الوعي الديمقراطي والمعركة الانتخابية

109261 مشاهدة

سعيد يقطين/ وجدة البوابة

مع اقتراب موعد 7تشرين الأول (أكتوبر) 2016 للانتخابات التشريعية المغربية، لن تقرأ في الصحف، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، ولن تشنف أسماعك في حديث المقاهي، إلا بمثل هذه التعابير المتصلة بالانتخابات وبالاستعداد لها: المعركة الانتخابية، الحملة الانتخابية، النزال الانتخابي، حرب الترشيحات، العقاب الانتخابي (التكَرديع)، المسلسل الانتخابي… وحين تشيع مثل هذه المفردات في الخطاب الانتخابي، فإنها تصبح دالة على نوع الوعي المتصل بالانتخابات، وبالممارسة الديمقراطية إجمالا. الوعي الديمقراطي تعبير عن رؤية سياسية وحزبية واجتماعية للتحول الاجتماعي تقضي بأن التطور يتأسس على قاعدة الحوار والإقناع وقبول الآخر، والمشاركة الجماعية. فبأي وعي أو رؤية ندخل مرحلة من مراحل التطور الديمقراطي المغربي، علما أن المفروض في أي استحقاقات لاحقة هو أن تكون امتدادا لمرحلة سابقة، في سبيل تحقيق تطوير الممارسة الديمقراطية، وأن تساهم في كسب ثقة وإدماج أكبر عدد ممكن من الناخبين في العملية. لكن حين تشترك المراحل، ويتزايد عدد المشككين في الانتخابات، بعد كل استحقاق، فلا يمكن أن نتحدث عن وعي أو تحول ديمقراطيين يبينان أننا أمام تراكم في التجربة يؤدي إلى التطور والمشاركة. أسباب تعثر الوعي الديمقراطي وممارسته متعددة. ويمكننا اختزالها جميعا في سبب واحد يلخص كل الأسباب، وهو ما أراه قابلا لأن يختزل في كلمة واحدة: «المعركة». إننا نتحدث عن «المعركة الانتخابية»، وكأن من يخوضها «محاربون»، وليس لهم من هدف سوى الوصول إلى «السدة»؟ ولا يهمهم كيف؟ ولا لماذا؟ فما دامت كل الوسائل المحمودة والمذمومة التي تبررها الحروب غير العادلة، مستساغة لتحقيق «النصر»، فهي مقبولة. يعني استعمال مفهوم «المعركة الانتخابية» نظريا وعمليا «الحرب» من أجل الفوز بالمقعد. وفي هذه الحرب ضد الآخر، المنافس في الانتخابات، يمكن اعتماد الكذب، الإشاعة، التزوير، شراء الضمائر والأصوات، والتحالف مع خصوم الأمس… وحين تسود مثل هذه الممارسات المتصلة بـ«الحرب»، يكون الغائب الأكبر، في العملية الانتخابية هو «الخطاب السياسي» الذي يحمل «البرنامج» الذي يمكن أن يدافع عنه «المتحاربون». إن تغييب «الخطاب» الذي يمكن أن يكون أداة العملية الانتخابية لا يمكن إلا أن تعوضه «خطابات» الحروب. وهذا ما نلمسه حاليا، إذ بدل أن تظهر «خطابات حول البرامج»، تنتشر «الأحاديث» التي تسبق المعارك، والإعلام السياسي يغذيها بشكل كبير.  في التجارب التي سبقتنا إلى الديمقراطية نجدهم يتحدثون مثلا عن (Compagne éléctorale). ولا تعني الكلمة الأولى سوى «الصحبة» أو «الرفقة» التي تشترك في عمل أو غاية. وإذا ترجمناها حرفيا بـ«الصحبة الانتخابية»، كان ذلك دالا على أن مجموعة اجتماعية تصطحب (بما في الصُّحبة من معان رفيعة) للتعبير عن تصور مقنع، وتتضافر جهودها لإقناع الناخب بهذا التصور. لكن الترجمة السائدة في المغرب هي «الحملة الانتخابية». ولـ»الحملة» في الدارجة المغربية معنى خاص يطلق على السيل الجارف الذي يأتي على الأخضر واليابس. كما أن «الحملة» تطلق على الوجع الذي يصيب الأسنان جميعا. وفي الحالتين ليست «الحملة» سوى مصيبة قد تصيب الفرد دون غيره، أو القبيلة بكاملها. ولعل لهذه اللغة علاقة بالمتخيل الجماعي الذي تحمله، فلا يكون أمام المتلقي سوى التوجس من «الحملة الانتخابية»، ومن «المتحاملين» فيها، ومن «المحمولين» بسبب نتائجها على الأكتاف لممارسة المزيد من «تحميلها» ما لا تستطيع «تحمّله».  وليست «الحملة» بأقل سوءا من «المعركة» الانتخابية، فإذا كانت الحملة طبيعية، أي من عند الله، فإن المعركة من عند البشر الذين يتعاركون من أجل المصلحة. ولقد قرأت مؤخرا من يتحدث عن «النزال الانتخابي»، وليست المنازلة أو النزال سوى مصطلح حربي بامتياز. وحين نضيف إلى هذه القائمة ما يستعمل من قبيل «حرب الترشيحات»، يتأكد أمامنا بجلاء أننا أمام حرب شعواء لا هوادة فيها. لذلك لا يمكننا سوى اعتبار «الديمقراطية» حربا على من يُتحارب «من أجلهم»، وليست تجربة إنسانية راقية تعيشها الشعوب لتطوير ذاتها عن طريق العمل الجماعي الذي يخدم الجميع. أتذكر، في هذا السياق، ونحن في أواخر السبعينيات نتوجه في سيارة تاكسي إلى مدينة الناضور، وكانت بدايات الحديث عن تجربة «ديمقراطية» في المغرب، وكان السائق يتناقش مع أحد الركاب حول الديمقراطية، فقال له: إننا سندخل مرحلة الحكم الديمقراطي. وضرب بيده على المقود، وهو يتحدث بعنف وحماس: الحكم الديمقراطي، هو «القرطة» (ومعناها المقصلة). فهذه السيارة ملكي، ومن وصل إليها، يحكم عليه بـ«القرطة»، (بتر أحد الأعضاء، أو قطع الرأس)؟ فلاحظت كيف تتحول «الديمقراطية» إلى «ديكتاتورية»؟ ومن عجب، أن البورجوازية أشاع روادها فكر الديمقراطية التي لا تخدم سوى مصلحة البورجوازية، في حين لم ينشر مثقفو اليسار سوى «دكتاتورية» البروليتاريا. وبين «ديمقراطية البورجوازية» و«ديكتاتورية البروليتاريا»، صرنا نحن العرب أمام «ديموكتاتورية» لا هي شرقية ولا غربية، فإذا بنا نخوض حروب داحس والغبراء ومعاركها الأسطورية في الألفية الثالثة. في غياب الوعي الديمقراطي الذي يولّد النقاش، ويحث على تطوير البرامج الانتخابية، ويحلل الواقع الملموس، ويشخص المشاكل بموضوعية، ويبرز الأولويات، ويقترح البدائل، ويناقش التجارب… تسود لغة الحرب والمعارك، فإذا بنا أمام: التشكي من الدعم المادي المقدم للأحزاب، والمطالبة برفع هذا الدعم، من جهة، وأمام الهجوم بكل الوسائل على الأحزاب المنافسة، وبالأخص على من يرون له حظوظا في الفوز. بل يذهب البعض إلى المطالبة بحرمان بعضها حتى من الترشح، ولا تعدم الحجج، من جهة ثانية. كما أن ما يسمونه «حرب الترشيحات» بدأت تفتح الأبواب على مصاريعها، من جهة ثالثة. فالبحث عن التزكيات يتم من مناضلين، وشخصيات نافذة، ووزراء، سواء داخل أحزابهم، أو خارجها. ولا يمكن أن ينجم عن «حرب الترشيحات» سوى «الترحال» الحزبي. فالـــرحــال «الســياسي»، لا يهمه البرنامج الحزبي أو الانتــخـــابي، ولكــن أن يكون على رأس لائحة انتخابية، ولذلك فهو يبيت في حزب، ويصبح في حزب آخر. ألا تدل كل هذه الإشارات على أننا أمام حرب حقيقية؟ فهل يمكن، مثلا، لمن أسميته «الرحال» الانتخابي أن يكون «صاحب» قضية سياسية، أو «رفيق» مشروع اجتماعي؟ أنى له أن يدافع عن برنامج تنموي، وهو لا يفكر في أي برنامج، بل لا تهمه البرامج؟ ألا يمكن اعتباره، كما في الحروب، نظير الذي يحارب مع من يعطيه أكثر من المال، وهو لا يهمه مع من يحارب؟ إنه لا يتساءل عن الحرب وهل هي عادلة أو ظالمة؟ إن هذا الرحال مستعد لـ«التنازل»، وهو «يبغي» المشاركة في «النزال»، عن رفاق الأمس، لأنهم لم يمنحوه إمكانية «النزول» إلى «ساحة الوغى». بل إنه قادر على الالتحاق اليوم بحزب كان إلى غاية الليلة الماضية يناصبه العداء، ويظهر له البغضاء.  إلى متى ستظل تجربتنا الديمقراطية نتاج «معارك» يتساوى فيها الخصوم والأعداء؟ لقد مرت على تجربتنا الديمقراطية عدة عقود، فما هي الحصيلة الإيجابية التي راكمناها «ديمقراطيا»، على مستوى وعي المغاربة، محليا، وعلى مستوى تقديم «نموذج ديمقراطي» في الوطن العربي، خارجيا؟ نتحدث عن المعركة الانتخابية، وعن «اللعبة الديمقراطية» فإلى متى ستظل الديمقراطية «لعبة» يتبارى فيها المتنازلون بدون قواعد لعب راق، وسام، يخلو من شغب جمهور الملاعب، وعبث مسؤولي الفرق، وجور حكام المباريات؟ عندما نغير لغاتنا، يمكن أن تتغير أنماط وعينا، وممارستنا وتجربتنا.

كاتب مغربي

2016-09-04 2016-09-04
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير