أحوال القلوب الآدمية بحكم صلتها بوحي الرحمان أو بنفخ الشيطان

11191 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة في 17 مارس 2012، من المعلوم أن الله عز وجل الذي أتقن صنع كل شيء ،صاغ الإنسان بدقة متناهية حيث أودع فيه قوة الإدراك الحسية والمعنوية على حد سواء. أما قوة الإدراك الحسية فتتمثل في حواسه ، وأما قوة الإدراك المعنوية فتتمثل في عقله . والعقل كلمة تطلق على القلب في العربية . والقلب هو المضغة ذات الشكل الصنوبري التي تسكن قفص الإنسان الصدري ، وتقوم بدور المضخة التي تضخ الدم إلى كل أعضاء جسده بما فيها الدماغ المحرك لكل الأعضاء. والعلاقة وطيدة بين القلب والدماغ الذي يشار إليه في الغالب بأنه مكان العقل . وهذه العلاقة لها شق مادي يتمثل في ضخ المضغة الصنوبرية الدم إلى الدماغ ليقوم بدور إصدار الأوامر والنواهي إلى باقي أعضاء الجسد . وليس من قبيل الصدفة أن يكون القلب خارج سيطرة الدماغ من خلال حركته غير الإرادية . أما الشق المعنوي لهذه العلاقة فيتمثل في اشتراك كل من المضغة الصنوبرية والدماغ في نسبة العقل إليهما . والقرآن الكريم ومرجعيته العلمية لا يمكن الطعن فيها ،لأنه العلم الحق ينسب فعل التعقل للقلب في قوله تعالى : ((قلوب لا يعقلون بها )). فهذه الآية الكريمة تدل على أن صنع القرار يكون في القلب . ومعلوم أن عملية العقل هي الربط والتقييد ، فالقلب هو الذي يعقل النفس ، ويحول دونها ودون الإقدام على التصرف الخاطىء . ولهذا إذ ا رغب الإنسان إنما ينسب رغباته إلى القلب ، الشيء الذي يؤكد أنه وسيلة الإدراك المعنوية إلى جانب وظيفته العضوية ، وهي ضخ الدم في الجسم . وكما يضخ القلب الدم في الجسم ، فإنه يضخ أيضا الإدراك في النفس . والناس إنما يجعلون المشاعر من اختصاص القلب ، بينما يجعلون الإدراك من اختصاص الدماغ ، ولعل الذي حملهم على ذلك هو سهولة البرهنة على الإدراك ، وصعوبة ذلك بالنسبة للمشاعر. والصواب ما صوبه الله عز وجل في نسبة التعقل للقلوب وهو سبحانه أعلم . والقلب إنما سمي كذلك لسرعة تقلبه ، وهو ما يصعب على الناس البرهنة عليه عندما يتعلق الأمر بعالم المشاعر الغامض . وفي الثقافة الإسلامية يسأل المؤمنون الله تعالى أن يثبت قلوبهم ، وينسبون تقليبها إليه جل شأنه . وبيان تقلب القلوب أو تقليب الله عز وجل لها هو ما هيأه سبحانه لها من سبل التقلب المتمثلة في تفاعلها مع وحيه أو مع نفث عدوه الشيطان الرجيم. فالله تعالى يوضح ذلك في قوله سبحانه مخاطبا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم : (( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيء إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم )) . فبموجب هذا النص القرآني تكون القلوب الآدمية مصممة ومهيأة فطريا لاستقبال الوحي الإلهي ، وهو الأصل ، والطارىء عليها هو استقبالها للنفث أو النفخ الشيطاني . وقوله تعالى : (( إذا تمنى )) لا يعني ما ذهب إليه البعض من حديث الغرانيق ،لأنه حديث لا يستقيم مع عقيدة الإسلام التي تقول بعصمة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إذ لا يدل فعل ” تمنى ” على الرغبة فقط ، بل يدل أيضا على القراءة والتلاوة ، أي إذا قرأ وتلا ألقى الشيطان نفخه أو نفثه في قراءته وتلاوته بالنسبة لمن يتلقى رسالته ،وليس بالنسبة إليه كمبلغ لهذه الرسالة ، وكأن الشيطان يعترض طريق رسالة الرسول عند من يتلقاها عنه ،فيحدث فيها تشويشا يكون له الله عز وجل بالمرصاد فينسخه أي يبطله . أما الرسل والأنبياء الكرام فلا يمكن أن يؤثر فيهم نفخ أو نفث الشيطان ،لأن الله تعالى صانهم بالعصمة من أجل أن يبلغوا رسالاته التبليغ الصحيح الكامل الذي لا يمكن أن يشوبه نفخ أو نفث من الشيطان . ولا تصح حكاية الغرانيق ، وهي حكاية تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى في سورة النجم : (( اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى )) ، وتلفيق المشركين له بعدها قولا مبتذلا وهو ” تلكم الغرانيق العلا شفاعتهم ترتجى “ أو كلام شبيه بهذا الكلام الركيك المنسوب زورا للنبي المعصوم ، وما هو إلا نفخ من الشيطان للمشركين عند سماع أمنية الرسول صلى الله عليه وسلم، أي قراءته وتلاوته للآية الكريمة الآنفة الذكر. ومباشرة بعدما ذكر الله عز وجل كيفية تدليس الشيطان على الذين يتلقون الوحي المحكم والمسدد من رسول له العصمة ، ذكر أنواع القلوب الآدمية باعتبار صلتها بوحيه أو بنفخ ونفث الشيطان الرجيم حيث قال جل من قائل : (( ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد )) . فالقلوب الآدمية إذا ما احتكت بنفث أو نفخ الشيطان أصيبت بداءين : المرض ، والقسوة . أما المرض فعبارة عن تغيير يحصل في الصحة ، فتضطرب بعد اعتدالها . وعلى غرار المرض العضوي الذي يصاب به القلب ، فيضطرب بعد اعتداله المادي ، يصاب أيضا بمرض معنوي ، فيضطرب أيضا بعد اعتداله المعنوي . وسبب علته المعنوية هو نفث أو نفخ الشيطان ، وما نفخه ونفثه سوى محاولة إحداث اختلال في الفطرة الآدمية ، حيث يحاول استبدال الحق بالباطل فيها . والقلب عندما يتلقى وحي الرحمان يكون صحيحا سليما ، ولكنه عندما يتعرض لنفخ ونفث الشيطان يصير مريضا . وأما قسوة القلب ،فحالة مرضية أكثر تعقيدا وزمانة بحيث يكون المرض نفاقا أو اضطرابا ، وتأرجحا بين الحق والباطل ، في حين تكون القسوة انصرافا وتمحضا للباطل . والقسوة لها دلالتان : دلالة الشدة ، والغلظة ،والصلابة من جهة ، ومن جهة أخرى دلالة الزيف . أما بخصوص الدلالة الأولى ، فالعرب تقول : ” ليلة قاسية ” إذا كانت شديدة الظلمة ،كما تقول : ” أرض قاسية ” إذا كانت جدباء لا تنبث شيئا . وتقاس قسوة القلب الآدمي على شدة ظلمة الليل ، أو شدة جدب الأرض القاحلة ، وتطلق عبارة ” قلب قاس ” عادة عند الناس على قلب ضعيف التدين . وليس من قبيل الصدفة أن يشبه الله عز وجل القلوب الآدمية بالحجارة ، وربما فاقت قسوة القلوب قسوة الحجارة مع أنها مجرد مضغ من لحم كناية عن إعراضها جملة وتفصيلا عن وحي الرحمان ، وتعاطيها لنفخ الشيطان . وأما بخصوص الدلالة الثانية ، فالعرب تقول : “ قسا الدرهم ” إذ ا زاف ، أو كان زائفا . وكما يزيف الدرهم تزيف القلوب ، وزيفها هو أن تعرض عن وحي الرحمان ، وتقبل على نفث الشيطان . ويؤكد حديث رسول الله صلى اله عليه وسلم قول الله تعالى في تصنيف القلوب الآدمية إلى مريضة وقاسية ، والحديث هو قوله عليه الصلاة والسلام : ” ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ” . فعضويا إذا ما صلح الدم الذي يضخه القلب ،فإن الجسد يصح بصحة هذا الدم ، وأما إذا فسد فإن الجسد يفسد أيضا بسبب ذلك . وعلى غرار الصلاح والفساد العضوين أو الماديين يكون الصلاح والفساد المعنويين . وصلاح القلوب الآدمية المعنوي يكون بسبب تعاطيها لوحي الرحمان ، و فسادها المعنوي يكون بسبب تعاطيها لنفخ الشيطان . وبعد حديث الله عز وجل عن مرض القلوب الآدمية وقسوتها ،وهي عبارة عن ظلم لأنها تغير من طبيعة هذه القلوب ، يتحدث عن القلوب الطبيعية الصحيحة السليمة ،وقد نعتها سبحانه بنعت المخبتة في قوله جل من قائل : (( وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم )) ، فالإخبات عبارة عن اطمئنان ، وخضوع ،وخشوع ،وتواضع ، والعرب تسمى الأرض المطمئنة الواسعة الممهدة خبتا . والاطمئنان إنما هو حالة القلوب الآدمية الطبيعية لقوله تعالى : (( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )) . ولما كان المرض تغييرا يطرأ على الصحة فتضطرب ، فإن طمأنينة القلب بذكر الله تعالى إنما تتغير باضطراب يلحقها بسبب نفث ونفخ الشيطان الرجيم . وطمأنينة القلوب الآدمية لا تكون إلا بالحق الذي مصدره وحي الرحمان ، واضطرابها لا يكون إلا بالباطل الذي مصدره نفث ونفخ الشيطان . والله تعالى ينسخ بالحق الباطل . والغريب أن الناس يلتمسون علاج قلوبهم عندما تمرض عضويا ، ويخضعونها للفحوص بالأشعة ، والصدى ، والتخطيط ، والتحليلات ، وغير ذلك مخافة أن تضخ الدم الفاسد في الأجساد أو مخافة أن تتوقف عن الضخ فتهلك هذه الأجساد مع أن مصيرها المحتوم هو الهلاك بعد حين ، ولكنهم لا يفكرون في عرضها على فحوص معنوية تتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مخافة تعريض الأرواح الخالدة للعذاب الأبدي. وهذه الفحوص المعنوية مفادها أن أهواء القلوب إذا وافقت القرآن والسنة ، أو وافقت وحي الرحمان، كانت صحيحة أو بلغة القرآن كانت مخبتة ،أما إذا ما وافقت أهواؤها نفث أو نفخ الشيطان كانت مريضة أو قاسية . وأخيرا نسأل الله عز وجل القلوب المخبتة ، ونعوذ به من القلوب المريضة والقاسية .

أحوال القلوب الآدمية بحكم صلتها  بوحي الرحمان أو بنفخ الشيطان
أحوال القلوب الآدمية بحكم صلتها بوحي الرحمان أو بنفخ الشيطان

محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz