آفة تعطيل البصيرة الوقوع في أسر الهوى

محمد شركي17 أبريل 2012آخر تحديث : منذ 9 سنوات
آفة تعطيل البصيرة الوقوع في أسر الهوى
رابط مختصر

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 17 أبريل 2012، من حكم ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى  في فوائده قوله : ” لا يجتمع الضدان في محل واحد ” وبيانه لذلك قوله : ” قبول المحل لما وضع فيه مشروط بتفريغه من ضده ، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان ، فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات ، فإذا كان القلب ممتلئا بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع ، كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل ، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها ” . وعلى نهج حكمة ابن الجوزية نقول : ” من عطل بصيرته  وقع في أسرهواه ،لأن البصيرة لا تساكن الهوى  في النفس الواحدة ” .

ومما يؤكد هذه الحقيقة قول ابن الجوزية أيضا : ”  دافع الخطرة ،فإن لم تفعل صارت فكرة ، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة ،فحاربها ، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة ، فإن لم تدافعها صارت فعلا ، فإن لم تتداركه بضده صار عادة ، فيصعب عليك الانتقال عنها ” . فهذا المسار الذي حدده ابن القيم إنما هو مسار الهوى المخالف لمسار البصيرة . فأول محطة الهوى الخاطرة التي تخطر في شكل هاجس لا مبرر له سوى مبرر الهوى. والتساهل مع الخاطرة يجعلها فكرة ، والتساهل معها يحولها إلى رغبة وشهوة ،  والتساهل معها يحولها إلى عزيمة وهمة ، والتساهل معها يترجمها إلى فعل وإجراء ، والتساهل معه يجعله عادة من الصعب التخلص منها .

والتخلص من هذا المسار إنما يكون بتفريغ النفس من الهوى لتحل محله البصيرة . فعن طريق تعطيل البصيرة ، و تحكيم الهوى ترسخت عبادة الأوثان والأصنام في الناس ، وعن طريق  تعطيل الهوى ، وتحكيم البصيرة توصل الناس إلى عبادة الله عز وجل . وكل عادة سيئة إنما سبيلها ومسارها هو سبيل ومسار الهوى ، بينما كل عادة حسنة إنما سبيلها ومسارها البصيرة .

يقول ابن القيم دائما في فوائده : ” لما طلب آدم عليه السلام الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها ، ولما طلب يوسف عليه السلام الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين ” . فهذا الكلام بيان مسار الهوى، ذلك أن آدم عليه السلام خطرت له خاطرة الخلود عن طريق الأكل من الشجرة وقد نهي عن ذلك ، وهي خاطرة وسوس له بها الشيطان راكبا هواه ، وصارت فكرة ، وشهوة ، فعزيمة وهمة ، ثم فعلا، وصارت في ذريته عادة متأصلة . ولهذا يصعب على بني آدم التخلص من بعض عاداته مع أنها مجرد نتيجة لخاطرة صدرت عن الهوى في حال تعطيل البصيرة . وقد ينصح الإنسان بترك عادة سيئة ، فلا ينتصح ،لأنه ينهج مسار الهوى الذي هو ضد  مسار البصيرة . وقياسا على حكم حكمة ابن القيم والتي مفادها : ”  قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده ” يكون من آثار الهوى في قلبه لم يجد فيه مكانا للبصيرة حتى يفرغه من هذا الهوى. ولما كان ” لكل امرء من دهره ما تعود ” كما قال الشاعر، فصاحب العادة السيئة إنما هو أسير عندها ، لأنه أسر نفسه بهواه ، ولم يفكر في إطلاقها من قيوده بالبصيرة . ومسار الهوى صاحبه موضع اتهام ،لأنه لا حجة له ولا برهان ، بينما صاحب البصيرة محل ثقة ، لأنه يعتمد الحجة والبرهان . وصاحب الهوى غايته  العادة ،بينما صاحب البصيرة غايته الحقيقة . وقبيح بمن ندب لمهة إيصال الحقيقة إلى الناس أن يركب هواه ، وآفته أن يشتغل بما يقتضي استعمال وسيلة البصيرة لأنه حق ، وهو كلام الله عز وجل بوسيلة الهوى ، ولا يطلب الحق بالهوى ، لأن الحق يتطلب الحجة والبرهان ، ولا حجة ولا برهان للهوى .

وشر البلية أن يخيل لصاحب الهوى إمكانية وجود الحجة والبرهان في هواه على غرار حجة وبرهان البصيرة .  

آفة تعطيل البصيرة الوقوع في أسر الهوى
آفة تعطيل البصيرة الوقوع في أسر الهوى

اترك تعليق

avatar

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

  Subscribe  
نبّهني عن