أيها الراغب عنا نحن أزهد ما نكون فيك/ وجدة البوابة: محمد شركي

291792 مشاهدة

وجدة البوابة: محمد شركي/ أيها الراغب عنا نحن أزهد ما نكون فيك

لما أحس أبو الطيب المتنبي ما يشبه الإعراض عنه من طرف سيف الدولة صفعه في ميميته المشهورة ببيت شعر فيه عبرة له ولمن حذا حذوه في كل زمان قال فيه :

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا = أن لا تفارقهم فالراحلون همو

ومعلوم أن سيف الدولة كان أمير إمارة صغيرة مغمورا رفعه شعر المتنبي ، ولولا هذا الشعر لما عرف ، وظلت من نكرات التاريخ  ، ومع ذلك حدثته نفسه ذات يوم أن يزهد في شاعر كبير كان بمثابة وزير إعلامه . وبمنطق الربح والخسارة كان الأمير هو الخاسر برحيل الشاعر عنه بل كان هو الراحل حسب قول الشاعر . ولو كان هذا الأمير بعيد النظر ،ودقيق الحساب لما زهد في شاعره  العظيم ، ولكنه كان قاصر الهمة ، ولئيم الطبع يقابل الإكرام بالتمرد كما قال المتنبي في بيته المشهور:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته = وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

ودأب  لئام الخلق في كل زمان ومكان هو دأب هذا الأمير اللئيم الذي لم يراع لشاعره صحبة ولم يرع فيه إلا ولا ذمة . وإذا كان خيار الخلق كالحدائق ذات البهجة والتي تفوح عطرا لا تزيد مساحاتها ، فإن لئام الخلق كالدمن العطنة  تكبر بكثرة ما يلقى فيها من درن وما تكبر إلا الدمن . ونظرا لضيق أفق اللئام وقصور نظرهم فإنهم حين ينسلخون من جلودهم انسلاخ الثعابين والحيات ، وينتقلون من حال إلى حال ينبهرون بذلك ، وتغريهم جلود جديدة استبدلوها بجلود النافقة  بالترفع والانتفاش كفعل السنورات أو الديكة ،وكانت  الرفعة في نظرهم تكمن  في تغيير الجلود . ولئام الخلق المنسلخون من جلودهم كثر في شتى ميادين الحياة  ومجالاتها . ومن المجالات والميادين التي تبتلى بمثل هؤلاء اللئام الإدارات التي  يصير أمرها إليهم في غفلة من الزمان ، وقد تهافتوا عليها تهافت الكلاب على الجيف ، وأراقوا من أجلها ماء الوجه وسامهم اللهث وراءها الخسف ، وتندر منهم بسبب ذلك المتندرون ، وصاروا أضحوكة الضاحكين ، وراجت عن تطفلهم على مهام فوق أقدارهم الأحاديث ، وكشف النقاب عما كان من أمرها خلف الكواليس . ولئام الخلق ولعنة الضعة تلاحقهم يبذلون قصارى جهودهم للتخلص من عقدتهم بنسيان ما كانوا عليهم قبل تغيير جلودهم ، والتنكر لما سلخوه من نافقها ،  وتركوه مهجورا كما تفعل الثعابين والحيات . ويحرص لئام الخلق على الظهور بجلودهم الجديدة متعمدين تناسي الرثة منها . ومشكلة هؤلاء أن من لا يعرفهم بجلودهم المسلوخة قد ينبهر بجلودهم الجديدة ظنا  منه أنها جبلتهم التي جبلوا عليها  ولم يعرفوا إلا بها  لكن من يعرف ماضيهم وحاضرهم جيد المعرفة  لا يضلله جديد جلودهم عما خلق منها  وسلخ .ودرءا لهوان يستشعره  هؤلاء اللئام في قرارة أنفسهم  يحرصون أشد الحرص على إحاطة أنفسهم بهالات زائفة من الأبهة الكاذبة ، فيبالغون في اتخاذ الحجاب بأبوابهم ، ويفرضون على زوارهم تعبئة صكوك خاصة لزيارتهم ، ويخضعونها للفحص، فلا يقبلون منها إلا ما يلبي حاجتهم لحب الظهور. وإنهم ليتخذون لهم قاعات انتظار يحبسون فيها من يطلب مقابلتهم لساعات ، ويكثر حجابهم الدخول عليهم بملفات وقراطيس .وإذا سأل زوارهم عن أوان زيارتهم  أوهمت إجابة حجابهم بأنهم في عويص القضايا خائضون ، وربما كانوا بأحاديث اللهو واللغو منشغلين على الأرائك متقابلين وللقهوة محتسين ، لا يبالون  بمغبونين أو مظلومين عند أبوابهم قابعين منتظرين. ومن أبهتهم الزائفة أن ترن هواتفهم فلا يردون ولا يجيبون ، وينتقون أرقام المتصلين بهم تماما كما ينتقون صكوك الزائرين ، فيقبلون على من شاءوا ويعرضون . ومما يبتلى به لئام الخلق بطانة من المتملقين يزيدون من إفساد طباعهم الفاسدة أصلا بتملقهم ، ويلبسونهم ما لا يناسبهم من اللبوس كذبا وزورا طمعا في بعض دنسهم أو فيما لاحق لهم فيه ، ولا يتملق المتملق حين يتملق إلا والطمع الطاعون يطعنه . ومن خلال وطباع لئام الخلق  أنهم يخافون ولا يستحيون ، ويظهرون الأدب المغشوش مع من يخشونه من أفراد وهيئات ، في حين يبالغون في إظهار الصلف والرعونة مع من لا يخشونهم وهم أحق أن يخشوا خصوصا إذا كانوا أصحاب حقوق مهضومة أو مظلومين . ويحرص لئام الحلق أشد الحرص على تملق الإعلام والإشهار، وهم أهل رياء لا يقدمون على أفعال إلا  وقد سبقتها الدعاية والإشهار ، وقد يساومون الدعاية  والإشهار كما تساوم السلع والمقتنيات ، ويبذلون من أجلها البذل والعطاء لتلميع صورهم الوضيعة  وبهرجتها ، والدعاية والإشهار عزاء لئام الخلق وخلاصهم من ضعة تلاحقهم في بواطنهم ، وهم يظنون أنها خافية على غيرهم ممن يعرف قضهم  وقضيضهم ، أو بالأحرى يتمنون أن تكون كذلك . ودأب لئام الخلق التنكر لأصحاب الأفضال عليهم ، وقد صور الله عز وجل حالهم في قوله عزمن قائل : (( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون )) . فإذا كان هذا حال لئام الخلق مع خالقهم ،فكيف يكون حالهم مع الخلق ؟ علما بأن الذي لا يشكر الخلق لا يشكر الخالق الذي ربط شكره  بشكر  من يجري  نعمه على يديه من خلقه . وفي آخر هذه الكلمة  ، وأرجو أن تكون نصحا لا قدحا كما قد تفهم عند من يقصر فهمه ، ويضيق أفقه أقول لمن رغب عنا إننا أزهد ما نكون فيك ، ونحمد الله عز وجل أن كان فضلنا ـ ونحتسبه عند الله ـ عليك سابقا ، وأننا لم نطلبك لطمع أو مصلحة ، بل لنصح يردك عن جورك ، وسوء تدبير يجر عليك ندامة ولات حين مندم .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz