إشكالية حسم الصراع بين الشرعية واللاشرعية في دول الربيع العربي

52053 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 8 غشت 2013، بداية لا بد من الإشارة إلى الاختلاف الكبير حول مفهوم الشرعية في دول الربيع العربي ، ذلك أنه قبل اندلاع ثورات هذا الربيع كانت الأنظمة الحاكمة تدعي لنفسها الشرعية مع أنها أنظمة وصلت إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية أوعن طريق الانتخابات الصورية مدى الحياة أو عن طريقهما معا . فباعتبار الشرعية الحقيقية لا يمكن تسمية نظام حسني مبارك شرعية لأنه ورث الحكم عن انقلاب عسكري ، ووظف بعد ذلك الانتخابات الصورية مدى الحياة ، وكان بصدد توريث الحكم لابنه على طريقة حافظ الأسد في سوريا . وكذلك الشأن بالنسبة لنظام القذافي الذي جاء عن طريق انقلاب عسكري، وصار بعد ذك ملك ملوك وأوشك أن يورث ملكه لابنه أيضا على طريقة ديكتاتور سوريا . ونفس الشيء يمكن أن يقال عن نظام بنعلي في تونس الذي انقلب على رئاسة من نوع حكم مدى الحياة أو حكم إلى غاية أرذل العمر ، وصار بدوره حاكما مدى الحياة عن طريق انتخابات صورية ، وأشرك خليلته أو زوجته معه في الحكم . هذه النماذج من الحكم في بلاد الربيع العربي لا علاقة لها بالشرعية ، بل كلها خارج الشرعية أو في حالة شرود ، ومن هنا اعتبرت الثورات عليها شرعية ، وما ترتب عن شرعية الثورات من انتخابات كان في حكم الشرعي أيضا . والملاحظ أن جهات أجنبية غربية وعربية من غير بلاد الربيع العربي توجست من شرعية ما بعد ثورات الربيع العربي لأنها أفضت إلى أنواع من الحكم الإسلامي كانت في حكم الممنوعة زمن الأنظمة غير الشرعية التي أطيح بها . ومعلوم أن الغرب له موقف متشنج من الإسلام ، وممن يتخذه مرجعية للحكم ، لهذا قامت قيامة الغرب وحلفاؤه في الدول العربية التي لم يزهر ربيعها لاعتبارات معروفة عندما آل الحكم إلى أحزاب إسلامية ، وبدأ التفكير في خلق الثورات المضادة لثورات الربيع العربي من أجل وضع حد لحكم هذه الأحزاب الإسلامية في أقرب وقت ممكن . ولما كانت ثورة مصر هي الرائدة والقدوة في دول الربيع العربي ، فإن اهتمام الجهات المعنية بإسقاط الشرعية فيها تركز على قلب الموازين عن طريق التمكين مرة أخرى لحكم غير شرعي ، وذلك عن طريق عودة لعبة الانقلاب العسكري من جديد مع ركوب ذريعة شرعية الثورة المضادة التي صنعت صناعة بإيعاز من الغرب ومن دول عربية في المنطقة . فهل تعتبر صناعة ثورة مضادة ضد نظام شرعي انتخب ديمقراطيا أمرا مشروعا ؟ فزعماء الانقلاب من العسكريين ومن لهم مصلحة فيه من المدنيين ، وهم من فلول النظام المنهار يعتبرون الثورة المضادة المفبركة والمصنوعة عن سبق إصرارا مشروعة ، ويتحدثون عن شرعيتها بلا خجل أو حياء . ولقد صار الشارع المصري اليوم منقسما حسب النسب التي كشفت عنها الانتخابات الشرعية إلى أنصار نظام شرعي باعتبار شرعية ثورة يناير ، وأنصار نظام غير شرعي باعتبار لا شرعية ثورة يونيو المضادة لثورة يناير . فالمعروف في الأعراف السياسية دوليا أن الثورة على نظام منتخب ديمقراطيا تعتبر لا شرعية ، لأنه في ظل حكم منتخب ديمقراطيا لا يسمح إلا بالمعارضة داخل المؤسسات المنتخبة وتحت قبب البرلمانات . ولهذا كان من المفروض أن تعارض الرئاسة المنتخبة شرعيا في مصر من تحت سقف قبة البرلمان ، وهو الجهة التشريعية التي تضبط كل انحراف ممكن في أداء الرئاسة الشرعية . وعوض السماح بسير الأمور سيرا عاديا في اتجاه وضع دستور ، وانتخاب برلمان عمدت الجهات الرافضة لحكم حزب العدالة والحرية إلى التلكؤ من أجل جر الأمور إلى نفق مسدود بغرض شرعنة انقلاب عسكري على الرئاسة المنتخبة ديمقراطيا ، وهو ما حصل بالفعل . ومن أجل تبرير هذا الانقلاب غير المشروع ، استغل الشارع المصري ، واستغلت ثورة مضادة مكشوفة الصناعة من أجل البحث عن شرعية مفقودة . وافتضح أمر الغرب وأمر حلفائه في المنطقة عندما تلكأ الجميع في الحكم على الانقلاب العسكري باللاشرعية ، الشيء الذي يعني إضفاء الشرعية عليه ،وعلى ما ترتب عنه من وضعية لا مشروعة . وبدأ الغرب وحلفاؤه المتورطون في إضفاء الشرعية على انقلاب غير مشروع ينهجون سياسة النفاق بعد ذلك ، ويوجهون وفود الوساطات الكاذبة من أجل ذر الرماد في العيون ، والتمويه على عدم تورطهم في فضيحة قلب نظام مشروع . ويراهن الغرب وحلفاؤه في المنطقة على إقناع أصحاب الشرعية بالأمر الواقع، وهو إعادة اللعبة الديمقراطية من جديد على ضوء معطيات ما بعد الثورة المضادة المصنوعة صناعة لضمان عدم عودة حزب العدالة والحرية إلى سد الحكم حرصا على ما يسمونه توازنا استراتيجيا يخدم مصالحهم في المنطقة ، وعلى رأس المصالح بطبيعة الحال أمن الكيان الصهيوني الذي يعتبر كل ما له علاقة بالإسلام مهددا له . ومن المضحك حقا أن لعبة الانقلاب على الشرعية في مصر لا زالت لم تؤت أكلها ، ومع ذلك صارت قدوة وإسوة لدى مختلقي الثورات المضادة في بلاد الربيع العربي الأخرى كما هو الحال في تونس على سبيل المثال لا الحصر . ولم ينتظر صناع الثورات المضادة انتهاء لعبة الانقلاب على الشرعية في مصر للاقتداء بها ، بل حرصوا على أن تكون ثورتهم المضادة متزامنة مع انقلاب مصر على الشرعية من أجل إعطاء الانطباع بأن حكم الأحزاب الإسلامية يعتبر تهديدا مباشرا لهم ولغيرهم ، لهذا شرعوا لأنفسهم الثورة المضادة عليه . والإشكال المطروح اليوم هو كيف سيحسم الصراع بين الشرعية واللاشرعية في دول الربيع العربي . فإذا ما تم الاقرار بالثورة على الشرعية كما حصل في مصر، كان لا بد أن يصير ذلك تشريعا حيث يمكن أن تصنع ثورات مضادة على كل الأنظمة المنتخبة ديمقراطيا ، الشيء الذي يعني سيادة الفوضى في العالم ، ولا جدوى المعارضة في ظل الحكم الديمقراطي ، وبتعبير موجز يعني سيادة الديكتاتورية التي كانت سببا وراء قيام ثورات الربيع العربي . فعلى الذين يصرون اليوم على إسقاط حكم الأحزاب الإسلامية في دول الربيع العربي أن يضعوا في حسابهم أن سلاحهم ذو حدين ، وأن السحر لا محالة منقلب على الساحر . فمن شرع اليوم الانقلاب على الشرعية ، فعليه أن يقبل غدا الانقلاب على شرعيته إذا ما صارت له شرعية . أما الانقلاب على لا شرعيته فتحصيل حاصل لأن ما بني على باطل كان باطلا بالضرورة .

إشكالية حسم الصراع بين الشرعية واللاشرعية في دول الربيع العربي
إشكالية حسم الصراع بين الشرعية واللاشرعية في دول الربيع العربي

اترك تعليق

1 تعليق على "إشكالية حسم الصراع بين الشرعية واللاشرعية في دول الربيع العربي"

نبّهني عن
avatar
haddou ben allal
ضيف
les islamistes en égypte n’ont cessé de commettre des gaffes économiques et sociales depuis qu’ils sont au pouvoir. comment veux tu ,chergui, que des milions d’égyptiens, vivant dans la précarité puissent patienter, au nom de cette foutue légitmité. les gens vivaient mieux à l’époque de moubarak. pourquoi chergui tu ne veux pas admettre cette réalité; à savoir si un dirigeant n’arrive pas à satisfaire les besoins quotidiens de son peuple il devient de facto illigitime. toi meme chergui ,si tu étais à la place de ces égyptiens tu te révolterais. il est faux de dire qu”il ya des mains étrangeres… قراءة المزيد ..
‫wpDiscuz