أزمة المنظومة التربوية المغربية من منظورات متعددة ومختلفة حسب اختلاف المصالح الخاصة

76343 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: لأول مرة بعد استقلال المغرب يلتقي بوضوح الموقف الرسمي مع الموقف الشعبي بخصوص أزمة المنظومة التربوية ، وذلك بعد الخطاب الملكي الذي أعلن رسميا اختلال هذه المنظومة . والمتتبع للشأن التربوي في المغرب منذ الاستقلال وإلى اليوم يلاحظ أن الموقف الشعبي من المنظومة التربوية لم يتغير إذ كان على الدوام يعتقد باختلالها ، في حين كان الموقف الرسمي يتأرجح بين الاعتقاد باختلالها كلما أراد تنزيل تجربة إصلاحية ما ، وبين الإشادة ببرامجه الإصلاحية ريثما تتلاشى حملاتها الإشهارية مع مرور الزمن. ووراء الموقف الشعبي من المنظومة التربوية وجهات نظر ورؤى متعددة حسب فئات الشعب أو لنقل بصراحة حسب مصالح هذه الفئات الاقتصادية بالدرجة الأولى. وداخل الموقف الشعبي يمكن التمييز بين فئتين كبيرتين هما، فئة الآباء والأولياء ، وفئة الفاعلين التربويين . وداخل الموقف الرسمي يمكن أيضا التمييز بين جهتين : أصحاب القرار السياسي ، وأصحاب القرار التربوي . ومعلوم أن فئة الآباء والأولياء على العموم تنظر إلى قطاع التربية على أنه وسيلة من وسائل التخلص من عبء التربية التي تقع على كاهلهم لأنهم يرسلون في الغالب أبناءهم إلى المؤسسات التربوية وهم صغار من أجل التخلص من مسؤولية تربيتهم المضنية بعد مرحلة الطفولة الأولى ، وهي أشد مراحل التربية صعوبة ومشقة علما بأن التربية بالمؤسسات التربوية تختلف عن التربية الأسرية لأنها تقتصر على جانب التعليم في حين تواصل الأسر باقي أشكال التربية أو تتخلى عنها للشارع والصدفة. وتعتقد معظم الأسر المغربية أن المؤسسات التربوية تتحمل وحدها مسؤولية التربية عن طريق التعليم في حين تعتقد الفعاليات التربوية بهذه المؤسسات أنها مسؤولية مشتركة بينها وبين الأسر. ولا زال الخلاف حول هذه القضية مطروحا وسيظل كذلك لأن معظم الأسر ترى أنها غير مؤهلة لتقاسم هذه المسؤولية مع المؤسسات التربوية ، وهذا أمر واقع لا يمكن التشكيك فيه بحكم نسبة الأمية في بلادنا ، وهي العائق الأكبر الذي يحول دون مشاركة الأسر في مسؤولية التربية عن طريق التعليم إلى جانب المؤسسات التربوية . ولهذا السبب تكمن أزمة المنظومة التربوية في نظر الآباء والأولياء في الخلل الذي يعتري المؤسسات التربوية ، وتعتقد جازمة أن هذه المؤسسات لا تقوم بدورها على الوجه المطلوب في تربية أبنائها عن طريق التعليم ، وتستدل على ذلك بضعف مستويات أبنائها وبانتهاء مشوارهم التعليمي بمصير البطالة حيث يصيرون عالة عليها بعد تضحيات مادية ومعنوية جسيمة لأكثر من عقدين من السنين . وفي المقابل ترى فئة الفاعلين التربويين أن الخلل يكمن في تخلف الأسر عن مواكبة مسار أبنائها التعليمي ، وتملصها من دورها التربوي المشترك مع المؤسسات التربوية حيث تقتصر تربية هؤلاء الأبناء عن طريق التعليم على حصص دراسية محدودة ، وفي ظروف مختلفة سوءا وجودة دون استمراريتها في الأوساط الأسرية علما بأن المناهج الدراسية المعتمدة عندنا تقوم أساسا على تعلم ينجز شطر منه في المؤسسات التربوية بينما ينجز الشطر الأكبر منه في الأوساط الأسرية. وبين تخلف الأسر عن القيام بواجب إنجاز الشطر الخاص بها ، وظروف إنجاز الشطر الخاص بالمؤسسات التربوية سواء تعلق الأمر بمحدودية الحصص الدراسية أو بسوء الانجاز أو بغير ذلك من الظروف التي يقال عنها الكثير ، ويختلف حولها الاختلاف الكبير تتعثر التربية بواسطة التعليم وتنعكس بشكل واضح على الناشئة ، وهو ما يعني أزمة المنظومة التربوية ، وهي أزمة لا زالت لم تدرس بطريقة علمية ، ولا زال الحديث عنها مجرد رجم بالغيب لا يتعدى تراشق التهم بين الجهات الرسمية من جهة والأسر والفعاليات التربوية من جهة أخرى . ويعمد أصحاب القرار التربوي في الغالب إلى أسلوب امتصاص غضب الأسر على حساب الفعاليات التربوية من خلال الطعن في أدوارها والتشكيك فيها ، وفي المقابل تحاول الفعاليات التربوية بدورها اقناع الأسر بأن فشل المنظومة التربوية يعود إلى فشل أصحاب القرار التربوي الذين يفشلون في تنزيل القرار السياسي الذي يكون في الغالب طموحا نظريا . وخلاصة القول أن الجميع يطعن في الجميع ويشكك فيه ، ويحمله المسؤولية ، والحقيقة أن الجميع متورط في اختلال المنظومة التربوية بشكل أو بآخر لأن شأن هذه المنظومة شأن سفينة تمخر عباب البحر ، وغرقها أو نجاتها مسؤولية ركابها جميعا مهما اختلفت مهامهم على متنها . ومن نماذج تراشق التهم بين أصحاب القرار التربوي والفعاليات التربوية نموذج الوزارة الحالية من خلال بعض خرجات الوزير الحالي الذي يحمل في الغالب مسؤولية اختلال المنظومة التربوية للفعاليات التربوية ، وقد استغل حبة وقوع خطأ أستاذة في إملاء اللغة الفرنسية ليصنع منها قبة تحميل مسؤولية اختلال المنظومة التربوية لها تماما كما عاقبت الحيوانات المرضى بالطاعون مسؤولية طاعونها القاتل لحمار قضم عشبا بجوار دير . وهذه الحبة التي صنع منها الوزير قبة إنما أراد بها استعداء الآباء والأولياء على الفاعلين التربويين خصوصا وأن الاعتقاد السائد بين معظم الأسر أن هذه الفعاليات لا تقوم بواجبها على الوجه الأكمل . وفي المقابل تحاول الفعاليات التربوية أن تقنع الأسر بأن قرارات الوزير الارتجالية هي السبب في اختلال المنظومة التربوية خصوصا تلك القرارات التي أجهزت على المنجزات السابقة من قبيل خلق أقسام التعليم الأولي بالمدارس الابتدائية ، وخلق مؤسسات التميز…. وما أشبه ذلك مما أجهز عليه الوزير تحت غطاء محاربة فساد المنظومة التربوية دون تبين ، وهو ما سجله عليه الخطاب الملكي كارتجال بشكل واضح . وأمام المنظورات المختلفة والمتعددة حول أزمة المنظومة التربوية والتي يحكمها منطق المصالح الخاصة بالنسبة لكل الأطراف ، ومنطق التملص من المسؤولية ، وتحميلها للغير يبقى توصيف الأزمة التربوية نظريا فقط في غياب الدراسات العلمية والميدانية والموضوعية الجادة التي لا تستثني طرفا من مسؤولية اختلال هذه المنظومة التربوية . ولا زال التناقض يطبع خطاب أصحاب القرار التربوي بخصوص تقييم المنظومة التربوية ، ونذكر في هذا الصدد وعلى سبيل المثال لا الحصر ما يردده وزير التربية الوطنية الحالي من افتخار بجدية التلاميذ المغاربة انطلاقا من فئة تلاميذ الأقسام التحضيرية الذين لا يتجاوز عددهم 7 آلاف تلميذ من بين 6 أو 7 ملايين تلميذ بنسبة تلميذ واحد من بين كل ألف تلميذ ، وهكذا يتبين أن اعتماد هذه النسبة للحكم على جودة التعليم مغالطة فادحة ووخيمة العواقب . وكل جهة تعتمد مثل هذه النسبة للحكم على نجاح نوع من أنواع التعليم عندنا تكذب على نفسها قبل الكذب على الأمة . ومعلوم أن طلبة الأقسام التحضيرية فضلا عن مؤهلاتهم الشخصية تحيط بهم ظروف خاصة حيث تتقاطع المؤسسات التربوية العمومية مع مؤسسات التعليم الخاص من أجل إعدادهم لولوج هذه الأقسام . ويكفي أن نسأل أسر هؤلاء الطلبة كم أنفقت عليهم من أجل أن يظلوا متشبثين بهذه الأقسام وهم أصحاب حظ عظيم . والبلد الذي تكون نسبة خريجي الأقسام التحضيرية فيه كما هي عندنا وهي أقسام تؤهل إلى ولوج المعاهد لا يمكنه الحديث عن جودة التعليم لأن باقي المتعلمين فيه يضطرون إلى ولوج جامعات نقول عنها بكل صراحة ودون مزايدة أنها تخرج جيوش العاطلين نظرا لما تقدمه لهم من سوء تأهيل وسوء كفاية . وهذه الجيوش من العاطلين هي المؤشر الحقيقي على اختلال منظومتنا التربوية إن لم نقل إفلاسها ، والتي ترتبط بسوق البطالة أكثر من ارتباطها بسوق الشغل .والأسر المغربية وهي برغماتية الثقافة لن تؤمن بالمنظومة التربوية حتى تأتيها وزارة التربية الوطنية بقربان تأكله النار ، و ترى أبناءها يلجون سوق الشغل ، وتنتهي ظاهرة اعتصامهم أمام البرلمان ، و ظاهرة استكمال قوات مكافحة الشغب تكويناتهم المستمرة العملية والإجرائية على استعمال العنف والعصي فوق ظهور هؤلاء العاطلين المعتصمين بعد تكويناتهم الأساسية النظرية غير الكافية . وكان من المفروض أن تصرف الأموال من أجل إيجاد فرص شغل عوض صرفها على تكوين وتخريج المزيد من قوات مكافحة الشغب التي تتعامل خطأ مع ظاهرة الاحتجاج على بطالة المتعلمين كما لو أنها مجرد شغب مجاني وليست مؤشرا على فساد منظومة التعليم .و أمام اختلال المنظومة التربوية كثرت الجهات التي ترتزق باختلالها وعلى رأسها مؤسسات التعليم الخاص التي تقدم نفسها كبديل عن مؤسسات التعليم العمومي مع أنها في الواقع تعيش عالة على هذا التعليم لأنها تعتمد على كفاءة أطره من أجل صنع مجدها الزائف في واقع الأمر . وتعمل هذه المؤسسات بكل شجع وبخبث على ابتزاز الأسر المغربية التي تعيش هوس غموض مستقبل أبنائها ، وتبذل من أجل ذلك أموالها لتجنب آلام بطالتهم وضياع مستقبلهم . وانتقل داء المؤسسات الخاصة إلى صفوف الفعاليات التربوية في التعليم العمومي التي تورط كثير منها في الارتزاق عن طريق دروس الدعم الخصوصية التي تكون على حساب الواجب وعلى حساب المتعلمين من الأسر الهشة ذات الدخل المحدود . وهكذا صارت مناصب الشغل رهينة بسمسرة مؤسسات التعليم الخصوصي ، وسمسرة حصص الدعم ،الشيء الذي جعل وضعية المنظومة التربوية عندنا هجينة فلا هي منظومة تعليم عمومي ولا هي منظومة تعليم خصوصي ، بل منظومة بين هذا وذاك ، ولا هذا ولا ذاك في نهاية المطاف . ولقد صارت نقط المراقبة المستمرة التي تحسب بنسب وازنة في الامتحانات الإشهادية عبارة عن مجال خصب للارتشاء ، وهي خاضعة للمزايدة والسمسرة على حساب المردودية والتحصيل والجودة ، وعلى حساب سمعة المنظومة التربوية في نهاية المطاف . وعوض أن يواجه هذا الانحراف الخطير في أساليب التقويم بما يجب من صرامة وحزم نجد الوزارة تعتمد أساليب العلاج المرهمي الذي يموه دون أن يمس الجروح في أعماقها . ومن المستغلين لأزمة المنظومة التربوية الحالية في بلادنا بعض الجهات المسوقة لأنواع مختلفة من التعليم بغية إضفاء الشرعية عليه وضمان وجوده واستمراره بل اعتباره كبديل عن نموذج التعليم العمومي الموبوء من خلال النفخ في الإشهار والدعاية له . والحقيقة أن المنظومة التربوية الوطنية لا يمكن أن تنجح بنجاح أنواع معينة من التعليم بل لا بد أن يشمل النجاح كل أنواعها . وليس من المروءة ولا من الأخلاق ولا من الوطنية الصادقة أن يستغل ظرف اختلال المنظومة التربوية من أجل الدعاية لأنواع من التعليم لا تتجاوز نسبه المئوية ما بعد فاصلة مسبوقة بصفر على حساب نسب عالية من أنواع أخرى للتعليم الذي لا مندوحة للوطن عنه من أجل النهوض والتقدم . وأخيرا نقول لن يبدأ التفكير الجاد في إصلاح منظومتنا التربوية قبل أن تكون جميع الأطراف مستعدة للاعتراف بمسوؤليتها في اختلال هذه المنظومة ، وقبل أن تختفي عقلية المصلحة الخاصة ، وعقلية الظهور على حساب الغير وعقلية التهافت من أجل تقديم البدائل المحكومة بالانتهازية استغلال لأزمة المنظومة التربوية التي هي شأن وطني فوق كل المصالح الفئوية .

أزمة المنظومة التربوية المغربية من منظورات متعددة ومختلفة حسب اختلاف المصالح الخاصة
أزمة المنظومة التربوية المغربية من منظورات متعددة ومختلفة حسب اختلاف المصالح الخاصة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz