إذا صحت عقدة أوديب وهي أسطورة فالأولى أن تصح عقدة فرعون وهي حقيقة

13486 مشاهدة

محمد شركي  / وجدة البوابة : وجدة 18 دجنبر 2011، من الغريب أن يقبل الناس قيام نظرية في علم النفس على أساس أسطورة ، وينطلقون منها للحكم على الواقع ، في حين يهملون الحقيقة للحكم على  هذا الواقع. فعقدة أوديب التي اعتمدها عالم النفس اليهودي إنما  مصدرها الأسطورة والخيال . وقد جعل منها أساسا لتفسير كل السلوك البشري  عبر العصور . ولم تكن نظريته في الحقيقة سوى تمويه على عقدة الثقافة اليهودية فيما يتعلق بالممنوع الجنسي. وأما عقدة فرعون التي يجب أن تعتمد لتفسير الطغيان والظلم والاستبداد البشري ، فمصدرها الواقع  والحقيقة .  فإذا جاز الشك في وجود أوديب  لأنه مجرد أسطورة ، فلا أحد  يستطيع التشكيك في وجود الفرعون ، وهو حقيقة ،  ومومياؤه لا زالت  آية شاهدة على وجوده الحقيقي  ، والتاريخ يؤكد هذا الوجود. فما هي حقيقة عقدة فرعون ؟  إنها حالة  مرضية تصاب فيها النفس البشرية  بالكبرياء ، حيث تستعظم ذاتها مقابل احتقار غيرها إلى  درجة رفع شأن المخلوقية فوق شأن الألوهة  في أخر محطة من محطات الكبرياء . وما كررالله عز وجل  قصة فرعون  في كتابه الكريم إلا لتمكين الناس من استخلاص العبرة من عقدة فرعون . وقد يعتقد البعض أن هذه العقدة خاصة بالساسة والحكام والزعماء ، والحقيقة أنها عقدة  يعاني منها  كل البشر على اختلاف أنواعهم . فكلما حدثت الإنسان نفسه بالكبرياء ، مهما  كانت  درجة هذه الكبرياء  إلا وعانى من عقدة فرعون . وقد تخفى هذه العقدة على كثير من الناس ، ويظنون أنهم بعيدون عن المعاناة منها ، والواقع خلاف ذلك . فكم من الناس يظنون بأنفسهم الصلاح ، وهم في حقيقة أمرهم يعانون من هذه العقدة ، حيث يتوهمون أنهم يمارسون الصلاح ، وهم في الحقيقة يمررون عقدة الفرعون التي يعانون منها عبر ما يخيل إليهم أنه صلاح . وأكاد أقول لكل إنسان حظه من عقدة فرعون لقول الله تعالى : ((   كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى )) ، فقوام عقدة فرعون هو الشعور بالاستغناء ، مهما كانت طبيعة هذا الاستغناء ماديا أم معنويا . فكلما  شعر الإنسان بالغنى في مجال من المجالات ، والغنى هو بلوغ حد ما فوق الكفاف ، إلا وركبته عقدة فرعون . فطبيعة الإنسان أنه يكون دائما مشغولا ببلوغ عتبة  ما يكفيه أو الكفاف ، فإذا ما تخطى هذه العتبة استغنى ،أي بلغ عتبة الغنى   ، ومن ثم يقتحم عتبة الكبرياء ، ويصاب بعقدة فرعون .  وهذه العقدة إنما تبدو بشكل جلي لدى  الحكام مع أن كل الناس يعانون منها . وما ظهورها عند  الحكام إلا لأن درجة استغنائهم هي أعلى درجات الاستغناء . والطبيعة البشرية تستزيد من الاستغناء ، ولا تقف عند حد معين ،  وهي التي تتمنى واديين من ذهب إذا ما ملكت واحدا ،لهذا نجد الحكام بعد بلوغهم أقصى درجات الاستغناء ، يستزيدون منه ، فتتحقق فيهم عقدة فرعون بامتياز ، لأن الذي بلغ بفرعون مبلغ الطغيان ،هو كثرة الاستغناء التي وصفها الله عز وجل بقوله : (( جنات وعيون وكنوز ومقام كريم )) ،فهذا الاستغناء المادي الفاحش هو الذي تسبب في استكبار فرعون في الأرض. ويمكن رصد عقد فرعون عند فئات وطبقات الناس في كل زمان ومكان . فهي موجودة عند الحكام في كل زمان ، وأغلبهم تهلكه هذه العقدة كما أهلكت  فرعون من قبل . وهذا تاريخنا المعاصر يؤكد هذه الحقيقة  من خلال هلاك الحكام العرب المستبدين الذين أصابتهم عقدة فرعون ، واستنفدوا  حظهم من الفرعونية التي جعل الله عز وجل لها نهاية إذا ما  بلغت حدا معلوما بقياس عصرها .وهي موجودة في الأغنياء الغنى المادي ، وهي عقدة يمكن أن تسمى  أيضا عقدة قارون ، والتي كان مصيرها نفس مصير الفرعونية التي استكملت طغيانها . وقد تكون في أعوان الحكام كما كانت في هامان وزير فرعون ، ويمكن أن تسمى أيضا عقدة هامان. وقد تكون عقدة هامان أقبح من عقدة فرعون نفسها ، لأن  أعوان الحكام المستبدين انتهازيون بطبيعتهم ، لهذا يستفرغون جهدهم  ووسعهم في  استغلال علاقتهم بهؤلاء الحكام ، فينعكس ذلك على سلوكهم وتصرفاتهم ، فيتجاوزون أحيانا حدود عقدة فرعون . والأخبار التاريخية تؤكد لنا ذلك عندما استشار فرعون وزيره ،ومستشاره هامان في دعوة نبي الله موسى عليه السلام له ، وكاد فرعون أن يقبل عرض موسى  عليه السلام ، وهو عرض مربح في العاجل والآجل ، بحيث يكون له الملك في الدنيا ، وتكون له الجنة في الآخرة ، فما كان من مستشار ووزير فرعون هامان إلا  رفض المبادرة بقوله : ” كيف تقبل يا فرعون أن تصير عبدا عابدا بعدما كنت إلها معبودا ؟ ” وهذه الاستشارة الخبيثة  من المستشار هامان إنما  كان الدافع من ورائها  هو حرصه على مصالحه  التي يضمنها كون فرعون إلها وليس مجرد  بشر حاكم. فهامان كان يستفيد من ألوهة فرعون ،ولا فائدة له في تحوله إلى مجرد بشر. وانطلاقا من تجربة المشورة الهامانية  ، تتحول كل المشورات  الشبيهة بها إلى تكريس عقدة فرعون في الحكام المعتمدين عليها في كل عصر ومصر . وقد تكون عقدة فرعون في المفكرين  الذي يبلغون درجة الغنى الفكري ، فيفضي بهم استغناؤهم الفكري إلى عقدة فرعون كما حصل للفيلسوف المشهورالذي زعم أنه شيع جنازة الله ـ تعالى الله عما وصف ـ في موكب رهيب ، ودق في نعشه آخر مسمار ، ليلبي عقدة فرعون الفكرية في نفسه ، فكان مصيره أن دق الله عز وجل آخر مسمار في دماغه ،فصار لا يعلم بعد علم شيئا . وقد تكون هذه العقدة  أيضا في ربات الحجال من الحسنوات اللواتي  يحطمن أرقاما قياسية في الحسن ، فتصيبهم عقدة فرعون ، فيطمس الله عز وجل على حسنهن جريا على عاقبة المصابين بعقدة فرعون في كل المجالات . والأخطر أن يصاب بهذه العقدة العباد والنساك ، فتغريهم القطبية  والكرامات والمريدين ، الذين يتخذونهم دروعا بشرية  يتزلفون بها إلى الحكام  الذين يعانون بدورهم من عقدة فرعون، أو يهددون بها هؤلاء الحكام  لتحقيق مآربهم ، وهم يعتقدون في أنفسهم بلوغ عتبة الولاية  وما فوق الطبيعة البشرية ، وما هي إلا إصابة بعقدة فرعون  في مجال العبادة والتنسك ،حتى يلحق بهم جزاء فرعون جزاء موفورا . وأخيرا تصاب الطبقات البسيطة من الناس  بعقدة فرعون ، فتمارس  على بعضها البعض من أنواع الظلم مثل  ما يمارسه أصحاب الباع الطويل في عقدة فرعون من حكام وأعوانهم ، وأغنيائهم ، وجندهم ممن يشاركونهم عقدتهم أو يرتزقون بها . وقد تلجأ الطبقات البسيطة إلى الحكام الذين يعانون عقدة فرعون ليس لمجرد الخوف منهم  ،بل بدافع إشباع هذه العقدة  في نفوسهم أيضا ، وهي المتأصلة في النفس البشرية ، وهي نفس جبلت على حب الاستغناء الشيء الذي يورطها في  هذه العقدة . وليس من قبيل الصدفة أن نجد في ثقافتنا الشعبية ، وبين بسطاء الناس وعامتهم عبارة : ” التفرعين ” أو ” التفرعن ”  ، وهو تعبير واضح عن عقدة فرعون التي تصيب الناس  في مختلف المجالات بمجرد استغنائهم ، أو بلوغهم درجة أو مرتبة لم تكن لهم من قبل .

إذا صحت عقدة أوديب وهي أسطورة فالأولى أن تصح عقدة فرعون وهي حقيقة
إذا صحت عقدة أوديب وهي أسطورة فالأولى أن تصح عقدة فرعون وهي حقيقة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz