أطروحات فكرية متهافتة من أجل إثبات أن الإسلام لا يمكن أن يكون بديلا عن العلمانية المعولمة

58731 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 18 ماي 2013، لن نستغرب من بعض المواقع على الشبكة العنكبوتية التي تعتبر منابر علمانية تصريحا أو تلميحا أن تجتهد في نشر مقالات تسوق أطروحات فكرية متهافتة من أجل قلب الموازين التي خلقتها أوضاع الربيع العربي ،وعلى رأسها رهان شعوب الوطن العربي على البديل الإسلامي من خلال وضع الثقة في الأحزاب الإسلامية والتصويت عليها . ولقد كانت أولى الأطروحات المتهافتة التي سوقت إبان اندلاع ثورات الربيع العربي هي أطروحة التشكيك في طبيعة هذه الثورات التي عدت مجرد تنفيذ لأجندة ما يسمى الشرق الأوسط الجديد عقب غزو العراق . ولا زالت بعض الجهات المحسوبة على الفكر متمسكة بهذه الأطروحة بالرغم من تهافتها في الواقع المعيش . ومن الأطروحات المتهافتة أيضا أن ثورات الربيع العربي كانت بسبب إحراق بائع متجول نفسه ، وهو رمز للبطالة في الوطن العربي . وقيلت أمور كثيرة لتبرير هذه الثورات إلا أن الحديث عن وضعية العالم العربي بعد النكسات لم تطرح . ومعلوم أن العالم العربي خصوصا والإسلامي عموما تفاعل مع النكسات التي كان وراءها الاحتلال الصهيوني لقلب العالم العربي والإسلامي النابض ، وهو ما خلق في نفوس الشعوب العربية عقدة الاحباط ومن ثم العداء لكل ما له صلة بهذا الكيان الغاصب الذي دنس الكرامة الحضارية للأمة . ولقد اختار الغرب الصليبي عقيدة ، والعلماني أسلوبا ومنهجا أن يكون هو المسؤول عن جرح الكرامة الحضارية للأمة العربية والإسلامية عندما هجر يهود العالم إلى أرض فلسطين وسلح عصاباتها في الوقت الذي كانت بلاد العرب والمسلمين تحت احتلاله ، ولم تغادر جيوشه بلاد العرب والمسلمين حتى مكن لكيان عنصري صهيوني خطير في قلب هذه البلاد لتصير تحت احتلاله الدائم بشكل خبيث وماكر ودائم . وراهن الغرب على تصدير اليأس والإحباط إلى أفئدة العرب والمسلمين من خلال إقناعهم بأن الاحتلال الصهيوني في حكم القدر الذي لا راد له. ومن هنا اختلقت فكرة خرائط الطرق من أجل مشاريع سلام مع هذا القدر المحتوم حسب الطرح الغربي بعدما كانت فكرة مقاومة واستئصال هذا القدر هي الطرح الوحيد في طول الوطن العربي والإسلامي . ونجح الغرب ، وهو الذي يملك كل وسائل النجاح في خلق خلاف خطير بين العرب المراهنين على خرائط طرق مشاريع السلام مع المحتل الصهيوني الغاصب ، وبين أولئك المتشبثين بفكرة مقاومته واستئصاله كما يستأصل الورم الخبيث . وسادت هذه التفرقة بين العرب والمسلمين ، وشملت حتى أصحاب الأرض المغتصبة الذين انقسموا بين أطروحة السلام وأطروحة المقاومة . وأصحاب الأرض المغتصبة من خلال هاتين الأطروحتين إنما يحاكون ما هو سائد في كل الوطن العربي والإسلامي حيث تنقسم الأنظمة فيه إلى مراهنة على خرائط طرق السلام مع الكيان الصهيوني وإلى مراهنة على مقاومته ادعاء أو صدقا. وانتقل هذا التقسيم الذي اختلقه الغرب عن سبق إصرار وعمد إلى كل فرد في العالم العربي والإسلامي ، وهو ما أحدث انقساما خطيرا داخل الكيانات العربية والإسلامية . ومن نتائج هذا الانقسام نشوب صراعات فكرية خطيرة داخل هذه الكيانات تحولت فيما بعد إلى صراعات دامية خطيرة . فالقناعة الأولى المتمثلة في فكرة مقاومة الكيان الصهيوني ومن يقف مؤيدا له اصطدمت بفكرة الرهان على السلام معه ، ونتجت عن ذلك تصنيف أصحاب فكرة المقاومة لأصحاب الرهان على السلام مع العدو ضمن لائحة الأعداء . ولما كان العدو الصهيوني هو أول من استخدم مصطلح إرهاب لنعت كل طرف يقاومه ويحاول استئصاله ، وسوق الغرب لهذا المصطلح بل عولمه ، صارت الأطراف العربية والإسلامية المراهنة على خرائط طرق السلام تسوق لنفس المصطلح وبنفس الدلالة التي وضعها الكيان الصهيوني . ونجح الغرب في إقناع المراهنين على السلام مع الكيان الصهيوني بأن الإرهاب المهدد للكيان الصهيوني هو نفسه الإرهاب المهدد لهم خصوصا بعد أن صارت العمليات الانتحارية تحدث في كل مكان بما في ذلك الوطن العربي والإسلامي . واغتنم الغرب الفرصة لإلصاق تهمة الإرهاب بالدين الإسلامي مباشرة ،وتحميله المسؤولية الكاملة حتى صار كل من يحمل قناعة الفكر الإسلامي إرهابيا بالضرورة في نظر الغرب ومن ينحو نحوه . وبهذا نجح الغرب مرة أخرى في اختلاق خلاف بين معتنقي الدين الإسلامي حيث انقسموا إلى متطرفين وهم الرافضون للاحتلال الصهيوني للأرض العربية والإسلامية ، وإلى معتدلين وهم القابلون للسلام مع المحتل . ومع شديد الأسف والحسرة عوض أن ينتبه هؤلاء وأولئك إلى المكيدة المدبرة ضدهم سقطوا في حبائلها ، فوجه المحسوبون على التطرف عداءهم الفكري والعاطفي ضد إخوانهم المحسوبين على الاعتدال ، وصارت المعادلة هي وجود كيان صهيوني يدعمه الكيان الغربي المستقطب للمحسوبين على الاعتدال من المسلمين ضد المحسوبين على التطرف الموسومين بالإرهاب . وانتقل الصراع من محسوبين على التطرف يواجهون الكيان الصهيوني والكيان الغربي الداعم له إلى صراعهم مع إخوانهم المعتدلين. وانتقل هذا الصراع من المستوى الفكري إلى المستوى العملي الإجرائي حيث انتشر العنف والعنف المضاد أو الملاحقات والمحاكمات والمعتقلات . وهذا الوضع هو الذي كان المحرك لثورات الربيع العربي حيث ساد الاحباط بسبب هذا الانحراف الذي وقع في مواجهة عدو غاصب ، وتحول الصراع معه إلى صراعات هامشية بين أصحاب الأرض وأصحاب الحق وفي عقر دارهم . ومن هنا وقع المحسوبون على رهان السلام مع الكيان الصهيوني في إشكالية كبرى لأنهم من جهة مطالبون باسترجاع الأرض المحتلة ، ومن جهة أخرى مطالبون بالوقوف ضد المحسوبين على التطرف والإرهاب من بيني جلدتهم من طرف محاورهم الغربي . وهذه الوضعية هي التي جعلت الشعوب العربية تثور ضد ما سمته فسادا ، وعلى رأس هذا الفساد رهان الأنظمة العربية على السلام مع عدو لا يزداد إلا غطرسة واستكبارا وعدوانا من أجل ترجيح كفة المحسوبين على التطرف لجني ثمار تعاطف العالم معه . وصدق من قال إن المتطرفين لا يتكونون في الدهاليز أوفي الجبال والصحارى ، بل تكونهم سياسات العدو الصهيوني الاستيطانية ، فكلما بنى العدو الصهيوني مستوطنة أو شن عدوانا أو ظلما إلا وكون تطرفا في بقعة من بقاع العالم العربي والإسلامي . وطبيعة ثورات الربيع العربي تكشف عن موقف الشعوب العربية التي رفضت من جهة الأنظمة المراهنة على السلام مع الكيان الصهيوني ، ومن جهة أخرى رفضت التطرف المفسد لمشروعية قضيتها من خلال عنف أعمى يضرب في كل اتجاه وبعشوائية ، وأرادت سحب البساط من تحت أرجل الذين يحسبون الإرهاب على الإسلام ويلصقونه به ظلما وعدوانا وتحاملا . وهكذا اختارت الشعوب العربية الأحزاب الإسلامية المحسوبة على الاعتدال من أجل تفويت الفرصة على مسوقي أطروحة الإرهاب . وهذا ما جعل الغرب يتحرك بقوة وبكل الوسائل من أجل إجهاض تجربة الحكم عند الأحزاب الإسلامية المعتدلة ، وذلك من أجل استغلال أطروحة الإرهاب أطول مدة ممكنة حتى يحين زمن القبول أو الاستسلام لواقع الاحتلال الصهيوني كقدر لا راد له.ولهذا تعيش بلاد الربيع العربي حملات مطبوخة بشكل مكشوف من أجل التشكيك في رهان الشعوب العربية على الأحزاب الإسلامية المعتدلة . فها نحن في مصر نعاين حملة الإجهاز على حزب الإخوان من خلال مسرحيات رفض مشاريع الدستور ، ورفض نتائج الانتخابات سواء البرلمانية أو حتى الرئاسية. ولم يشهد العالم من قبل مثل ما تشهده مصر من خلال ظاهرة جمع التوقيعات غير المشروعة لنقض نتائج الانتخابات الرئاسية المشروعة . وفي مصر التي يكثر فيها الحديث عن المشروعية والدستورية بين خصوم الإخوان لا أحد يناقش دستورية أو مشروعية جمع التوقيعات لإسقاط الرئاسة . وفي تونس تحاول جهات مغرضة إرباك حزب حركة النهضة من خلال تجييش معسكر المحسوبين على التطرف من أجل تحميل الحركة مسؤولية ذلك بسبب التقارب الفكري أو الديني بينها وبين هؤلاء المتطرفين . وفي المغرب حاولت جهات مغرضة أيضا اختلاق أزمة حكومية من خلال تفكيك تحالف حكومة يقودها حزب إسلامي . وفي سوريا انقلبت فجأة موازين القوى لفائدة نظام دموي بدعوى أن الثورة عليه دخل على خطها تيار محسوب على الإرهاب ، فصار وجود هذا النظام مبررا وصارت جرائمه مشروعة ، وبدأ الحديث عن تسويات معه بسبب أطروحة اختلاط ثورة الشعب السوري بالإرهاب الإسلامي . فهذا الوضع ليس مجرد صدف بل هو أجندة تم التخطيط لها بدقة وبمكر وخبث . وعندما قرأت مقالا نشر على موقع هسبريس المغربي لكاتب سوري يسوق فيه أطروحة التشكيك في تجربة حكم الأحزاب الإسلامية لم أستغرب ذلك لأن هذا التشكيك كان قبل أن تصل هذه الأحزاب إلى مراكز صنع القرار منذ زمن بعيد وهي قناعة الفكر العلماني ، وإنما الغريب هو سرعة إنزال هذه الأطروحات ولما يمض طويل وقت على تجربة الأحزاب الإسلامية . فلو أن هذه الإطروحات تريثت إلى غاية إنهاء هذه الأحزاب فترتها القانونية في تدبير الشؤون لجاز أن نناقش صحتها ، أما وقد استعجلت النزول، فإنها قد أقامت على نفسها حجة التآمر والتعاون والتخابر مع الغرب الذي يحاول فرض علمانيته المعولمة على العالم العربي والإسلامي عن طريق العملاء المتعاونين معه بأقنعة مختلفة يجمعها هدف واحد هو منع منافسة التجربة الإسلامية للتجربة العلمانية المعولمة . ولقد تابعت التحليلات الإخبارية بمناسبة حلول ذكرى الأحداث الإرهابية في المغرب فلاحظت أن التركيز كان على العاملين الاقتصادي والاجتماعي حيث قدم برنامجا إعلاميا سلط الضوء على ما حدث من تغييرات في حي سيدي مومن بمدينة الدار البيضاء ، وهو الحي الذي احتضن أبطال العمليات الإرهابية ، وهي تغييرات في البنى التحتية من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لأنها هي التي عدت سببا في نشأة الإرهاب دون مقاربة الوضعية الفكرية والعقدية والعاطفية المترتبة عن حالة ما بعد النكسات في العالم العربي والإسلامي . فالتطرف والإرهاب لا ينشأ فقط لأسباب اقتصادية واجتماعية، بل له أيضا أسبابا عقدية وفكرية وثقافية . فعندما يسمح بالمساس والتعريض بالمشاعر الدينية للشعب بذريعة حرية التعبير وحرية الفكر ،فإن ذلك يؤجج نار التطرف والإرهاب . فإذا ما أمكن صرف المحرومين عن التفكير في العنف والإرهاب عن طريق تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية ، فلا يمكن أن يقتنع بذلك أولئك الذين يشعرون بأن مشاعرهم الدينية قد مست في الصميم ، لهذا لا بد من وضع حد لكل أنواع التجاسر على المشاعر الدينية المرتبطة بالمقدسات بذريعة حرية التعبير والتفكير . ولا بد من الوعي أن الأمة العربية والإسلامية لن يقر لها قرار ما دامت أرضها محتلة ، وكرامتها الحضارية مجروحة . وأخيرا أقول للذين يراهنون على فشل تجربة حكم الأحزاب الإسلامية المعتدلة من أمثال الكاتب السوري الذي نشر موقع هسبريس مقاله ، و الذي تنبأ فيه بفشل هذه التجربة :هل فكرتم بجد في ما بعد فشل هذه التجربة ؟ وهل تعتقدون أن العالم سيكون بخير في حالة تعميم تجربة العلمانية المعولمة ؟

أطروحات فكرية متهافتة من أجل إثبات أن الإسلام لا يمكن أن يكون بديلا عن العلمانية المعولمة
أطروحات فكرية متهافتة من أجل إثبات أن الإسلام لا يمكن أن يكون بديلا عن العلمانية المعولمة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz