التربوية المغربية شأن أمة وهو أكبر من مجرد تغيير الوزراء المكلفين  بتدبير شأنها
إصلاح المنظومة التربوية المغربية شأن أمة وهو أكبر من مجرد تغيير الوزراء المكلفين بتدبير شأنها

اترك تعليق

1 تعليق على "إصلاح المنظومة التربوية المغربية شأن أمة وهو أكبر من مجرد تغيير الوزراء المكلفين بتدبير شأنها"

نبّهني عن
avatar
ادخيسي
ضيف

سؤال نوجهه للسيد شركي محمد ما هو الموقف الدي اتخدتم ازاء التوقيف الدي تعرض له صديقكم عمر اوكان من اكاديمية العيون رئيس اللجنة المكلفة باعداد اسئلة الامتحان للسنة اولى بكالوريا هل ستدعمونه كما عودتنا بقلمك لنعيد لهيئة التفتيش قوتها وكرامتها بدلا من ترك هدا المفتش يواجه مصيره بمفرده

‫wpDiscuz