لماذا ينفر المغاربة من الانتخابات؟

168024 مشاهدة

وجدة البوابة: د. حسين مجدوبي

شهد المغرب انتخابات تشريعية يوم الجمعة 7 أكتوبر الجاري، وانتهت بفوز العدالة والتنمية، لكن هذا الفوز الذي يبقى من الناحية المعنوية مهما لهذا الحزب، وواقعيا يعتبر محدودا للمغرب لأنه لا يرقى إلى النتائج التي تحققها الأحزاب في الانتخابات الأوروبية التي تتصدر المركز الأول. ويبقى المثير للقلق في هذه الانتخابات هي نسبة المشاركة محدودة للغاية التي قد تحمل انعكاسات سلبية. وأكدت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة هي 43% من مجموع المغاربة المسجلين في اللوائح الانتخابية، أي أقل من انتخابات 2011. وهذا الرقم يخفي واقعا سياسيا آخر، ذلك أن الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات هم الذين يُسجلون في اللوائح وليس كل من بلغ 18 عاما، حيث يتم الاعتماد على لوائح السكن لدى البلدية، كما هو معمول به في معظم دول العالم. وهكذا، فعدد المغاربة الذين تتجاوز أعمارهم 18 سنة يفوق 27 مليونا، بينما يُسجل في اللوائح 15 مليونا فقط. وهذا يعني مسبقا 12 مليون مغربي غير مسجل في اللوائح الانتخابية. وإذا اعتمدنا الأرقام الحقيقية، فعدد المصوتين لم يتجاوز 25% من المغاربة الذين يحق لهم التصويت. والمقلق بل والخطير في هذه الأرقام هو تأكيد نفور المغاربة من المشاركة في الانتخابات لاختيار ممثليهم في مؤسسة تشريعية رئيسية وهي البرلمان، وهذا النفور، لا يترجم بعدم حب المغاربة للسياسة بل لاعتبارات تاريخية وسياسية، رغم الوعود التي حاول الدستور الجديد سنة 2011 إقناع المغاربة بها، أي الانتقال إلى مرحلة جديدة. ومن هذه الاعتبارات أو العوامل نرصد ما يلي: -عدم إيمان فئة الشباب بالمؤسسات التشريعية اعتقادا منهم أنه مهما كانت إرادة التغيير، ومهما كان زجاج الصناديق شفافا ففكرة التزوير وتزييف النتائج راسخة في عقلية الكثير من المغاربة، خاصة أن وزراء تورطوا في فضائح ولم يتم التحقيق معهم، وفضائح أخرى لمسؤولين في الدولة. – مقاطعة واعية بحكم أن نسبة المقاطعين والعازفين عن التصويت في المدن أكثر بكثير من القرى، علما بأن المشاركة في القرى، حيث الأمية متفشية،  تخضع لسياقات أخرى منها تدخل الإدارة لحث الناس على التصويت. – حكم المغاربة المسبق بفساد الكثير من المؤسسات وغياب الكفاءة، حيث يقيّمون هذه الانتخابات على ضوء نتائج التعليم والصحة والأمن والبطالة ونوعية المسؤولية والزبونية، وهي قطاعات شهدت تراجعا خطيرا خلال السنوات الأخيرة يقارب الانهيار، خاصة التعليم. – وأخيرا، الاعتقاد السائد لدى شريحة من المغاربة بأنه لا يمكن الحديث عن انتخابات فيها المحاسبة وتحمل المسؤولية طالما أن نسبة مهمة من الصلاحيات في يد المؤسسة الملكية التي لا تخضع لأي مراقبة. ولا يترجم النفور من الانتخابات بعدم حب انخراط المغاربة في الحياة السياسية بل أنهم يهتمون بذلك رغم مستوى الأمية المتفشي، ومقابل النفور، أصبح المواطن المغربي ينتظم في هيئات مدنية واجتماعية، بل وحتى سياسية لا تريد المشاركة في ما يسمى «اللعبة السياسية» في المغرب. ويترتب عن هذا رهان نسبة مهمة من المغاربة على النضال انطلاقا من الشارع وخارج المؤسسات التشريعية، لتحقيق ما يطمحون إليه خاصة في ما يتعلق بالمطالب المادية. وهذه الظاهرة هي التي تفسر لماذا تحولت الساحة المقابلة للبرلمان في العاصمة الرباط الى ساحة للاحتجاجات بشكل يومي ومنذ سنوات، وهي ظاهرة فريدة من نوعها ربما في العالم، حيث يقصدها المغاربة من كل أنحاء البلاد، من العاطلين والمهنيين والحقوقيين، بل حتى بعض الجنود السابقين للاحتجاج. وكلما زاد نفور المغاربة من المؤسسات زاد رهانهم على إيجاد حل للمشاكل عبر قنوات غير رسمية مثل الاحتجاج في الشارع، وهذا يحمل مؤشرات مقلقة للاستقرار في البلاد. وخلال دردشة مع مسؤول أوروبي حول الانتخابات المغربية، ونشرنا تصريحا منه في «القدس العربي» خلال الأسبوع الماضي، كان رأيه وهو رأي المؤسسة الأوروبية حول الانتخابات المغربية «يهمنا مستوى المشاركة لأن نسبة المشاركة تعني الاستقرار من عدمه، كما تعني الإيمان بالمؤسسات وخاصة التشريعية». ويضاف إلى مستوى المشاركة أن الحزب الأول وهو العدالة والتنمية، حقق وفق معطيات المشاركة الرسمية ما يناهز 20% من الأصوات، واستنادا إلى المشاركة الواقعية إذا أخذنا بعين الاعتبار حق كل مغربي ما فوق 18 سنة التصويت، فهذه النسبة ستكون أقل من 10%. ومن باب المقارنة مع إسبانيا، فقد سجل الحزب الشعبي في انتخابات يونيو الماضي 33% من الأصوات وبحوالي ثمانية ملايين صوت، ضمن مشاركة بلغت 67% وصوت أكثر من 24 مليون إسباني، ورغم ذلك، لم يستطع حتى الآن تشكيل حكومة. إنها معطيات مقلقة حول الانتخابات في المغرب، حيث المشاركة تسجل تراجعا من انتخابات إلى أخرى، رغم ما تبديه الدولة من حياد مقبول نسبيا، لأنه عندما يصوت المغربي على حزب، وهذا الأخير لا يمتلك صلاحيات حقيقية في حالة فوزه، هنا تصبح الانتخابات بدون معنى سياسي، وهو ما يجب أن تفهمه الدولة العميقة في المغرب إذا رغبت في تطوير الممارسة السياسية في البلاد. كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

ع. بلبشير

2016-10-11 2016-10-11
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير