آن الأوان لعقد لقاء وطني من أجل تقييم ما يسمى بيداغوجيا الإدماج

13030 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 28 يناير 2012، عندما اختارت الوزارة الوصية عن قطاع التربية والتعليم إجراء إصلاحات على المنظومة التربوية، أخذت  بأساليبها الخاصة في الاستشارة ، وهي واثقة من أنها الأساليب الصحيحة ، ولا يخامرها أدنى شك في ذلك ، إلا أن ردود الأفعال على أرض الواقع على مشاريع الإصلاح المعتمدة ،و التي تبنتها تعكس بوضوح وجود  قناعة كبيرة لدى شريحة طويلة عريضة من الذين  تعنيهم المنظومة التربوية بأن أساليب الوزارة في الاستشارة بخصوص مشاريع الإصلاح ليست موفقة. فالوزارة مقتنعة كل الاقتناع بأن ما يسمى بيداغوجيا الإدماج خيار صحيح وموفق ، وأن ردود الأفعال عليه  خصوصا الرافضة له عبارة عن مجرد رغبة في عدم انخراط في  هذا ” الصحيح الموفق “. وحتى عملية  تقييم هذا الذي يعتقد بأنه صحيح وموفق ،كانت عبارة عن تقييم من طرف واحد هو الخصم والحكم  في نفس الوقت. فالوزارة أوفدت لجانا مركزية محسوبة على الخبرة الدولية والوطنية من أجل خلق أتباع لهذه الخبرة جهويا لغرض ممارسة الإشهار لفائدة هذه البيداغوجيا  التي لا زالت في حاجة ماسة إلى شهادة شرعية لحمل صفة بيداغوجيا. وهذا الأسلوب في التقييم يعرف في ثقافتنا  الشعبية بأسلوب العروس التي تسأل عن عذريتها ، فتشهد أمها وخالتها والجالسات قبالتها ، أو شهادة السنور الذي إذا سئل : من الشاهد على براءتك ؟ يجيب : ذيلي . فمن المعلوم أن التقييم هو عبارة عن عملية تثمين  ، وأفضل تثمين يكون من لدن من لا علاقة له  بالشيء المستهدف
بالتثمين. فصاحب الفول في ثقافتنا الشعبية  حين يسأل عن فوله يقول دائما:  الفول طياب ” وبموجب ذلك لا تصح شهادة فوال في فوله ، بل الشهادة التي يعتد بها هي شهادة آكل الفول . فالوزارة إذا ما كانت بالفعل تريد تقييما دقيقا وموضوعيا لبضاعة المقاول البلجيكي  فعليها ألا تسأله عن بضاعته ، أو تثق في شهادته ، أو في شهادة سماسرته الذين يسمون أنفسهم أصحاب الخبرة الدولية والوطنية  وفي بطونهم ريع البيداغوجيا الموهومة .فهل يستطيع من  أصاب ريعا من هذه البضاعة أن يشهد فيها شهادة حق  ، والريع في بطنه ؟  ولقد سمع السماسرة في عدة جهات من المملكة من النقد ما يكفي لحمل الوزارة على مراجعة اعتماد هذه البضاعة المستوردة ، والمطبقة بطريقة استعجالية تماشيا مع الطابع الاستعجالي لإصلاح الرباعية. فإذا كانت المواد الغذائية المصدرة على سبيل المثال تستوجب الفحص الكيميائي لمعرفة نسب المواد الضارة فيها ، فأولى أن تعرض المواد المحسوبة على البيداغوجيا على الفحص لمعرفة ما يضر فيها . أما إذا كانت الشهادة الوحيدة التي تأخذ بها الوزارة هي شهادة المصدر  أو المسوق ، دون أدنى احتفال بشهادة المستورد أو المستهلك ، فالتقييم  سيخرج عن إطاره.  والذين سموا أنفسهم خبراء هذه البضاعة ، وهم طرف  مستفيد من ريعها  من الضروري أن تحوم الشكوك حول شهادتهم فيها . فلفظة خبير كما سبق لي أن قلت لأحد هؤلاء الخبراء تعني عند علماء اللغة العليم بما خفي . فالذين يسمون أنفسهم خبراء ما يسمى بيداغوجيا الإدماج لا شك أنهم يعرفون ما خفي منها . وما خفي لا يمكن أن يكون إيجابيا فقط . فهل يجرؤ هؤلاء الخبراء على الكشف عما خفي من سلبيات  هذه البضاعة ، وفي بطونهم ريعها ؟  فلهذا لا بد من ملتقى وطني يؤطره  الباحثون من مختلف الفئات والتخصصات من الذين لا علاقة لهم بريع هذه البضاعة  ليكون التقييم موضوعيا ودقيقا. فالمنظومة التربوية المغربية ليست  سائبة أو في حكم السائبة بل منذ كانت ، ومنذ فجر الاستقلال ، والباحثون المتخصصون يحرسونها كلما همت الوزارة  باستيراد الجديد في المجال البيداغوجي. ولقد أهدر حبر كثير ، وظهرت مؤلفات عديدة في الساحة الوطنية منذ الاستقلال ، وكل ذلك يتعلق بالمنظومة التربوية تقييما أي تثمينا ، وتقويما  أي تسديدا . فكيف  تعرض الوزارة اليوم عن كل الباحثين والمختصين ، وعن تقييمهم ونقدهم لما يسمى بيداغوجيا الإدماج ؟ فكليات علوم التربية عندنا ، ومركز تكوين المفتشين التربويين  ، ومراكز تكوين الأساتذة على اختلاف فئاتهم ، والمفتشون التربويون ، والمدرسون الممارسون ، ورجال الإدارة ، فيهم باحثون لا يمكن التشكيك في  ما يحملون من  شهادات علمية ، ولا التشكيك في خبراتهم ، لهذا لا بد أن ينعقد لقاء وطني يجمع بين كل هذه الفعاليات من أجل تقييم ما يسمى بيداغوجيا الإدماج عوض أسلوب  الدعاية الإعلامية التي يقوم بها مقاول هذه البيداغوجيا ، وسماسرته وحدهم  .  والوزارة تحاول رصد ردود الأفعال على  تنزيل هذه البيداغوجيا ميدانيا  ، وقد كشفت التحريات عن رفض العديد من الجهات في الوطن الانخراط في هذه البيداغوجيا ، علما بـأن بعض أسباب الرفض تعود إلى أسلوب الوزارة  نفسها في  تدبير ما يتعلق  بهذه البضاعة من قبيل توفير العدة حيث أعلنت عن مواعيد إنجاز أسابيع الإدماج دون أن تكون العدة جاهزة خلال المرحلة الأولى. وأكثر من ذلك  جاءت العدة ناقصة  حيث لم توفر الوزارة  دليل الإدماج لكل من يعنيهم الأمر ، ولا هي وفرت العدد الكافي من الكراسات للمتعلمين  ، واكتفت في بعض الجهات بنموذج واحد  من الدليل يتناوب عليه عدد من المدرسين كما عاينت ذلك بأم عيني في  المقاطعة التي أشرف على تأطيرها ومراقبتها . وسكتت الوزارة عن كيفية أساليب التقويم سواء تعلق الأمر بالمراقبة المستمرة أم  بالاختبارات والامتحانات مع تطبيق ما يسمى بيداغوجيا الإدماج . وأكثر من ذلك تزامن أسبوعا الإدماج خلال المرحلة الثانية مع فترة إنجاز فروض المراقبة المستمرة أو الاستعداد للاختبارات المؤسسية الموحدة بالنسبة للسنة الثالثة الإعدادية . ولا يمكن تجاهل الارتباك الذي أحدثه تنزيل هذه البيداغوجيا حيث لا زال التلاميذ لا يفهمون التعامل مع أمور يشتغلون عليها  لا تتعلق بالمراقبة المستمرة والاختبارات أو الامتحانات . ولا زالت المقررات الدراسية للعديد من المواد تحتاج إلى إجماع وتوافق حول إعادة ترتيبها  باعتماد التخطيط الدقيق لتوافق هذه المقررات تنزيل هذه البيداغوجيا التي صيغت بطرق لم تراع المقررات المعتمدة ، وأكثر من ذلك فرضت عليها تعديلات شكلية ليس غير. وفي الأخير نقول  لا بد مما ليس منه بد ، وهو ضرورة عقد اللقاء الوطني الموسع لتقييم ما يسمى بيداغوجيا الإدماج عوض  الاكتفاء بحوار الخرسان ، حيث يتحدث المقاول البلجيكي وسماسرته عن الفتوحات والانجازات المتعلقة  ببضاعته ، ويتحدث الذين نزلوا البضاعة المستوردة  على أرض الواقع عن  فشل وانتكاسات . ولا بد للباحثين المتخصصين  المحايدين  من الفصل بين المقاول وسماسرته  من جهة ، وبين المنزلين للبضاعة والمحتكين بها من جهة أخرى حرصا على صيانة المنظومة التربوية .

آن الأوان لعقد لقاء وطني من أجل تقييم ما يسمى بيداغوجيا الإدماج
آن الأوان لعقد لقاء وطني من أجل تقييم ما يسمى بيداغوجيا الإدماج

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz