إصلاح المنظومة التربوية أكبر من تغيير حكومات ووزراء

115761 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: لا زال الخطاب الملكي السامي بمناسبة ثورة الملك والشعب حديث ألسنة كل المغاربة لأنه تناول الشأن التربوي الذي هو مصدر إمداد الوطن بالثروة البشرية التي لا تضاهيها أية ثروة . ولم يأت افتخار جلالة الملك بهذه الثروة البشرية صدفة في خطابه بل كان ذلك عن قصد لأن الثروة البشرية هي رأسمال الأمم الحقيقي . ونهضة الأمم وتطورها وتقدمها إنما يكون على قدر قيمة ثرواتها البشرية. ولا زلنا نذكر على الدوام تجربة الثروة البشرية اليابانية التي استطاعت بناء دولة خربتها الحرب العالمية الثانية . ومع شديد الأسف قلما يلتفت المحللون إلى قيمة الثروة البشرية في نهضة الأمم وتقدمها حيث يتم الرهان في الغالب على الثروات المادية ، وتهمل أهم ثروة، وهي الثروة البشرية التي تأتي قبل كل الثروات المادية . ولقد تأكد من خلال واقع حال بعض الأمم التي تتوفر على ثروات مادية ضخمة لكن بدون اهتمام بالثروة البشرية فشلها وتخلفها عن الركب الحضاري مقابل الأمم التي تراهن على ثرواتها البشرية في تطورها وتقدمها . ومعلوم أن أهم قطاع منتج للثروات البشرية هو قطاع التربية ، ونجاح وفشل الثروات البشرية مرتبط بنجاح وفشل هذا القطاع . والحديث عن فشل قطاع التربية عندنا ليس وليد هذه الساعة ،بل كان حاضرا منذ استقلالنا . وخوض المغرب تجارب متعددة لإصلاح هذا القطاع منذ الاستقلال إلى اليوم دليل على حضور حديث فشله . وفشل هذا القطاع هو الذي أغرى باستمرار الفرقاء السياسيين المتنافسين على السلطة باستغلاله كوسيلة من أجل أغراض حزبية وسياسية . ولقد كان التهافت على المطالبة بالحقيبة الوزارية لهذا القطاع شأنا يهم مختلف الأحزاب السياسية لأنها كانت تجد في هذا القطاع وسيلة لدعم إيديولوجياتها من خلال إضفاء اللون الحزبي والإيديولوجي على قطاع هو فوق منطق ما هو حزبي أو إيديولوجي لأنه مورد الثروة البشرية الوطنية المتنوعة، والتي لا يمكن أن يستوعبها طيف أو لون حزبي واحد . ولقد جرت العادة أنه كلما حصل حزب ما على حقيبة وزارة التربية إلا وفكر في تمكين أتباعه من مراكز صنع القرار مركزيا وجهويا ومحليا . ولقد بات من المعروف في الأوساط التربوية أن بعض الطامعين في مراكز تدبير الشأن التربوي كانوا يغيرون جلودهم الحزبية كل مرة من أجل الاستفادة من مناصب تابعة لوزارة الشأن التربوي. ويتحدث الناس عن وزارات متعاقبة على قطاع التربية كانت تسمى أحيانا باسم الحزب الحاصل على الحقيبة الوزارية . ومشكلة قطاع التربية منذ الاستقلال أنه لم يتم أبدا التعامل معه كقطاع لكل المغاربة أو يساهم في تسطير مساره ومصيره كل المغاربة بل كان دائما عبارة عن قطاع بلون حزبي يفرض فرضا على كل المغاربة . ومن أجل التمويه على إضفاء الصبغة الحزبية على قطاع التربية كان الخلاف يدور حول المغربة والتعريب والتغريب والتجريب …وهلم جرا. وكانت أفواج المتخرجين من هذا القطاع تتوالى وتشكل نسيجا يطبعه النشاز بين معربين ومغربين وبين من جربت عليهم مناهج الغير وكأنهم فئران تجارب ، ونتيجة لذلك نشأ بين هذه الأفواج صراع فيما يخص المصداقية حيث كان كل فوج يدعي هذه المصداقية ، ويشكك في مصداقية الجيل السابق أو الموالي . وبسبب التأرجح بين التعريب والغريب نشأت فكرة التلفيق بين النماذج المختلفة التي أعطت أجيالا هجينة تربويا وتعليميا . فما معنى الانفصام في تلقي المواد العلمية باللغة الأم واللغات الأجنبية ؟ ألم يكن من الحكمة أن توجد مؤسسات وطنية تلقن العلوم باللغات الأجنبية ، وأخرى تلقنها باللغة الوطنية دونما تضحية بأجيال برمتها ؟ ألم يكن من الحكمة حصر التجارب المخبرية في مؤسسات معينة قبل تعميمها على جميع المؤسسات ؟ أليست الخسارة أقل في حال فشل التجارب المستوردة من الخارج حينما تقتصر على عينات صغرى من الثروة البشرية في مؤسسات محددة ؟ ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر تجربة ما يسمى بيداغوجيا الإدماج التي عممت في طول الوطن وعرضه وشملت كل الثروة البشرية في الوطن من خلال مستويات تعليمية كاملة ، ألم يكن بالإمكان تجريبها في مؤسسات محدودة وبتدرج من مستوى إلى آخر حتى يتبين خيطها الأبيض من خيطها الأسود ؟ ومع شديد الأسف قررت حكومة سابقة تعميم هذه البيداغوجيا ، وقررت الحكومة التي تلتها إلغاءها جملة وتفصيلا دونما حسن تقدير أوتدبير من حكومة سابقة ، ولا من حكومة لاحقة ، فبدا الأمر عبارة عن عبث يمكن تلخيصه في العبارة العامية ” اصعد لتأكل الباكور انزل من أمرك بذلك أو من قال لك ذلك ” فلا الحكومة السابقة ولا الحكومة الحالية فكرتا في الخسارة المادية لتجريب أو إلغاء بيداغوجيا مستوردة ، وأكثر منها الخسارة التي طالت الثروة البشرية وهي أفدح خسارة . وما يقال عن بيداغوجيا الإدماج يمكن تعميمه على كل القرارات المرتجلة التي تتخذ في الشأن التربوي وفق الأمزجة الحزبية والإيديولوجية . ولا زالت بعض المقررات والبرامج السابقة شاهدة على إخضاع قطاع التربية للأهواء الحزبية حيث كانت نتائج هذا القطاع متوقفة بالدرجة الأولى على مدى اجترار المتعلمين لمقولات حزبية وإيديولوجية في المواد غير العلمية على وجه التحديد وترديدها ، علما بأن كل المواد لها ضوابطها العلمية إلا أن بعضها عندنا ضوابطها إيديولوجية وحزبية صرفة . وبسبب ظاهرة طغيان الحزبي والإيديولوجي على برامج ومقررات المنظومة التربوية عندنا ، ظهرت فكرة المطالبة بالمقررات والبرامج الجهوية والطائفية كرد فعل على هيمنة الطابع الحزبي والإيديولوجي على برامج ومقررات المنظومة التربوية . وبسب ذلك أيضا كانت الكتب المدرسية والمؤلفات في بعض المواد الدراسية عبارة عن مضمار تنافس حزبي وإيديولوجي حيث يعمد كل حزب يتولى حقيبة وزارة التربية إلى فرض أفكار و إبداعات مفكريه ومبدعيه في الكتب المدرسية حتى أن بعضها صارت توصف بأنها كتب الحزب الفلاني . ومما زاد الطين بلة في أزمة التعليم ببلادنا هو تأثر هذا القطاع بكل ما يحدث في العالم سواء ناسبنا أم لم يناسبنا ،حيث لا تظهر ظاهرة في العالم إلا وسارع الأوصياء على هذا القطاع إلى إقحامها في مقرراتنا وبرامجنا إقحاما ويكون ذلك في غالب الأحيان طمعا فيما يرصد لها من ميزانيات يذهب معظمها سدى حتى صار يصدق على هذا القطاع المسكين المثل الشعبي القائل : ” دار خالي موح غي كول وروح ” فكم من ظاهرة تم التعسف في إقحامها إقحاما ببرامجنا ومقرراتنا مجاراة للغير أو تملقا له، وهي لا تناسب هويتنا الثقافية ولا هويتنا التاريخية . وهكذا تناسلت مشاكل قطاع التربية سنة بعد أخرى وجيلا بعد جيل ، وانتهينا إلى الحقيقة التي لا مفر منها وهي الإقرار بفشل منظومتنا التربوية بالرغم من مسلسلات الإصلاح المتتالية التي تقاس بالسنوات ذات العدد. ولقد بات من المؤكد أن إصلاح هذه المنظومة صار أكبر من تغيير الحكومات والوزراء، لأن الأمر يتعلق بضرورة تغيير الذهنيات البالية التي صارت عبارة عن نسخ متطابقة عند كل الأحزاب ، ولهذا جاء الخطاب الملكي لتنبيه الغافلين الذين لا زالوا يفكرون في استغلال قطاع التربية من أجل المطارحات الحزبية والإيديولوجية ، والتي نزلت مع شديد الأسف بمستوى الخلاف السياسي والحزبي إلى درجة الحضيض غير المسبوقة ، ولتنبيه أصحاب عقلية التجارب على أبناء المغاربة وكأنهم فئران بأن الإصلاحات لا يجب أن تخضع لفترات حيازة الأحزاب حقيبة وزارة التربية الوطنية ، بل يجب أن تساير الحكومات المتناوبة على هذه الحقيبة الإصلاحات التي تستغرق على الأقل جيلا كاملا من المتعلمين ، فإن كانت في المستوى استمر العمل بها مع جيل أو أجيال أخرى ، وإن كانت دون ذلك كانت الأضرار والخسارة أخف . وأخيرا لا بد أن يبدأ كل مشروع إصلاح من مبدأ توافق الأمة الذي وهو توافق منطقه الغالب هو منطق الوطنية الذي يفوق منطق الحزبية الضيق . فالمغاربة تختلف قناعاتهم السياسية والحزبية والإيديولوجية ولكنهم عندما يرسلون أبناءهم إلى المؤسسات التربوية إنما يتوخون لهم تربية وطنية قوامها القواسم المشتركة بين كل الأطياف ،وليس الفوارق الحزبية والإيديولوجية . وأعتقد أن الخطاب الملكي هو الأرضية الأساس التي يجب الانطلاق منها من أجل التوافق الوطني على إصلاح منظومة تربوية تمد هذا الوطن بالثروات البشرية الكفيلة بنهضته وتقدمه ومسايرته للركب الحضاري العالمي ، ونأمل أن تعقد ندوة وطنية من أجل هذه الغاية .

إصلاح المنظومة التربوية أكبر من تغيير حكومات ووزراء
إصلاح المنظومة التربوية أكبر من تغيير حكومات ووزراء

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz