إذا كان الأصل في الإدارة هو خدمة المواطن فإنها عندنا تهينه وتستخف به

222597 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: اطلعت على مقال الأستاذ الفاضل السيد الحاج الطيب زايد المتعلق  بما واجهه من مشقة  ومتاعب من أجل سحب  وثائق من  إدارة إحدى الإدارات العمومية بدائرة عين الصفا،  فلفت نظري مشكورا إلى  قضية معاملة الإدارة المغربية للمواطنين التي تختلف عن غيرها في كل بلاد الله عز وجل . فإذا كانت الإدارة في الأصل قد  وجدت لخدمة المواطن، فإنها عندنا تهينه وتمس بكرامته . وغالبا ما نسمع المواطنين  المغاربة الذين زاروا أو أقاموا في بلاد  الغرب  يفيضون في الحديث عن نماذج الإدارات الغربية  التي تعتبر بالفعل  إدارات في خدمة  مواطنيها  بحيث  نفهم من خلال  رواياتهم  وأحاديثهم  التي تقوم  أساسا على مقارنة إدارتنا المغربية  بغيرها من إدارات البلاد الغربية  أن إدارتنا  لا زالت  على حالها  كما كانت زمن الاحتلال الفرنسي  من حيث  سوء معاملة  المواطنين . وفكرت في سرد بعض  صور هذه  المعاملة  التي عاينتها أو عشتها أو  سمعت من يرويها بمرارة  وحسرة أسى  . ولنبدأ  بدوريات الأمن  والدرك التي تستوقف  المواطنين  بعلامة قف حيث  يقف المواطنون  وأفراد الشرطة أو الدرك  يخوضون في أحاديث  خاصة بينهم  ، وكأنهم انتدبوا  لذلك لا للمراقبة  ،ويتعمدون تجاهل  المواطنين الواقفين  عند علامات قف ، وفيهم المستعجل بسبب وفاة ، والناقل  للمريض، والمسابق  للزمن من أجل  أن يصل إلى عمله  في الموعد ….إلى غير ذلك ، ولكن بعض أفراد شرطتنا  ودركنا  ـ غفر الله لهم ـ يبدو  وكأنهم يتلذذون  بتعذيب  المواطنين  بالانتظار  المجاني  الذي لا معنى له  سوى  الإهانة المتعمدة . وقد تنصب أجهزة الرادار كما تنصب  الكمائن  دون وجود إشارات تدل عليها كما ينص على ذلك  القانون لتصيد المخالفات ، الشيء الذي يجعل  المواطنين يلجئون  إلى التحايل على  كمائن الرادار باستعمال  إشارات باستخدام أضواء السيارات لتنبيه بعضهم  البعض حذر الوقوع فيها.  أما  ما يصدر  من خطاب عن  بعض موظفي  الأمن والدرك عند المراقبة  أو عند وقوع  المخالفات فأقل ما فيه  صوت مزمجر وووجه عبوس مكفهر  ولوم  وعتاب  بشكل مجاني  قبل  أن  يعرف  من أوقف  سبب  إيقافه،  وقد  تستمر عبارات الإهانة المجانية  ودروس الأخلاق  والمستهدف بها  يتوسل بكل أنواع  التوسل ليفلت من عقاب  مادي ، وقد  يفضل  هذه  الإهانة  على  العقاب المادي المؤلم والمضر ، وقليل من  المواطنين من   يفضل العقاب  ولا  يقبل الإهانة . أما من يدخل  إدارات الأمن والدرك  فيحس  وكأنه مدان أو متهم  حيث تواجهه  الوجوه العبوسة المكفهرة  بعبارة : ماذا تريد ؟ أو إلى أين أنت ذاهب ؟ أو ارجع هنا …. إلى غير ذلك من العبارات التي لا تراعي  للمواطن  كرامة ، ولا ترعى فيه إلا ولا ذمة وكأنه مواطن يعيش  في  وطن محتل . وعندما يطلب  وثيقة  أو معلومة   فعليه  أن  ينتظر زمنا معتبرا  قبل  أن  يصرف  بطريقة لا تخلو من شبه طرد  إن لم نقل  طردا بالمعنى الصحيح . وقد  يعود الكثير من المواطنين  من هذه الإدارات بخفي حنين  أو قد يسمعون بخفي حنين فقط  حين  يجدون من صرف قبلهم  بها ،  وهو في طريقه إلى الإدارات  ليقولوا لهم بلسان  الحال  أو بلسان  المقال أو بمهما معا لا تتعبوا أنفسكم فإنهم سيصرفونكم  أو لن يسمحوا لكم بالدخول أصلا . وقد يكون  المواطن محظوظا فيستقبل  في هذه الإدارات ويشرع موظف الأمن أو الدرك  في  تصفية  ملفه ، فيدخل عليهما موظف آخر فتتوقف أو تتعطل مصلحة المواطن من أجل أن  يخوض الموظفان في أحاديثهما الخاصة  أو  في  أحاديث تهم  ملفات أخرى أو تقدم  مصلحة  غيره  من معارفهما على مصلحته  وهو يسمع  ويرى، ولا يستطيع أن  ينبس ببنت شفة  لينكر المنكر لأنه في إدارة لا  عهد لها بمن  يحتج  أو يطالب بحق ،فإن  سولت له نفسه مجرد التفكير في ذلك  فإنه يواجه ما لا تحمد  عقباه  بسبب تهمة  معدة للتسويق  وهي : الاعتداء على موظف أثناء القيام  بواجبه  حتى لو كان هذا الواجب  هو إهانة المواطنين  والاستخفاف بهم ، وتعطيل  مصالحهم . أما  الإدارات المدنية فحدث عنها  ولا حرج ، و أمرها أدهى  حيث  تسجل  ملاحظة  ظاهرة غياب  الموظفين  بشكل لا فت للنظر أو خوضهم للاضرابات المستدامة ، ذلك أنه  كلما  طرق باب  مكتب من مكاتب  هذه الإدارات إلا وقيل له  إن صاحبه ” مضرب ” أو  “خارج “،  وبالفعل يكون خارج  التغطية  في مقهى أو في بيته  أو في  سوق  أو في مهمة أسرية  لمصاحبة زوجته إلى حمام  أو  ميرافقها  لزيارة أهلها أو  لإيصال أبنائه إلى المؤسسات  التربوية أو ما شابه . وفي أفضل  الأحوال  يقال لمن سأل عنه إنه في اجتماع، علما بأنه لا تعقد الاجتماعات في  إداراتنا  إلا  في أوقات مخصصة لخدمة  المواطنين . وفي الإدارات المدنية أيضا توجد  الحوارات بين  الموظفين في أمورهم  الشخصية  وحين  يتقدم  إليهم المواطنون  للحصول على حقوقهم  يقال لهم : ألا ترون أننا  في عمل ، انتظروا في الخارج ، وتغلق  الأبواب حتى لا تشوش على الحوارات  الخاصة  والتافهة أحيانا  حيث  تلتقط  آذان المواطنين  خلف  الأبواب  لقطات  عن  مباريات كرة القدم  أو  عن أثمان  السلع أو عن أنواع المقتنيات أو عن الحفلات والنزهات  وحتى  النكت  والمستملحات ، وكل ذلك يدخل ضمن  القيام بالواجب الذي ينهر من أجله  المواطنون  المعطلة مصالحهم . ولقد حدثني أحد المهاجرين  عن محنته مع جمارك  وشرطة  المطار  حيث  يستوقف  باستمرار ليستفسر عن  سيارة  كان قد دخل بها  أرض  الوطن  وأخرجها ، ولكن لم  يخرجها حاسوب إدارة الجمارك من قرصه الصلب ، فصار يسأل  عنها كلما ركب الطائرة  وبطرق مستفزة  من قبيل : ” أمولاي راك داير فضيحة لماذا لم تخرج السيارة ؟ ”  ويضطر هذا  المواطن  المسكين  إلى تقديم  صور مستنسخة  من وثائق  تثبت أنه  قد أخرج  سيارته  ، ومع ذلك يسأل عن  الصور الأصلية  علما بأن  إدارة الجمارك  تطالب بها  حين خروج  السيارات من أرض  الوطن. ويشعر هذا  المواطن  بمرارة الإهانة  كل مرة . ولقد طلب  منه أحد  أفراد الجمارك أن يراسل  مدير  الجمارك في الموضوع ، فرد  عليه  المواطن  البسيط  وبعفوية : “إن ذلك من صميم  عملك أنت، أما  أنا فقد  انتهى واجبي عند اقتناء  وثيقة  تثبت أنني أخرجت سيارتي  خارج  الوطن . وهذه  الحكاية  تجعلنا  نفكر في عشرات  الحالات  المشابهة  التي  يهان  بسببها  المواطنون لأن  الإدارة تحملهم مسؤولية  تقصيرها . ولن أنسى  أبدا   يوم  قصدت  شباك البنك  لتحصيل  مرتبي  فوجدت  أنه قد اقتطع منه  ما يقارب  النصف ، فلما سألت موظف البنك أخبرني أن  إدارة الضرائب  هي المسؤولة  عنه ، فلما  اتصلت  بهذه الإدارة  وجدت أنها لم  تراسلني من قبل  لأنها لا تتوفر على  عنوان منزلي  ، بل  تتوفر  فقط على  عنوان  القطعة  الأرضية التي  شيد فوقها هذا  المنزل. ولم يخجل موظف  الضرائب من لومي وعتابي لأنني  لم أتردد على إدارته لأعرف  كم في ذمتي  لمصلحة  الضرائب ، وسألته  بدوري  لماذا لم تبحث إدارة الضرائب  عن عنوان المنزل ، وهي لا تعرف  أنها لا تملك سوى عنوان قطعة أرضية ؟  وكان جواب  الموظف  العبوس  القمطرير : ” روح تشكي أنا لست مسؤولا  عن الاقتطاع من مرتبك ”  بهذه  الطريقة  يواجه  موظف   تتحمل إدارته  خطأ  عدم  التبليغ  بالطرق  القانونية  مواطنا . ولست أنسى أيضا  يوما  توصلت  بفاتورة كهرباء  برصيد  مبالغ فيه ، فلما  راجعت إدارة الكهرباء  تبين أن  الأمر يتعلق  بسهو  من موظفها  في نقل ما سجله  العداد  بشكل دقيق  أو بسهوه وهو يقوم  بحساب  الاستهلاك ، وبكل  بساطة  قيل لي  إن إدارة الكهرباء مدينة  لك  بمبلغ  ستعفى منه  خلال  الشهر القادم أو الذي  يليه ،  ولما أنكرت هذا الإجراء غير  القانوني  سمعت  أيضا  عبارة : ” روح تشكي “. والموظفون الذين  يستعملون   هذه العبارة  جد مطمئنون بأن  ما يسمى  المحاسبة  لا وجود له  لهذا يحيلون  المواطنين  على  وهم وسراب الشكاية في ظل غياب  ما يحميهم  استخفافا بهم .ولقد سبق لي  أن حررت مقالا عن تكلفة تجديد بطاقتي  الوطنية  التي كانت مضاعفة لأن  موظف  أو موظفة إدارة الأمن  أخطأ في  عنواني ، وكان علي أن  أعد وثائق  جديدة برسوم جديدة ، وكنت  ضمن  المواطنين  الذين   جددوا بطاقات تعريفهم  بضعف التكلفة وإلا لم أحصل على  بطاقة تعريفي  الصحيحة ، لأن عندنا  المواطن  يتحمل  تكلفة  أخطاء الإدارة خلافا  لكل إدارات الدنيا . وأخيرا قد يقول  قائل  إن الأمر لا يتعلق  بجميع  الإدارات وبجميع  الموظفين  بها ، وأنا أقول له أجل نحن لا نعمم تعميم  الإطلاق  ، ولكن  من  العيب أن  توجد مثل هذه  العيوب  في إدارتنا  وأن  تتحول من  إدارة  لخدمة  المواطنين  إلى إدارة لإهانتهم  والاستخفاف  بهم ، ومن  العيب  أن  يستقبل  المواطنون في مختلف الإدارات  بعبوس  واكفهرار ، وغلظة  وشدة ، وبتماطل  وتسويف ، وبمحسوبية  مكشوفة  ، وبتعسير ومشقة ، وإنه ما لم تخلق الإدارة  على غرار  إدارة  غيرنا من  الأمم  المتحضر  فلن   نبلغ  شأو غيرنا  تحضرا  ورقيا ،علما بأن  من ضمن  معايير المنافسة على  المراتب  الحضارية بين الأمم   حقوق  الإنسان  ، ومن حقوق الإنسان  حسن معاملة  الإدارة له  لأنه  يؤدي  واجبات  المواطنة . ولو فتحت منابر إعلامية باب  تلقي  الشكايات عن سوء معاملة الإدارات للمواطنين لكانت  النتيجة مجلدات ،  وأتحدى من ينكر ذلك  أنت  يجرب .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz