إذا كانت غاية المنابر الإعلامية مجرد نقل الخبر فغاية منابر الجمعة نقل الحقيقة

14051 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 19 أبريل 2012،  يعرف خبراء القول والكلام من أهل البلاغة الخبر بأنه ما احتمل الصدق والكذب. وغاية المنابر الإعلامية مجرد نقل الخبر ، بمعنى أنها تقبل مبدئيا التعامل مع خبر  يفترض فيه الصدق أو الكذب . وبقدر ما تنقل المنابر الإعلامية من أخبار بقدر ما تتعامل مع الصدق  والكذب  بنسب متفاوتة. وقد تكون نسبة الخبر الصادق  الذي تنقله هذه المنابر في الغالب أقل من نسبة الخبر الكاذب .

وصفة الصدق والكذب في الخبر الذي تنقله وسائل الإعلام المختلفة محكومة باختلاف القناعات  واختلاف المصالح التي تكون وراء هذه القناعات ، ذلك أن نفس الخبر الذي يسوق  على أنه صدق قد لا يعدو مجرد كذب باعتبار مرسل الخبر ومصلحته من ورائه ، والذي يتلقاه عنه متلق له أيضا مصلحته من وراء التلقي  .

والمرسل والمتلقي  قد يكونان على طرفي نقيض ـ شأن تناقضهما كتناقض الصدق والكذب ـ  من نفس الخبر بسبب اختلاف مصالحهما التي جعلت قناعتهما مختلفة ، ومن ثم يأتي حكمهما على الخبر من حيث الصدق والكذب مختلفا. وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر الخبر المتداول بين الدولة والشعب ، حيث يتلقى في الغالب الشعب الخبر من الدولة بقدر كبير من التحفظ ، والشك أو التشكيك . ونفس الخبر الذي تقدمه وسائل الإعلام الرسمية أو التابعة للدولة على أنه صدق يتلقاه الشعب على أنه  مجرد كذب  اقتضته مصلحة الدولة .

وقد تتحفظ  وسائل الإعلام غير الرسمية على مصداقية  نفس الخبر الذي تنقله وسائل الإعلام الرسمية على أنه صدق ، بل قد تعتبره كذبا . فمعيار الصدق والكذب في الخبر مرده مصلحة الجهة المخبرة أو مصلحة الجهة التي تتلقى الخبر.

وإذا كانت المنابر الإعلامية إنما تنقل الأخبار سواء صحت أم لم تصح ، فإن منابر الجمعة لا تنقل إلا ما صح، لأن خبر السماء لا يحتمل إلا الصدق ، و لا تشمله قاعدة البلاغيين ، وهي احتمال الصدق والكذب  في الخبر، لقوله تعالى : (( لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه )) ، وقوله : (( ذلك الكتاب لا ريب فيه )) . فالخبر الذي يتعذر معه الباطل ، والريب له حالة واحدة وهي الصدق، لأنه حق  أو حقيقة .

وكل ما يتداول على منابر الجمعة إنما ينقل خبر السماء سواء تعلق الأمر بالقرآن الكريم أم بسنة  سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم المعصوم والمنزه عن الباطل . وكلما خرجت منابر الجمعة عن  خبر السماء ، ولا بست خبر الأرض إلا وصارت معرضة لما تتعرض له المنابر الإعلامية ، وقلت نسبة مصداقية الخبر عندها. ونظرا لاحتمال الخبر الصدق والكذب ،فقد حذر الله عز وجل في كتابه الكريم من اعتماد الخبر دون تبين ما فيه من كذب وصدق في قوله عز من قائل : (( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق  بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )) . فالنبأ هو الخبر المنقول من جهة إلى أخرى ، وهذه صفة الخبر عند منابر الإعلام .

وما يفسد الخبر المنقول هو الفسوق ، وهو الخروج عن الحق والصواب ، أو هو عري الخبر عن الصدق . وقد تصير الممارسة الإعلامية عند البعض ممارسة فسوق بامتياز إذ ما أكثر الفاسقين والفاسقات أو الفساق والفسقة والفواسق المشتغلين في مجال الإعلام ،لأنهم ينقلون الخبر دون تبين ، وهو التمييز بين الصدق والكذب . وتحذير الله عز وجل من عملية الفسوق الإعلامية إنما جاءت لصيانة الناس من تداعيات  ونتائج  أو أضرار الخبر المكذوب الذي ينال ماديا ومعنويا من ضحاياه .

وقلما تستخدم قاعدة التبين في التعامل مع أخبار المنابر الإعلامية الشيء الذي يعرض الكثير من الناس إلى الإصابة  في أنفسهم  وأعراضهم وأموالهم بجهالة حسب التعبير القرآني . ومن الخطإ الفادح أن تسوق أو تروج أخبار المنابر الإعلامية فوق منابر الجمعة ، لأن أخبار المنابر الإعلامية لا تحترز من الوقوع في الكذب ، بينما منابر الجمعة يفترض فيها شرعا أن تحترز منه .

وقد ينقل الفسوق الإعلامي النبأ المكذوب إلى منابر الجمعة ، فتسقط هذه الأخيرة حكم الشرع على هذا النبأ دون التفكير في  فسوق أو عدالة المصدر الناقل له ، فتقع في الخطإ  لانعدام شرط التبين  المطلوب فيمن يتعامل مع خبر السماء . وقد يقع الحدث ومن ورائه نية معلومة ، ولكن الفسوق الإعلامي تكون  له نوايا مخالفة ، فيسقطها على هذا الحدث فيحيد عن قصده وغايته عمدا تبعا لنوايا الفسوق الإعلامي.

وهكذا ينتقل الفسوق الإعلامي عبر المنابر الإعلامية إلى منابر الجمعة ، فيوقعها في الفسوق من حيث يدري أصحابها أو من حيث لا يشعرون . ولهذا السبب يؤكد أهل العلم على ضرورة التزام منابر الجمعة بخبر السماء دون غيره ، وترك المجال للذين يتلقونه فرصة عرض واقعهم المعيش عليه لمعرفة  وقياس المسافة الفاصلة بين خبر السماء أو الصدق أو الحق والحقيقة وبين الكذب أو الباطل .

فيكفي منابر الجمعة على سبيل المثال  لا الحصرأن تسوق خبر السماء في منع الخمر أم الخبائث عوض التفصيل في من يتعاطاها في الواقع شربا  أو بيعا أو شراء أو حملا وهلم جرا تخصيصا وتعيينا ، ذلك أن الذين يتلقون خبر السماء في الخمر لا يخامرهم شك في صدقه ، ويستطيعون عرض أحوال الذين يعاقرون الخمر أو يعاشرون أهلها في واقعهم ممن يليهم من معارف  وجيرة ، ومن ثم  يستطيعون الوصول وحدهم إلى الحكم عليهم باعتبار خبر السماء الصادق والحق ، لا باعتبار خبر الأرض المحتمل للكذب إلى جانب احتمال الصدق.

وخبر السماء نفسه عندما حرم الخمر أو غيرها من البوائق لم ينطلق من حالات معينة بعينها ،لأن طبيعته التعميم الذي يساير كل عصر ومصر خلاف خبر الأرض المحكوم بخصائص التاريخ والجغرافيا . ومن هنا يجب على منابر الجمعة أن تنهج أسلوب  سرد خبر السماء  عوض أسلوب تسويق المنابر الإعلامية لخبر الأرض. ومنابر الجمعة لا تسلم من منابر الإعلام حيث تسوق الأخبار الكاذبة الملفقة عنها ، والأدهى أن تكون الغاية من التلفيق ليس الذين يعلون منابر الجمعة كأشخاص في حد ذاتهم، بل يستهدف خبر السماء الذي يناقض خبر الأرض ، وينقض باطله .

وقد تنتقد منابر الجمعة آفة اجتماعية من خلال عرضها على خبر السماء ، في الوقت الذي تسوق المنابر الإعلامية لهذه الآفات على أنها محاسن عبر أخبار محتملة للكذب مع نية مبيتة لتضليل الرأي العام . ومن أجل تكريس تسويق هذه الآفات الباطلة عن طريق الخبر الكاذب، يستهدف خبر السماء من خلال استهداف منابر الجمعة التي تتناقله.

إذا كانت غاية المنابر الإعلامية مجرد نقل الخبر فغاية منابر الجمعة نقل الحقيقة
إذا كانت غاية المنابر الإعلامية مجرد نقل الخبر فغاية منابر الجمعة نقل الحقيقة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz