أول ضحايا التظلمات الكاذبة أصحابها

12450 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة: وجدة في 22 يوليوز 2012، ظاهرة التظلم قديمة في قطاعات الوظيفة العمومية، وقد ازدادت مع ظهور المحاكم الإدارية التي كانت نتيجة ضغوط خارجية وداخلية من الجهات المطالبة بالحريات العامة وهي حق قد يراد به باطل أحيانا. والتظلم نوعان : تظلم ناتج عن وقوع ظلم بالفعل مع وجود أدلة تثبته، وتظلم عبارة عن ادعاء وتظاهر لا أدلة له.

والتظلم من النوع الثاني يكون في الغالب من أجل التمويه على الإخلال بالواجب أو التراخي فيه. وفي هذه الحالة يكون آلية من آليات التملص من العقاب من خلال نقل اللعب إلى شباك الخصم. وليس من قبيل العبث أن يوجد في الثقافة المغربية الشعبية المثل القائل : ” ضربني وبكى ، وسبقني وشكا “ فهذا المثل يختزل ظاهرة التظلم الكاذب الذي يكون في الحقيقة محاولة مكشوفة للتملص من العقاب عن طريق التظاهر بالوقوع ضحية للظلم.

وخلال تجربتي مع بعض القضايا التي أحيلت على المحاكم الإدارية، وقفت على نماذج صارخة من التظلمات الكاذبة حيث عمد بعض المخلين بواجباتهم من الذين اتخذت في حقهم الإجراءات المناسبة لإخلالهم بالواجب إلى أساليب التظلم الكاذبة، فوجدوا في أسلوب اللجوء إلى المحاكم الإدارية وسيلة مناسبة للتمويه على أخطائهم المهنية الناطقة.

والمؤسف أن بعض هذه التظلمات الكاذبة والمغرضة تركب أحيانا أخطاء الإدارة من أجل أن توفر للمحاكم الإدارية فرص الطعن فيها عبر طريقتين : طريقة الشكل وطريقة المضمون، ذلك أن كل تأخر في إجراءات الإدارة يعتبر في نظر المحاكم الإدارية مبررا لتملص المخلين بالواجب من الإجراءات الإدارية المناسبة.

ومن المضحك أن بعض المحامين يسوقون بين أصحاب التظلمات الكاذبة فكرة مفادها أنهم يستطيعون بخبراتهم العالية في المرافعات أن يحولوا الإخلال بالواجب إلى مظالم حقيقية، ويتقاضون على ذلك أجورا عالية، وهي أجور يجازف بها المتظلمون الكاذبون لأن غايتهم هي صرف الأنظار عن إخلالهم بالواجب، والتمويه على هذا الإخلال بين معارفهم من أجل التخلص مما علق بسمعتهم من أدران. وما أشبه أحوال المخلين بالواجب بحال الذي يريد أن يحول المعدن الخسيس إلى ذهب إبريز عن طريق السحر والشعوذة.

ولما كان المتظلمون الكاذبون يعدمون ماء الوجه ، فإنهم لا يتورعون عن الكذب والبهتان والزور، ويعولون على الدعاية الكاذبة لأنهم لا يستحيون، لذلك يحق لهم قول ما يشاءون. ومن العلامات الدالة على هؤلاء المتظلمين الكاذبين أنهم لا ينسبون لأنفسهم أدنى خطإ في حين ينسبون لغيرهم ما شاءوا من أخطاء كما يريدون، وهم بمثابة الملائكة الكرام، وغيرهم من مردة الشياطين.

ومن هؤلاء المتظلمين الكذبة من لا شغل لهم سوى البحث عن سهو الإدارة أو تأخرها في اتخاذ بعض الإجراءات من أجل ركوب واستغلال ذلك لصالحهم. ومن أساليب هؤلاء أيضا اعتماد ما يمكن تسميته بالدروع البشرية حيث يحتمون بغيرهم خوفا من أن يواجهوا الأضواء وحدهم ، وقد يخادعون أنفسهم بخلط مظالمهم الكاذبة بمظالم غيرهم التي قد تكون حقيقية، فيعرضون مظالم غيرهم الحقيقية من أجل الإقناع بمصداقيتها ثم يحاولون تمرير مظالمهم الكاذبة ضمنها أو عبرها ظانين بأنفسهم القدرة على استغفال غيرهم، والشطارة والحذق، والبلاغة والفصاحة وسحر البيان بأنفسهم.

وأذكر حكاية طريفة رواها لي أحد الأصدقاء في يوم من الأيام تعكس الشطارة التي تنقلب على أصحابها كانقلاب السحر على الساحر حيث اختلى أحد الزناة بزانية في غابة قاصية، فهاجمهما قطاع طرق فاغتصبوهما معا، وألقت مصالح الدرك القبض على الجميع، وأخذ الدركي المكلف بتحرير التقرير يستنطق الضحيتين، وكانت الزانية تظن بنفسها الشطارة فاستطاعت ببلاغتها وفصاحتها ودموعها أن تقنع نفسها بأنها وخدنها ضحيتان أمام قطاع الطرق.

وبمجرد أن أغلق الدركي ملف تظلمها ، فتح ملف ممارستها للبغاء مع خدنها فصاحت: يا ويلي هل ستحاسبنا ونحن ضحيتين ؟ فأجابها الدركي ساخرا: وهل كنت في حالة عبادة حتى أخلي سبيلك؟. هكذا يحصل لبعض الذين يركبون التظلمات الكاذبة حيث يسلطون الضوء على ما يعتقدونه أخطاء الغير ضاربين صفحا عن فضائحهم التي تزكم روائحها الكريهة الأنوف. وقد يتذكر المتظلمون الكاذبون كل شيء، ولكنهم ينسون أن حبل الكذب قصير، وأن الله تعالى يملي للكاذبين حتى إذا ما ظنوا أن شطارتهم قد أسعفتهم فضحهم على رؤوس الأشهاد، ومن أراد به الله عز وجل أقبح فضيحة جعلها يوم سوق الناس أو يوم زينتهم ، وجعل تسويقها في الآفاق على ألسنة أصحابها ولا ينطق السفهاء إلا بما فيهم.

أول ضحايا التظلمات الكاذبة أصحابها
أول ضحايا التظلمات الكاذبة أصحابها

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz