أسد الأطلس: غاب حتى عن الشعر الأمازيغي

811339 مشاهدة

وجدة البوابة: رمضان مصباح الإدريسي: مع كتاب “ماضي إفريقيا الشمالية:القرون المظلمة” للمؤرخ الفرنسي الشهير”غوتيي”E.FELIX GAUTIER ،ترْحَل ُالذاكرة إلى غابة أخرى ،ليست “المعمورة” ،كما نسميها اليوم،سوى ظلها الباهت المتواري هربا من توحشنا الإسمنتي،وأنانيتنا ،ونحن نسفك دم كُلِّ ذات فَنَنٍ ومِخلبٍ وجناح، في هذه الربوع التي  استراحت فيها الطبيعة دهورا قبل أن نُمسك بخناقها ونُرغمها على الهجرة إلى الشمال  الأوروبي،حيث الأمان للبيئة  قبل الإنسان. حتى هتلر قتل وأحرق  أعراقا من بني البشرلكنه حافظ ل”الغابة السوداء”  الألمانية على هيبتها وكل عروقها.

نستعيد مع شيخ المؤرخين الكولونياليين،وهو يتحدث عن المغرب المتوحش، في القرون المظلمة، “سافانا” افريقية حقيقية ، تتهادى  فيها الزرافات،وتتحرك الفيلة بكل الرزانة المعروفة لبني جلدتها؛قبل أن يحولها  البشر إلى دبابات قتالية، في حروبه القديمة ،أويخلق منها فرجة صبيانية غبية في أزمنتنا الحديثة.

وبين هذا وذاك تتحرك  كل” الحروف الداروينية “التي عرفت أسود الأطلس كيف تهمس بها فَتُروع كل الخريطة المغربية الخضراء.

 

تذكرتُ كل هذا صباح السبت ،وأنا أعبر بسيارتي غابة المعمورة، صوب حديقة الحيوان ب”اتمارة”؛ وفاء بوعدي للأسرة ؛وخصوصا للتلميذ ياسين  الذي اعترضتُ على مشاركته في رحلة مدرسية ،في نفس اليوم،صوب افران؛لأن المؤسسة لم توفق في اختيار توقيتها المناسب.

 

 نصل إلى حديقة  الحيوان  – أو ما تبقى منه  في بلادنا- فيستقبلنا ،بفضائها الخارجي النقي، هزبرٌ ضخمٌ قُدَّ من صخر؛وكأنه ،إذ أقعى ،منتصبا  بقائمتيه ، طُودٌ أشم ؛و إذْ مَدَّ فروته إلى عَلٍ – مُشرئبا ببصره- يُسائلُ الأفقَ ،ويتشمم الهواء،عساه يجد فيه عبير جبال الأطلس ،حيث  ارتسمت مسالكه ، وتوالت ممالكه  لآلاف السنين .

 لا أملك وأنا أتقرى الصخر بِلمسٍ – كما البحتري ذات هروب من واقع عربي إلى أطلال كسرى؛حيث  اغْتلى ارتيابُه في روعة الفن الفارسي  وصِدقيته- إلا أن أستعيد ، من غابر الأدغال،ذكرى زئير طالما انفطرت له حتى قلوب الفيلة ووحيدي القرن.      قسوة بشرية في صلابة الصخر أفنت سلالة كاملة من الملوك.

عدا أسماء أماكن،أمازيغية وعربية، لاتزال شاهدة ،في بلادنا،على أن أسد الأطلس مر من هنا وأقام ؛لم تعد جريمة الإبادة ولو مجرد ذكرى  تحكى ،حتى لا تتكرر مع ما تبقى من وحوش كادحة ،ومضطهدة، في غاباتنا و جبالنا.

حسب معلومات الحديقة، قُتل آخر أسود الأطلس سنة1922 بتادارت تزي نتيشكا. قد لا يكون هذا دقيقا،لكن تظل النتيجة واحدة: في مكان ما ،من هذا الوطن الحبيب،قتلنا آخر أسودنا؛رغم كون الفصيلة ،وهي في منتهى الجمال المتوحش،معترفا بها علميا ودوليا.  ولولا الكتابات الكولونيالية لما علمنا لها خبرا،رغم كونها،والفيلة، من سكان المغرب الأولين .

  حتى الشعر الأمازيغي ،ورغم عراقته و احتفائه الرائع بالطبيعة،لم يقل شيئا  مُدونا عن أسد الأطلس ،ولا عن فيلة المعمورة ،مما يطرح أسئلة على المهووسين بتمزيغ كل شيء،بدءا من آدم المغربي . تمزيغ يقع دائما ضمن معاجم ونصوص العربية الفصحى.الأمازيغ ،وان كرهوا،خير من كتب العربية وقعدها.إنها ميزة للمغاربة ،والى اليوم.

 قارنوا مع أحفاد الفراعنة ،كيف يُجْرون الإعراب على هواهم،دون أن يَرِف لهم جفن. لا يَجُرُّون حتى ولو كان حرف الجر يجر الجبل. كأن الأمازيغية لا تتغذى إلا على الفصحى ،ولن تنقرض إلا بانقراضها. فأي لغة حمت الأخرى؟أم هما لغتان لا تفترقان حتى تردا الحوض؟ مجرد أسئلة تُطرح ،حتى هنا ،مادامت حماية البيئة – كالهوية-  تشتغل لغويا أيضا.

لعل الشعر الأمازيغي اهتم فقط بغزلان البراري،وعيون المَها  والعسل، و”يُوفْرو وْحَمام يوفرو”؛وكل ما يتحرك ضمن شعاب العشق  وآجامه.

في حضرة هذا الأسد الأطلسي  الصخري  ،وابن عم له رابض هناك في مدينة افران،يجمل بنا أن نتملى هذه اللوحة الرائعة – وان قتالية- التي رسمها بشر بن عوانة العبدي ، مُخلدا لقاءه مع أسد ه ؛وكلاهما في الطريق إلى قلب الحبيبة:

 

                       أفاطم لو شَهِدت ببطن خَبْت  *** وقد لاقى الهزبرُ أخاك بشرا

                       إذا لرأيت ليثا زار  ليثا        ***        هِزبرا أغلبا لاقى هزبرا

                       تَبَهْنس إذ تقاعس عنه مُهري*** مُحاذرة فقلت عُقرت مهرا

                       أنِل قدمي ظهرَ الأرض إني *** رأيت الأرضَ اثبتَ منك ظهرا

                        ……

                       مشى ومشيتُ من أسدين راما*** مُراما كان إذ طلباه وَعْرا

                      هززت له الحسام فَخِلت أني  *** سَللتُ به لدى الظَّلماء فَجرا

                      وَجُدتُ له بجائِشة  أرَتْه ُ      *** بأن كذبته ما مَنَّتْهُ غَدرا

ينتهي الأمر مع أسد الأطلس  هنا ،في الباب؛و خارج زمنه وجغرافيته ؛ لان العرين المدجن في داخل الحديقة، بدا باردا وكئيبا في هذا اليوم المطير. حتى  حينما وثبت لبؤة مُحرضة أشبال الأجمة على المتعة، نهرها أسد هرم وهزيل لا يجمع بينه وبين الملك المهيب، الرابض بالباب سوى المعجم ،وبعشرات الأسماء .

يا للمفارقة ،ويا لسخرية أزمنتنا البيئية الرديئة،لم تعد المعمورة ذات الهيبة الغابرة سوى معبر للطريق السيار ،صوب العاصمة المترنحة في جميع الاتجاهات ،وعلى حساب كل البهاء الطبيعي. ومن كل الوحوش التي جابت برارينا وجبالنا ،قبل غاراتنا الظالمة،لم نعد نملك سوى قليل من السباع المناضلة، تصنع فرجتنا،أسيرة، في حزام العاصمة الذي اقسم المرحوم الحسن الثاني- مواجها عمالقة العقار- على بقائه اخضر،ولو كرهت كل ألوان التوسع الثمل، الذي لن يصحو أبدا،ولن يرتوي ولو كان له البحر مددا .

محمية المعمورة الى متى؟

طبعا لا يمكن استعادة أسود الأطلس – الحقيقية وليس الكروية-إلا في نصوص حالمة،كنصي هذا. لكن من يدري؛فقد ينتبه

المسئولون إلى التآكل الخطير لغابة المعمورة ،عاما بعد عام؛ومن أي جهة أتيتها.

 بعد جرح “الأوطوروت” ،وقبله مباني جامعة ابن طفيل ،وبقية المؤسسات والمراكز،زال عنها كل وقار.  أما الهيبة فقد ماتت مع الأسود والفيلة.

ما تبقى من الغابة، يا ورثة الأسود ،يقاس بآلاف الهكتارات؛وليس بعد ها غير مدن الملح. لا نريد أن تتحدث الجغرافية مستقبلا ،عن المعمورة،بلغة الماضي،لغة كان يا ما كان ،في سالف العصر والأوان..

الإمكانية الوحيدة لحماية  الرئة الايكولوجية  الأخيرة ،بالمحور الاقتصادي القنيطرة-الدار البيضاء؛هو تهيئة محمية  المعمورة- بصيت  وطني ودولي- لتستضيف من جديد،والى الأبد – في تحد كبير لسنن الانقراض- كل ما كانت تزخر به من قطعان الفيلة،الزرافات،وآجام الأسود ،وكل السلالات الحيوانية التي يتأتى لها العيش في جنة المعمورة .

بهذا وحده تستعيد الغابة كل جلالها وهيبتها ،وتستعيد الطبيعة سلطانها,وحقوقها.

طبعا لا أستسهل مشروعا ضخما ،بكل هذا الطموح؛وفي نفس الوقت لا أراه صعبا على النبوغ المغربي،وعلى كل الحب الذي يكنه جلالة الملك لهذا الوطن ،بما هو جنة بيئية حقيقية ؛تحتاج فقط لمن يعرف كيف يتمتع بها.

سيتطلب الأمر استثمارات ضخمة ،خصوصا وشطر من الغابة آهل بالسكان؛لكنها استثمارات مربحة،بيئيا،ثقافيا وسياحيا.

لقد شرع المغرب في الهجرة،اقتصاديا، صوب عمقه الإفريقي جنوب الصحراء؛وسيكون مفيدا جدا أن نجعل “السفانا” الإفريقية تبدأ من غابة المعمورة.  

إداريا ستلتحق القنيطرة بجهة الرباط؛مما يعني وحدة الإدارة الجهوية لغابة المعمورة؛فهل تهدي الجهة الجديدة للغابة حياتها ،وتصونها قبل فوات الأوان. هل يتأتى للمعمورة حكم ذاتي بيئي، توكل رئاسته لأسود الأطلس؟

 يا عشاق المعمورة لاتكلوها لمرتزقة العقار، يقطعونها اربًا اربا.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz