أُسَرٌ فقيرة تعيش من بيع الماء لرَشِّ قبور الأموات بمقابر وجدة

34440 مشاهدة
يخرج الطفل “سعيد” الذي لم يكن يتجاوز عمره ربيعه الخامس من بيت أسرته الخربة كل صباح بأحد الأحياء الهامشية بسيدي يحيى بمدينة وجدة، بملابس رثة ومتسخة لا تغطيها وزرة الدراسة كما عند أقرانه ، متأبطا ، ليس محفظته، بل قنينة فارغة من البلاستيك من فئة 5 لتيرات رأس ماله،، في طريقه ليس إلى المدرسة أو الروض أو النادي بل يتوجه إلى مقبرة سيدي يحيى بمدينة وجدة “للعمل” و”الاشتغال” إلى جانب والدته أم لأربعة أطفال وزوجة لعاطل…

بَرع الطفل الفقير “سعيد” الذي لم يعرف بعد السعادة ولا الفرح وألف المآتم والأحزان وتعود على البكاء والصراخ ، (برع) في نشاطه اليومي بهدف إيصال القنّينة المملوءة بالماء المجلوب من إحدى الحنفيات بالمقبرة أو من صهيرجها، إلى المُترحّمين على موتاهم لرشّ قبورها وسقي نباتاتها وأعشابها مقابل درهم أو أقل أو أكثر…”عندو خمس سنين…حتى أمّو تبيع الماء في المقبرة…لا… أبّاه مريض ماخدامش ومرّة مرّة يخدم في واحد الكارّو في السوق…” تُجيبني زينب إحدى الفتيات الصغيرات التي يتجاوز عمرها العشرة سنين وتنافسه في “مهنة بيع الماء لرش القبور” بعد أن عجز عن الإجابة عن استفساراتي حول وضعية أسرته…

تََعرّف سعيد، رغم صغر سنه، على الموت وعلى الأموات وهو لا يعرف الحياة ،كباقي الأطفال الذين أُجبروا على ممارسة نفس النشاط بالمقابر لمساعدة أسرهم المعوزة، وتَعلّم كيف تُدفن الجثامين الملفوفة في الأكفان البيضاء أو المخبأة في الصناديق الخشبية للرجال والنساء داخل اللحود المحفورة طبقا للمقاييس وتبعا للطقوس، ومَهر في العدو بين القبور والقفز فوقها دون أن توقفه حواجز الشَّاهِدات أو النباتات والأعشاب الطفيلية، وبرع في التسلل بسهولة وخفّة وسرعة بين أرجل المواطنين المرافقين للمتوفى ليقترب من قبر الميت وأهله ويُعاين وضع الجثمان تحت التراب ويتفحص في نفس الوقت الوجوه الباكية الحزينة والأعين الذابلة الدامعة والأفواه الصارخة الصائحة والمولولة ولا شك أنه يتساءل عن الظاهرة التي تعود عليها دون أن يجد لها تفسيرا…

إن العديد من الأشخاص الذين يعشون أقصى حالات الفقر والتهميش “يشتغلون” في ممارسة بعض الأنشطة بمقابر المسلمين سواء بمقبرة سيدي يحيى أو مقبرة سيد المختار أو مقبرة سيد محمد أو مقبرة الشهداء بمدينة وجدة ، إلى جانب مجموعات ممن يطلق عليهم ب”الفُقْها” أو “الطُّلبا” الذين يقرؤون سورا من القرآن الكريم على قبور أموات المسلمين لكسب قليل من المال لإعالة أسر متعددة الأفراد والأفواه، وإلى جانب العديد من المتسولين والمتشردين والعديد من الأفارقة المرشّحين للهجرة السّرّية الذين حفظوا بعض عبارات الدعاء بالدارجة العربية بلكنة خاصة وتعلموا كيف يوظّفونها بالمناسبة…

يتخذ هؤلاء الأشخاص ومنهم من يشكل أفراده أُسرا بأكملها، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، من بيع الماء لرشّ قبور الأموات حرفة ومورد رزق للأحياء وهي حرفة أقرب إلى الاستجداء منها إلى عمل أو شغل. ويتجمع هؤلاء عند باب المقابر محمّلين بما يستطيعون حمله من القنينات المملوءة بالماء وعشرات منها معروضة على الأرض هيّأوها وحضروها قبل افتتاح أبواب المقبرة، يتسابقون كلما تجاوز مواطن أو مواطنة عتبة الباب الرئيسي للمقبرة ويعرضون عليه قنينات الماء، “تسقي…تسقي..أعمّي…أعمتي…تسقي أخالتي …ألحاج…ألحاجّة..؟”، وعندما يشار إليهم بالإيجاب، يتبعونه إلى قبر الميت المراد الترحّم عليه، ويقوم قريب الميت برشّ قبره وحتى القبور المجاورة لمزيد من الأجر والحسنات…، وفي الأخير يمنح بعض الدريهمات صدقة للطالب القارئ وصاحب الماء حيث غالبا ما يكون السعر درهما للقنينة…

لقد بلغ عدد الأشخاص الذين يعيشون أقصى حالات التهميش 5509 من مجموع عدد سكان عمالة وجدة أنجاد الذين يفوق عددهم 477100 أي ما يمثل نسبة % 1,15. وهي أرقام رسمية كانت نتائج عملية إحصاء قامت بها مصالح العمالة قصد إيجاد حلول في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية للتخفيف من معاناة هذه الفئـات التي تعاني التهميـش والتكفل بالأشخاص في وضعية صعبة، ولا شك أنها أرقام تبقى دون الواقع المعاش بحكم أن أعداد الغارقين في الفقر المدقع والمتسولين يصعب حصرها . ويأتي على رأس قائمة الفئات المقصية والمهمشة النساء في وضعيـة صعبـة.

 أُسَرٌ فقيرة  تعيش من بيع الماء لرَشِّ قبور الأموات بمقابر وجدة
أُسَرٌ فقيرة تعيش من بيع الماء لرَشِّ قبور الأموات بمقابر وجدة
 أُسَرٌ فقيرة  تعيش من بيع الماء لرَشِّ قبور الأموات بمقابر وجدة
أُسَرٌ فقيرة تعيش من بيع الماء لرَشِّ قبور الأموات بمقابر وجدة

اترك تعليق

1 تعليق على "أُسَرٌ فقيرة تعيش من بيع الماء لرَشِّ قبور الأموات بمقابر وجدة"

نبّهني عن
avatar
moha
ضيف

لو كانوا يستغلون الضرائب جيدا وكانوا يعرفون جيدا معنى كلمة الضرائب لما وجدت عائلة فقيرة كما قال الرسول ص الضرائب تأخد منكم لتعود إليكم.

‫wpDiscuz