أطفال صغار يقضون عطلتهم الصيفة في ممارسة أعمال شاقة

35904 مشاهدة
انقضّ الطفل سعيد الذي لم يكن يتجاوز عمره العشرة سنوات على غريمه الذي يكبره بسنتين أو ثلاثة، ودخل معه في تشابك بالأيدي وتبادل باللكمات بقوة وقسوة وحقد لينتزع منه كوب ماء فارغ أخذه منه عنوة يستعمله في بيع الماء للمتبضعين من المواطنين بالسوق الأسبوعية صباح يوم الأحد بحي كولوش بمدينة وجدة، قبل أن يتدخل أحد المواطنين لتفريقهما وفض النزاع… انتصر سعيد في معركته على غريمه الذي تراجع إلى الخلف وهو يبكي، في الوقت الذي كان سعيد سعيدا يردد “باش ما يعاودش يتعدى علي…حْكَرني وبغا يشرب الماء بالسيف علي وأنا نسترزق فيه الله”، ثم واصل ملء الأكواب للعطشى من المتبضعين… غير بعيد عنهما، توقف طفلان مُتْعبان من دافعي عرابات حمل بضائع المواطنين،عادل ويونس،عند كروسة بيع المشروبات المصنوعة محليا، ليطفآ عطشهما بمشروب “باريدا” بدرهم للكوب، بعد أن جف ريقهما وتصبب عرقهما بسبب شمش غشت الحارقة، ويأخذا دقائق من الراحة لاسترداد أنفاسهما قبل الإنطلاق وراء المتبضعين لكسب دراهم قليلة تفرح الأسر المعوزة وتسد رمق أفواه أفرادها المتعددين…وفي الجهة الأخرى، تسلل ثلاثة أطفال صغار في ربيعهما الثامن،عمر وحسن وعزيزة، بين الأرجل، يناولون في آن واحد المواطنين المتبضعين الباحثين عن أكياس من البلاستيك، صارخين متوسلين “هاك أعمي شكارة نتاع ميكا…غير ب4 دورو(4 ريال)…هاذ لكبيرة ب10 دورو…ياك أعمي…ياك أعمي…” طلبات هي أقرب إلى الاستجداء منها إلى البيع.
أطفال صغار يقضون عطلتهم الصيفة في ممارسة أعمال شاقة
أطفال صغار يقضون عطلتهم الصيفة في ممارسة أعمال شاقة
أطفال صغار يقضون عطلتهم الصيفة في ممارسة أعمال شاقة
أطفال صغار يقضون عطلتهم الصيفة في ممارسة أعمال شاقة

“أعمي حنا مساكين، نجحت للقسم الثالث… بّا ما عندوش وغير حمال، ومّا مريضة وحنا 6 في بيت وحدة مع الجيران…بالسِّيف علي نبيع شكاير ميكا…البحر؟ أنا ما نعرفش البحر ونعوم غير في الكلتة نتاع الماء في واد إسلي…” أجابني الصغير عمر بكل براءة وعفوية كأنه متيقن من قدر وضعية أسرته وقدر وجوده بالسوق بدل مكان آخر، بل كان يتحدث مؤمنا بحتمية عيشه وظروف حياته القاسية والسوداء سواد أكياس البلاستيك التي كان يتأبطها… عطل قاسية لأطفال فقراء بالأسواق آلاف الأطفال الصغار مثل عمر وعزيزة وعادل ويونس وحورية وحسن وغيرهم…يملؤون أسواق وجدة المدينة الألفية وأسواق مدن الجهة الشرقية ولا شك أسواق المدن المغربية، اليومية منها والأسبوعية، يصرخون ويصيحون ويقاتلون ويحاربون ويناضلون ويتشاجرون، خلال ممارسة جميع الأنشطة التي كان يمارسها الكبار منذ سنوات خلت، يطوفون بين الدكاكين والخيام المنصوبة بالسوق وأكوام البضائع المعروضة على الأرض، في سباق محموم بين الأقران للظفر ب20 سنتيم أو 50سنيتم أو درهم أو أكثر أو أقل،أنشطة معيشية وحيوية كبيع أكياس البلاستيك وبيع الماء للعطشى وحمل قفف المتبضعين ودفع العربات وجرّها، أو الصراخ والصياح مناداة على الزبائن طيلة اليوم و…و…تحت أشعة الشمس الحارقة ولهيبها…أنشطة وأعمال تصنف كلها في خانة الأشغال الشاقة التي تتجاوز طاقة تلك الأجساد الفتية والهشة والرهيفة العاجزة عن تحَمُّل ما أُجبروا على تَحمُّله… أطفال صغار لا حق له في أن يصرحوا بمعاناتهم ولا خوفهم من قسوة غابات الأسواق وساكنيها من الوحوش الأدمية وحتى الحويانية من الكلاب الضالة كبارها وصغارها، المدمنين منهم على الخمور وعلى أنواع المخدرات المعروفة والمجهولة والمتسكعين واللصوص والمكبوتين وأصحاب السوابق والقتلة، “هاذاك ادّالي 4 نتاع الكارويات (لفافات سجائر) وما بغاش يخلصني…” يشتكي طفل من باعة السجائر بالتقسيط ، بكلمات متقطعة مخنوقة بالبكاء…أطفال مجبرون على قضاء عطلهم سواء الصيفة أو الشتوية ، إن كانت لهم عطل، في خوض حرب شرسة، وكل وسائل الدفاع والهجوم مسموح بها، حين يتعرضون لشتى أنواع الاعتداءات اللفظية والبدنية وحتى الجنسية، فيها البقاء للأقوى…أطفال صغار يوضعون في مواقف وظروف تحتم عليهم سلوك شتى سبل الدفاع للنجاة والمحافظة على سلعهم مورد رزق أسرهم وحفظ كرامتهم ، يَضربون ويُضربون،يعتدون ويعتدى عليهم، يسبّون ويشتمون ويتلقون من السب والشتم والقذف، فينهلون من قواميس السوق الرديء من المفردات والعبارات والحاط من الأساليب اللغوية المعروفة والمختلقة، ويتسلحون بما يملكون من الحجر والعصي وحتى السكاكين الصغيرة…أطفال وعوا وعاشوا الفقر والحرمان والحاجة والعجز والجوع والعطش والحرَّ والقرَّ وكان لا بدّ أن تقسى قلوبهم وتشحد أظافرهم وتتسلط ألسنتهم وتتقوى حواسهم وغرائزهم وتتوحش سلوكاتهم… في الوقت الذي يوجد أقرانهم المحظوظون وربما زملاؤهم في الفصل على الشواطئ والمخيمات والمدن السياحية المغربية بل وفي بلدان أوربا…وفي الوقت الذي يركب أطفال الأسواق الحمير والعربات المجرورة وكراريسهم يحملون عليها بضائع المواطنين ويجرون ما ثقل عليهم، يمتطي الأطفال الميسورون السيارات والدراجات والقطارات والطائرات والدراجات النارية البرية والبحرية ويحلقون في السماء وعلى الأمواج…وفي الوقت الذي تُجلد فيه أجساد هؤلاء الصغار المحرومين في الأسواق والأزقة والساحات، تُدهن أجساد الصغار المحظوظين الممددة فوق الزرابي أو السجادات، تحت أشعة الشمس على رمال الشواطئ الذهبية بأنواع “الكريمات” والزيوت ضد لفحات شمس البحر الحارقة مع توفر الشمسيات والمبردات والمثلجات والسندويتشات… “كم عدد هؤلاء الأطفال؟ وكم منهم يلج المدرسة؟ وكم من الأسر تستغل أطفالها من الذكور ومن الفتيات، أو قل كم الأسر هي مجبرة على ذلك؟ لا أحد يعلم ” يقول مصطفى م. أستاذ باحث بجامعة محمد الأول بوجدة، ثم يضيف بكل حسرة ” لكن حسب ما يشهده الواقع هناك الآلاف من هؤلاء الأطفال الصغار والقاصرين، يمكن أن يتجاوز العدد العشرة آلاف أو العشرين ألف أو أكثر بمدينة وجدة البالغ عدد سكانها حوالي النصف مليون نسمة، ويمكن أن تقيس العدد بعدد الأسر الفقيرة وتنجز علمية الضرب في 4 أطفال أو خمسة…”. يرى الأستاذ الباحث أن تشغيل الأطفال واستغلالهم يعد خرقا للمواثيق الدولية والأعراف الإنسانية والشريعة الإنسانية رغم أنه يمكن تفهم مبررات الفقر والعوز، لكن واجب الدولة أن تحمي الطفل الذي كان من المفروض ان يكون في الدراسة أو يلعب مع أقرانه في دور فضاءات الأطفال والشباب، أو يقضي عطلته في المخيمات. ويضيف أن هذا الواقع المؤلم لمن شانه أن يخلق من هؤلاء الأطفال أشخاصا متوحشين ناقمين على المجتمع كارهين له حاملين بذور الانتقام بحكم نشأتهم ونموهم في اوستاط متوحشة قاسية وصعبة… لقد أصبح الكل يردد أن تشغيل الأطفال يعد خرقا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وضدا على حقوق الطفل الذي وقعت عليها بلدان العالم من ضمنها المغرب، من حماية لكرامة الطفل إلى واجب تربيته وتعليمه إلى تحريم تشغيله وتجريم مشغليه. ولم يستطع المغرب القضاء على أشكال تشغيل الأطفال لأن دواعيه متجذرة في واقع الأسر المعوزة المحرومة ووضعيتهم المزرية المنخورة بالبطالة والمرض وانسداد آفاق مستقبل أبنائهم من أطفال وشبان وحتى كبار بسبب السياسات المتبعة التي نهجت الإقصاء والتهميش…إذن سيبقى واقع هؤلاء الأطفال حقيقة مُرًّة وحياة ملغومة ما دامت وضعية أسرهم غارقة في الفقر لانعدام فرص الشغل لأولياء أمرهم وبالتالي عجزهم عن تأمين أبسط ظروف العيش الكريم وضمان حقوقهم وكرامتهم التي يكفلها الدستور قبلهم إلى جانب حقوق الكبار… إذن سيبقى هؤلاء الأطفال رهينة “جحيم” واقعهم ما دامت أسرهم رهائن الحرمان والفاقة والجهل والتهميش… ترسانة من القوانين على هامش واقع مرّ لقد تعزز مجال حقوق الطفل بترسانة من القوانين والمساطر والمقتضيات الحمائية ، وعرف هذا المجال خلال سنة 2003، دينامية ملحوظة، من خلال مجموعة من المستجدات التشريعية والتدابير العملية همت حقوق مختلفة تكفلها المواثيق والاتفاقيات الدولية وخاصة الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الطفل ومن ضمنها ” مجال الشغل” حيث خصت مدونة الشغل الجديدة الأحداث بمقتضيات حمائية . وتمثل بعضها في التنصيص على أنه “لا يمكن تشغيل الأحداث، ولا قبولهم في المقاولات، أو لدى المشغلين، قبل بلوغ سن خمس عشرة سنة كاملة” (المادة143)، خلافا للمقتضيات السابقة التي كانت تحدد السن في 12 سنة. وبالنسبة للأحداث الذين تقل سنهم عن 18 سنة، يمكن للعون المكلف بتفتيش الشغل، أن يطلب في أي وقت، عرضهم على فحص طبي قصد التحقق من أن الشغل الذي يعهد به إليهم لا يفوق طاقتهم، وإذا كان الأمر كذلك، يحق له بأن يأمر بإعفاء الأحداث من الشغل دون إخطار(المادة 144). وفي جميع الأحوال، يمنع تشغيل الأحداث دون الثامنة عشر في المقالع، وفي الأشغال الجوفية التي تؤدى في أغوار المناجم، وفي أشغال قد تعيق نموهم، أو تساهم في تفاقم إعاقتهم إذا كانوا معاقين، أو تشكل مخاطر بالغة عليهم، أو تفوق طاقتهم، أو قد يترتب عنها ما يخل بالآداب العامة، وتحدد لائحة هذه الأشغال بنص تنظيمي (المواد 179 إلى 181) . ومع تسجيل أهمية هذه المقتضيات الحمائية، يبقى من الضرورة الإشارة إلى أن مدونة الشغل تحيل على قانون خاص بالنسبة لوضعية خدم البيوت أو في القطاع التقليدي.

2009-08-18 2009-08-18
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عبد القادر كثرة