آفة تعطيل البصيرة الوقوع في أسر الهوى

11901 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 17 أبريل 2012، من حكم ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى  في فوائده قوله : ” لا يجتمع الضدان في محل واحد ” وبيانه لذلك قوله : ” قبول المحل لما وضع فيه مشروط بتفريغه من ضده ، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان ، فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات ، فإذا كان القلب ممتلئا بالباطل اعتقادا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع ، كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل ، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها ” . وعلى نهج حكمة ابن الجوزية نقول : ” من عطل بصيرته  وقع في أسرهواه ،لأن البصيرة لا تساكن الهوى  في النفس الواحدة ” .

ومما يؤكد هذه الحقيقة قول ابن الجوزية أيضا : ”  دافع الخطرة ،فإن لم تفعل صارت فكرة ، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة ،فحاربها ، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة ، فإن لم تدافعها صارت فعلا ، فإن لم تتداركه بضده صار عادة ، فيصعب عليك الانتقال عنها ” . فهذا المسار الذي حدده ابن القيم إنما هو مسار الهوى المخالف لمسار البصيرة . فأول محطة الهوى الخاطرة التي تخطر في شكل هاجس لا مبرر له سوى مبرر الهوى. والتساهل مع الخاطرة يجعلها فكرة ، والتساهل معها يحولها إلى رغبة وشهوة ،  والتساهل معها يحولها إلى عزيمة وهمة ، والتساهل معها يترجمها إلى فعل وإجراء ، والتساهل معه يجعله عادة من الصعب التخلص منها .

والتخلص من هذا المسار إنما يكون بتفريغ النفس من الهوى لتحل محله البصيرة . فعن طريق تعطيل البصيرة ، و تحكيم الهوى ترسخت عبادة الأوثان والأصنام في الناس ، وعن طريق  تعطيل الهوى ، وتحكيم البصيرة توصل الناس إلى عبادة الله عز وجل . وكل عادة سيئة إنما سبيلها ومسارها هو سبيل ومسار الهوى ، بينما كل عادة حسنة إنما سبيلها ومسارها البصيرة .

يقول ابن القيم دائما في فوائده : ” لما طلب آدم عليه السلام الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها ، ولما طلب يوسف عليه السلام الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين ” . فهذا الكلام بيان مسار الهوى، ذلك أن آدم عليه السلام خطرت له خاطرة الخلود عن طريق الأكل من الشجرة وقد نهي عن ذلك ، وهي خاطرة وسوس له بها الشيطان راكبا هواه ، وصارت فكرة ، وشهوة ، فعزيمة وهمة ، ثم فعلا، وصارت في ذريته عادة متأصلة . ولهذا يصعب على بني آدم التخلص من بعض عاداته مع أنها مجرد نتيجة لخاطرة صدرت عن الهوى في حال تعطيل البصيرة . وقد ينصح الإنسان بترك عادة سيئة ، فلا ينتصح ،لأنه ينهج مسار الهوى الذي هو ضد  مسار البصيرة . وقياسا على حكم حكمة ابن القيم والتي مفادها : ”  قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده ” يكون من آثار الهوى في قلبه لم يجد فيه مكانا للبصيرة حتى يفرغه من هذا الهوى. ولما كان ” لكل امرء من دهره ما تعود ” كما قال الشاعر، فصاحب العادة السيئة إنما هو أسير عندها ، لأنه أسر نفسه بهواه ، ولم يفكر في إطلاقها من قيوده بالبصيرة . ومسار الهوى صاحبه موضع اتهام ،لأنه لا حجة له ولا برهان ، بينما صاحب البصيرة محل ثقة ، لأنه يعتمد الحجة والبرهان . وصاحب الهوى غايته  العادة ،بينما صاحب البصيرة غايته الحقيقة . وقبيح بمن ندب لمهة إيصال الحقيقة إلى الناس أن يركب هواه ، وآفته أن يشتغل بما يقتضي استعمال وسيلة البصيرة لأنه حق ، وهو كلام الله عز وجل بوسيلة الهوى ، ولا يطلب الحق بالهوى ، لأن الحق يتطلب الحجة والبرهان ، ولا حجة ولا برهان للهوى .

وشر البلية أن يخيل لصاحب الهوى إمكانية وجود الحجة والبرهان في هواه على غرار حجة وبرهان البصيرة .  

آفة تعطيل البصيرة الوقوع في أسر الهوى
آفة تعطيل البصيرة الوقوع في أسر الهوى

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz