أثر تداعيات الربيع العربي في الانتخابات المغربية/ وجدة البوابة: محمد شركي

69889 مشاهدة

وجدة البوابة: محمد شركي

أثر تداعيات الربيع العربي في الانتخابات المغربية

من المعلوم أن  تداعيات الربيع العربي المهيمن في الساحة العربية يؤثر بوضوح  في أحوال البلاد العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا سواء البلاد التي لا زال العنف يعصف بها أو تلك التي تحاشت بشكل أو بآخر الحراك العنيف والدامي ولكنها لم تستطع تحاشي الصراع  السياسي كما هو الحال بالنسبة للمغرب الذي يعيش حاليا فترة حملات انتخابية محمومة بين حزب محسوب على المرجعية الإسلامية ،وكان قد فاز بعد حراك الربيع المغربي في انتخابات برلمانية وبين أحزاب تستأثر بالإرث النضالي  سواء ضد الاحتلال الأجنبي، أوضد وضعية ما بعد الاستقلال  كما  هو الحال بالنسبة لحزب الاستقلال و بالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من جهة وبين حزب محسوب على الأحزاب المعروفة بأحزاب الدولة والتي تصنع خصيصا  من أجل خلق التوازن بين القوى السياسية في البلاد ومنع هيمنة واستئثار حزب واحد بصناعة القرار، وغالبا ما تنعت هذه الأحزاب بأنها ليبرالية.والمغرب حاليا يشهد صراعا محموما بين حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي  و بين حزب الأصالة والمعاصرة المحسوب  على الدولة ، والذي صنع خصيصا لمواجهته والحد من نفوذه في الأوساط الشعبية. ويقف كل من حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي إلى جانب حزب الأصالة والمعاصرة لخلافهما الإيديولوجي مع حزب العدالة والتنمية.

ويحاول كل معسكر استعراض عضلاته وإظهار وزنه السياسي في البلاد  من خلال الانتخابات التي ستجرى خلال هذا الأسبوع . ولا يمكن فهم ما يجري في المغرب بعيدا عما يجري في كل الأقطار العربية التي عرفت حراكات سواء كانت ساخنة أو كانت فاترة ، ذلك أن الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول أوروبا الغربية اتخذت قرارا بمنع وصول ما تسميه الإسلام السياسي إلى السلطة في البلاد العربية لأنها تعتبر ذلك تهديدا لما تسميه مصالحها الاستراتيجية.

وسواء كان الربيع العربي تنفيذا للمشروع الغربي المعروف بالشرق الأوسط الجديد كما يعتقد البعض أو كان بسبب الحراك العفوي للشعوب العربية التي ضاقت من فساد الأنظمة الخاضعة والتابعة للغرب كما يعتقد البعض الآخر أو كان هذا وذلك معا حيث صادف المشروع الغربي هوى في نفوس هذه الشعوب  المقهورة، فإن الغرب كشف بشكل صريح عن رغبته في منع وصول ما يسميه الإسلام السياسي إلى مراكز صنع القرار بعد ثورات الربيع العربي. ولقد سارع الغرب إلى الإيحاء للأنظمة العربية  الخاضعة له بثورات مضادة لثورات الربيع العربي التي صنعتها الشعوب العربية  لأنه أدرك مدى خطورة انهيار هذه الأنظمة على مصالحه في المنطقة العربية. وهكذا سكت الغرب سكوت الشيطان الأخرس على الانقلاب العسكري ضد الشرعية والديمقراطية في مصر، علما بأنه يعتبر نفسه وصيا وراعيا للديمقراطية في العالم شريطة ألا تفرز هذه الديمقراطية تيارا سياسيا لا يقبله ويرى فيه تهديدا لمصالحه.

وسكت الغرب أيضا عن استمرار الصراع  الدامي في الأقطار سواء التي سقطت فيها أنظمة  فاسدة مثل ليبيا واليمن أو التي لم يسقط فيها النظام الفاسد كسوريا، أو التي شملها الغزو الغربي، ولم يتمكن من تنصيب نظام يخدم مصالحه، ويستثب له الأمر كما هو الشأن في العراق. وسكوت الغرب عن هذا الصراع الدامي، وهو الذي عودنا بسرعة تحركه عندما يتعلق الأمر بالصدام في البلدان الأوروبية يؤكد تورطه المكشوف في خلق الثورات المضادة لثورات الربيع العربي من أجل تمهيد الطريق لأنظمة موالية له لا تختلف عن الأنظمة الفاسدة المطاح بها أو المستهدفة بالإطاحة، وذلك لقطع الطريق على ما يسميه  وصول أو هيمنة الإسلام السياسي على الوضع في الوطن العربي.

ومن أجل التمويه على هدف منع التيار السياسي الإسلامي استغل الغرب فكرة محاربة الإرهاب التي اخترعها إبان أحداث الحادي عشر من شتنبر، والتي اتخذها ذريعة لغزو العراق  وأفغانستان، ولا زال يتذرع بها لتبرير تورطه  المباشر في الصراع الدامي في الدول العربية. ذريعة التدخل في البلاد العربية خصوصا وقد أبدت شعوبها ميلا إلى الإسلام بعد ثورات ربيعها، وراهنت على أحزاب ذات مرجعية إسلامية، الشيء الذي أثار قلق ومخاوف الغرب بشدة. وبذريعة محاربة الإرهاب استطاع الغرب مساعدة الثورات المضادة لثورات الربيع العربي حيث أوعز للأنظمة العربية التابعة له بأنه لا يوجد فرق في التوجه الإيديولوجي بين العصابات الإجرامية التي يحاربها وبين الأحزاب والجماعات ذات المرجعية الإسلامية.

وهكذا صار حزب الحرية والعدالة المصري التابع لجماعة الإخوان المسلمين  عند الغرب وعند الأنظمة العربية الموالية له لا يختلف عن عصابات ما يسمى الدولة الإسلامية ” داعش “، كما صار الإخوان المسلمون في سوريا  الذين يحاربون النظام السوري لا يختلفون عن تلك العصابات، وكذلك الشأن في ليبيا. وهكذا وقع الخلط المتعمد بين المقاومة الحقيقية ضد الأنظمة الفاسدة وبين إجرام العصابات المصنوعة مخابراتيا لتوفير غطاء لتورط الغرب في البلاد العربية، وخلق الوضع السياسي الذي يرعى ويصون مصالحه. وإذا كان الغرب قد اعتمد سياسة النفخ في النعرات الطائفية في  بعض بلاد الربيع العربي الساخنة ، فإنه عمد إلى سياسة التحريش الحزبي  والطائفي في غيرها كما هو الحال في تونس والمغرب.

ولقد تم ترجيح كفة التيار السياسي الخصم للتيار السياسي الإسلامي في تونس إذ انتقل حزب النهضة الإسلامي  بين عشية وضحاها وبقدرة قادر من حزب في الصدارة إلى حزب تقهقر لصالح حزب مصنوع هو في الحقيقة  خليط من فلول حزب النظام المنهار ومن أحزاب  علمانية وليبرالية تكثلت لمواجهة حزب النهضة ومنعه من الهيمنة تنفيذا للأجندة الغربية. وما حدث في تونس يراد إعادته في المغرب حيث اجتمعت أحزاب ما يسمى الكتلة مع حزب الأصالة والمعاصرة لمواجهة حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي، وهو ما يدخل ضمن ما يسمى خلق التوازن السياسي، ويتعلق الأمر بمنع استحواذ  كل حزب من خارج التبعية للدولة على صناعة القرار في البلاد  . ولقد كان حزب العدالة والتنمية مستهدفا من طرف خصومه منذ أول يوم تولى فيه تسيير أمور البلاد بالرغم من تحالفه مع أحزاب بعضها محسوب على التيار اليساري والبعض الآخر محسوب على التيار الليبرالي، الشيء الذي أكد أن التحالفات الحزبية في المغرب إنما تحكمها المصالح، ولا تحكمها التوجهات الإيديولوجية بحيث تتحالف الأحزاب وإيديولوجياتها على طرفي نقيض.

ومع السكوت الدولي وخصوصا الغربي  على ما حصل في مصر من انقلاب على الشرعية والديمقراطية ، وما يحصل في البلاد العربية التي تشهد صراعات دامية، صارت فكرة تراجع الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية لفائدة  الأحزاب الأخرى مسوقة ورائجة خصوصا بعد تراجع حزب النهضة التونسي خوفا من نفس مصير حزب الحرية والعدالة المصري بإيعاز من الغرب، وبتشجيع  وأمر منه. ويريد خصوم حزب العدالة والتنمية في المغرب منه التراجع عن الصدارة على غرار ما فعل حزب النهضة  التونسي  والقبول بمرتبة دون ذلك.

ولهذا تعكس الحملات الانتخابية الحالية  في المغرب، وهي حملات  لم تنقطع بالنسبة لبعض الأحزاب منذ تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد السلطة مدى الرغبة في منع ما يمكن أن يحسب على ما يسميه الغرب الإسلام السياسي من إدارة شؤون البلاد حتى لو أبدى مرونة، وقدم إشارات واضحة لطمأنة  الغرب بأنه  لا يضمر له شر ولا يهدد مصالحه. ولم يتردد زعماء أحزاب خصمة  لهذا الحزب من طلب الإيقاع به على غرار ما وقع لحزب الحرية والعدالة المصري وذلك باعتبار مرجعيتهما  الإيديولوجية واحدة وربطها بمرجعية العصابات الإجرامية المصنوعة مخابراتيا والتي تدعي الانتساب للإسلام بغرض تشويهه عن طريق الإجرام أمام الرأي العام العالمي.

وإلى جانب النيل من حزب العدالة والتنمية بالطعن في مرجعيته الإسلامية ووصفها بالخطيرة، لم تسلم قراراته  و لا منجزاته من الانتقاد إلى حد تجريمه، علما بأن حزب العدالة والتنمية تولى الأمر بعد حراك وطني ضد الفساد، وتسلم البلاد وهي  في وضعية صعبة  وحرجة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا  اضطره ذلك إلى البحث عن إخراجها من المأزق بحلول مؤلمة بالنسبة للشعب المغربي الذي انتفض ضد الفساد، وكان يحلم بوضعية اقتصادية واجتماعية أفضل مما كان سائدا في فترة حكومات الفساد ، وهي حلول شبيهة بعمليات جراحية مؤلمة  لا مفر منها ولا مندوحة عنها كما يرى هذا الحزب.

واستغل خصوم حزب العدالة والتنمية الصعوبات التي واجهها في تدبير شؤون البلاد للطعن في أهليته وكفاءته ،علما بأنه لو كان حزب آخر مكانه لواجه نفس المتاعب، وربما اضطر لاتخاذ قرارات أسوأ من قراراته .وتراهن الأحزاب الخصمة لحزب العدالة والتنمية على  فكرة استعداء الشعب عليه ليعاقبه انتخابيا عن طريق التصويت لصالحها  ضده ، ونكاية فيه أو حتى عن طريق مقاطعة الانتخابات خصوصا من طرف تيارات محسوبة على التوجه الإسلامي، وهي غير راضية عن أدائه كتيار العدل والإحسان والتيار السلفي.

وقد أعلنت بالفعل بعض تلك التيارات عن قرار بالمقاطعة، إلى جانب تيارات يسارية رادكالية، وهو قرار لصالح خصوم حزب العدالة والتنمية دون شك .وإلى جانب أسلوب تشويه سمعة حزب العدالة والتنمية إيديولوجيا وسياسيا يروج الحديث في الأوساط الشعبية بكثرة عن أساليب بعض الأحزاب في خوض غمار الانتخابات عن طريق  شراء الأصوات بالمال المكسوب بطرق غير شرعية والمغسول أو بالوعود المغرية الفارغة والكاذبة. وكل هذه العوامل من شأنها أن تنال من حزب العدالة والتنمية الذي لا تعذره بعض الشرائح الاجتماعية بما فيها تلك التي آزرته في الانتخابات السابقة، ولكنها لم ترض عن أدائه أو هي ضحية دعايات أشيع عنه من طرف خصومه لتشويه سمعته.

ولا يمكن أن  ننكر أن ما يحدث في المغرب لا يشد عما يحدث في البلاد العربية خصوصا ما يتعلق بفكرة رفض الغرب وصول ما يسميه الإسلام السياسي إلى مراكز صنع القرار والحكم  لأن ذلك يهدد مصالحه الاستراتيجية حسب زعمه. ويبدو أنه من الصعب أن يتخلص الوطن العربي من تأثير السياسة الغربية التي تقوم على أساس ضرورة  رعاية الأنظمة العربية لما يسمى المصالح الاستراتيجية للغرب، وهو ما يجعل الشعوب العربية تواجه وضعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية صعبة، كما أن ذلك يوطد للفساد الذي  انتفضت ضده هذه الشعوب خلال ثورات ربيعها  سواء الساخن منها أو الفاتر رغبة منها في حياة أفضل  بين شعوب المعمور، مع حيازة محترمة بينها.

  

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz