إذا كان الشعب يريد …. فعليه أن يعرف أولا ماذا يراد منه ؟

13942 مشاهدة

 إذا كان الشعب يريد …. فعليه أن يعرف أولا ماذا يراد منه ؟
محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 13 يناير 2012،عبارة : ” الشعب يريد كذا …. ” عبارة أطربت وتطرب الشعوب العربية ، وقد صارت لحنا يغنى ، ويثير الحماسة في النفوس ، ويلهب المشاعر . وسحر هذه العبارة أنسى الشعوب عبارة مقابلة لها ، وهي عبارة مقلقة جدا لا تطرب أحدا ، وهي عبارة : “يراد من الشعب كالذي يريد “. وإرادة الشعب من إرادة الله عز وجل كما جاء في شعر أبي القاسم الشابي في قوله : “إذا الشعب يوما أراد الحياة // فلا بد أن يستجيب القدر “. والشاعر الشابي صاحب الثقافة الزيتونية الإسلامية يعي جيدا أن الله عز وجل أراد للإنسان الحياة ، ولم يرد له الموت ، لأنه خلقه ليمتحن في الحياة ، لا ليموت ، لهذا فعندما يريد الشعب الحياة ، فهو إنما يجسد إرادة خالقه . والتعبير الشاعري للشابي لا يقصد باستجابة القدر تبعيته لإرادة الشعب، بل يقصد بذلك تجسيد الشعب لإرادة الله عز وجل . وفي الحديث القدسي : ” عبدي أنت تريد وأنا أريد ، فإن سلمت لي فيما أريد أعطيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ولا يكون إلا ما أريد ” فبموجب هذا الحديث القدسي لا إرادة فوق إرادة الله عز وجل ، وكل ما يكون مع إرادته سبحانه هو التسليم له لتوافق إرادة العباد إرادته الماضية فيهم مضاء لا راد له. وعليه فعندما يرفع الشعب عبارة أو شعار : ” الشعب يريد كذا ….” وجب على هذا الشعب أن يضع في حسابه إرادة خالقه جل وعلا ، وأن يسلم له فيما يريد ، وإلا أتعب الخالق سبحانه هذا الشعب فيما يريد ، ولا يكون إلا ما أراد خالقه جل جلاله. فعندما يريدالشعب مثلا إسقاط الفساد ، فلن تعاكسه إرادة الله عز وجل التي اقتضت أن يكون الكون صالحا لا فساد فيه . والمشكلة أن يرفع شعب من الشعوب شعار ” الشعب يريد إسقاط الفساد ” ولكنه يكون شعبا متورطا في الفساد ، أو يرعى الفساد ، أو يرتزق، أو يستفيد من الفساد . فهنا لا يمكن أن توافق إرادة الله عز وجل إرادة هذا الشعب المطبع مع الفساد في سلوكه مع أنه يرفع شعار إسقاط الفساد . وعلى كل شعب في هذا العالم أن يريد ما شاء ، ولكنه عليه أن يعرف مقابل ذلك ما يراد منه لتستقيم إرادته ، وإلا وقع هذا الشعب في تأليه نفسه ، حيث يريد ، ولا يراد منه ، مع أن الله عز وجل هو وحده سبحانه الذي يريد ، ولا يراد منه . أما الشعب فيراد منه أن يكون أولا في مستوى ما يريد . والشعب الذي يريد على سبيل المثال إسقاط الفساد ، عليه أن يكون في مستوى هذه الإرادة ، وأن لا يكون مطبعا مع الفساد يمارسه ، ويقره ، ويرضاه لأن مصالحه الخاصة تقتضي ذلك . والشعب قد يوحده هذا الشعار الرنان : ” الشعب يريد إسقاط الفساد ” ولكنه ينقسم على نفسه طرائق قددا أو شذر مذر كما يقال عندما يتعلق الأمر بالتطبيق ، فيكون من ضمن الشعب من يوصل الفساد الصراح إلى مراكز صنع القرار من خلال المغامرة بالعملية الانتخابية التي تأتي بالمفسدين مع علم أصناف من الشعب بسابق عهده بالفساد . فالله عز وجل لن يبارك إرادة هذه الأصناف من الشعب التي تتعمد احتضان الفساد ، وهي على علم ويقين به ، وبأهله من المفسدين . وكل شعب لا يقوم بواجبه على أحسن وجه لا يحق له أن يرفع شعار : ” الشعب يريد كذا ” لأن هذا الشعار نفسه يتبرأ منه ، ولأنه لا يصدق في إرادته بالفعل كما يرفعها شعارا يطربه . فمن أراد كذا ، وجب أن يفكر في ما يراد منه مقابل ذلك . والشعب عندنا اليوم يريد أشياء كثيرة من حكومة جديدة ، ولكنه لا يخطر بباله أبدا أن يسأل نفسه : ماذا يراد منه لتتحقق إرادته ؟ على شعبنا إن أراد شيئا أن يبدأ أولا في السؤال عما يراد منه ، لأن إرادته رهينة بما يراد منه . على شعبنا أن يغير الكثير مما ألفه من سلوكات فاسدة خصوصا التراخي في القيام بالواجب قبل أن يرفع شعار : الشعب يريد الحقوق ، ذلك أن الحقوق مرتبطة بالواجبات ، ولا حقوق بلا واجبات . وعلى كل من تطربه عبارة : ” الشعب يريد كذا ” أن يسأل نفسه عما إذا كانت عبارة ” الشعب يراد منه كذا “ تطربه أيضا ، ولا تقلقه ،أو تغصبه، فإذا تساوى الطرب في سماع العبارتين معا كانت الحالة صحية ، وإلا كانت الحالة مرضية. وعلى العديد من فئات الشعب التي دأبت على التجمهر من أجل الإضراب اليومي الذي صار عادة، بينما صار العمل أو الدراسة استثناء مع رفع عبارة : ” الشعب يريد كذا ” أن تقلب المعادلة ليصير العمل ، وتصير الدراسة عادة ، والإضراب استثناء ، لأن ذلك يعني أن الشعب بدأ يعي ما يراد منه قبل أن يريد من غيره شيئا . والشعب إنما يراد منه أن يكون في مستوى ما يريد . وإرادة الله عز وجل تكون مع إرادة شعب يعي جيدا ما يراد منه، وإلا أتعبه الله عز وجل فيما يريد ، ولا يكون إلا ما يريد سبحانه.

إذا كان الشعب يريد .... فعليه أن يعرف أولا ماذا يراد منه ؟
إذا كان الشعب يريد .... فعليه أن يعرف أولا ماذا يراد منه ؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz