الإرث الفكري المعاصر لمواجهة الشرق الأوسط الكبير

147356 مشاهدة

محمد عبد الحكم دياب

نتعرف في السطور التالية على علماء ومفكرين معاصرين تركوا إرثا يستوجب الإحياء؛ في المواجهة الراهنة مع مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد.. وليس في مقدورنا تناول كل العلماء والمفكرين المعاصرين.. فهذه مهمة أكبر من جهد كاتب أو باحث فرد، وكل ما نقدر عليه هو تقديم نماذج لم تُصَب بعدوى الانعزالية والطائفية والمذهبية والقبلية.. وأصحاب رؤى نهضوية جامعة؛ وحملوا مشاعل التنوير وتصدوا للفُرقة الاستعمارية؛ القائمة على مبدأ فرق تسد. وبرزت أدوارهم مع الحرب العالمية الثانية وبعدها.. منهم: 1 ـ سيد عويس (1903 ـ 1988م)؛ عميد علماء الاجتماع العرب، ولد وتوفي في القاهرة، وقضى حياته باحثا في الظواهر الاجتماعية والعادات السلوكية والموروثات القديمة؛ كميدان رحب لدراساته المعمقة، ولا سيما الظواهر المركبة المسيطرة بشدّة على الواقع الراهن، وتتحكم في ردود الأفعال، وفي القرارات بالغة الأهمية.‏ وينظر إليه تلاميذه كضمير حيّ للمجتمع في همومه الذاتية وتطلعاته المستقبلية، وكان أمينا مع تاريخه الخاص وقد عايشه بنزاهة وتجرد، وحلّل ظواهره وسماته العامة وأبدع منه نظرياته، فترك عددا من الكتب والدراسات والمحاضرات، التي غاصت في الأعماق ولمست الجذور بالنقد والتحليل والإرشاد النفسي والتوجيه التربوي، من أجل ألا يجد المواطن نفسه معزولا ومغتربا في وطنه.‏ وأعطى التجربة الذاتية للمواطن البسيط نفس أهمية المدرسة والجامعة والكتاب. وكانت وصيته لابنه مسعد: سافر.. وعش تجربة جديدة دون وجل.. فالتجارب الإنسانية الواعية قناديل في دربنا الطويل الذي قد لايكون مفروشاً بالورود.‏ ومن أقواله المأثورة: ارصد الظواهر.. اهتم بالعلم، فهو سفيرنا للغد.. افتح النوافذ المغلقة لأصحاب الأفكار المبتكرة..لا تخف من أفكار جريئة.. فالجرأة هي شباب العقل.‏ وما خلفه من تراث؛ قد يمثل أساسا كاشفا لكوارث متوقعة من مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وعلاجا للقحط الثقافي، الذي يلف مصر والوطن العربي من كل جانب.. ‪ ‬2ـ زكي نجيب محمود.. (1905 ـ 1993م) فيلسوف عربي مرت حياته الفلسفية بثلاثة أطوار؛ بدأت برفض التراث، وانتهت بالعودة إليه. وبدأ الطور الأول من أيام دراسته الأولى حتى سفره إلى أوروبا، وكان فيها ناقدا للحياة الاجتماعية، ومقدما لنماذج من الفلسفة القديمة والحديثة والآداب المعبرة عن الجانب التنويري، ومشاركا في تأليف كتب ثلاثة مع المفكر أحمد أمين. وبدأ الطور الثاني بعد العودة من أوروبا واستمر حتى ستينيات القرن العشرين، وخلاله تمت الدعوة لتغيير سلم القيم إلى النمط الأوروبي، والأخذ بحضارة الغرب باعتبارها حضارة العصر، ولشمولها جوانب إيجابية في العلوم التجريبية والرياضية، وتقديرها للعلم وجديتها في العمل، واحترامها لإنسانية الإنسان. وركز اهتمامه على الفلسفة الوضعية المنطقية، وعمل على شرحها؛ كفلسفة تدعو لسيادة المنطق العقلي. وعبر في كتاباته عن ذلك، خاصة كتاب «الفلسفة الوضعية وخرافة الميتافيزيقا». وفي الطور الثالث عاد زكي نجيب محمود إلى التراث؛ قارئا وباحثا عن إيجابياته، وعن سمات الهوية العربية، التي جمعت بين الشرق والغرب، وبين الحدس والعقل، وبين الروح والمادة، وبين القيم والعلم. وعمل زكي نجيب محمود بوزارة الإرشاد القومي (الإعلام والثقافة حاليا) سنة 1953، ثم سافر إلى الولايات المتحدة كأستاذ زائر في جامعة كولومبيا بولاية كارولينا الجنوبية، وانتقل إلى جامعة بولمان بالعاصمة الأمريكية، وعُين مستشارا ثقافيًا بالسفارة المصرية بواشنطن بين عامي 1954 و1955م، وعضوا في المجلس القومي للثقافة. وفي 1965 عهدت إليه وزارة الثقافة إصدار مجلة «الفكر المعاصر»، وبعد عودته من واشنطن التحق بهيئة التدريس في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وظل بها حتى أحيل إلى التقاعد، وظل يرأس تحرير «الفكر المعاصر» حتى سفره للعمل بجامعة الكويت في الفترة من 1968م إلى 1973م. وحين عاد من الكويت انضم إلى أسرة تحرير «الأهرام»، وانتظم في كتابة مقال أسبوعي كل ثلاثاء، وبلغ الاهتمام بالمقال أن خمس صحف عربية كانت تنشره في نفس يوم صدوره بالقاهرة. وأصدر عدة مؤلفات منها «المنطق الوضعي» من جزئين، و«خرافة الميتافيزيقا، ونحو فلسفة علمية»، وغيرها، إلا أن كتاب «تجديد الفكر العربي».. الذي استغرقت كتابته عشر سنوات؛ كما جاء في مقدمته.. يعتبر أحد أهم الكتب استيعابا للتراث والحداثة العربية.. وعلى المستوى الشخصي فقد أستفدت من ذلك الكتاب كثيرا. 3 ـ سليمان حزين (1909 ـ 1999م).. هو الدكتور سليمان أحمد حزين؛ عالم في الجغرافيا؛ منشئ المركز الثقافي المصري بلندن عام 1943م، ومؤسس قسم الجغرافيا بجامعة الإسكندرية سنة 1947م، كما أنشأ المركز المصري للثقافة العربية والإسلامية في مدريد سنة 1950م. وأسس جامعة أسيوط؛ كأول جامعة في صعيد مصر في 1955، وأول رئيس لها حتى عام 1965، ثم وزيرا للثقافة، ورئيسا لاتحاد الجغرافيين العرب، وأصبح عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة في 1978. يصفه الكاتب الصحافي محمد البرغوثي (صحيفة الوطن المصرية 2/ 5/ 2014): بأنه كان مهموماً بنقل مشاعل التنوير من جامعة القاهرة إلى ربوع مصر، خصوصاً قلب الصعيد والدلتا، في وقت كانت فيه هذه «الربوع» مجرد إقطاعيات شاسعة تملكها فئة قليلة تعيش في القاهرة ولا تغادرها إلا إلى باريس ولندن وتركيا لـ«الاصطياف» والعلاج، وكانت قرى مصر ونجوعها وكفورها ترسف في أغلال الفقر والمرض والجهل والاستعباد، ومنذ نهاية الأربعينيات انشغل في إنشاء مراكز دراسات وهيئات ثقافية عربية ودولية «مثل اليونسكو»، ومع ذلك لم يفارقه حلمه بنقل مشاعل التنوير إلى الأقاليم، وكان يضع علم الجغرافيا البشرية فوق كل فروع الجغرافيا الأخرى، ويعتبرها أهم ثروات الدنيا وأبرز مصادر التنوير والمعرفة والنهضة ومن آرائه أن العرب ذوي طبيعة خاصة تجفل من الوحدة القسرية، والسبب من وجهة نظره يعود إلى البدوية الكامنة في النفس العربية، ويشير إلى أن ابن البادية يعرف الانتماء للقبيلة أو الدولة، ولكنه لا يحب أن يُقاد ولا يقبل بأن ينقاد. ويرتاح للوحدة المتدرجة الهادئة؛ عبر قنوات شعبية ورسمية ومرحلية على فترة زمنية أطول دون تسرع قد يتسبب في الإضرار بقضية الوحدة ذاتها. ويؤكد على أن العرب يملكون كل المقومات اللازمة لتحقيق وحدتهم، فكل بقعة من بلادهم لها دورها الخاص في بناء القومية العربية والثقافة العربية، فالبادية كانت «ضمير» تلك الامة خلال التاريخ، وفيها تشكلت السجايا العربية بين الأعراب والبدو، وظهرت الشيم التي امتاز بها العرب على مر العصور، كالشهامة والنخوة والكرم والتضحية من أجل المجموع. ـ علي الوردي (1913 ـ 1995) هو علي حسين محسن عبد الجليل الوردي؛ مؤرخ وعالم اجتماع عراقي؛ عُرف بموضوعيته ومناصرته للدولة المدنية. وكان متأثرا بمنهج ابن خلدون. وجرَّت عليه موضوعيته في البحث مشاكل عدة، هاجمه الشيوعيون عندما لم يأخذ بالتحليل المادي للتاريخ، واتهم بالقطرية من قبل البعثيين.. بعد صدور كتابه « شخصية الفرد العراقي». واهتم الوردي بتحليل أصول المهاجرين وتميزت دراساته وأبحاثه بالصبغة الانثروبولوجية في غوصه في عمق المجتمع العراقي والمجتمع البغدادي وتقاليده المتحدرة من عهد الخلافة العباسية. وتناول دلالات المناسبات الدينية وأهميتها في حياة الفرد البغدادي؛ مثل المولد النبوي الشريف وذكرى عاشوراء. والى الآن لم يخلفه أحد. وكان علي الوردي قد صرّح في مقابلة قبل وفاته بفترة قصيرة أنه ترك عدة مخطوطات لكتب وطلب من ورثته نشرها بعد موته، ومرت السنوات دون ظهور أي من تلك الكتب. هذا ما سمحت به المساحة.. وما زال هناك علماء ومفكرون آخرون نحتاج التعرف عليهم في ظروفنا الراهنة؛ نخص منهم حامد عمار وعبد الله الريماوي وجمال الأتاسي وأنور عبد الملك وخير الدين حسيب وعصمت سيف الدولة وناجي علوش وأحمد صدقي الدجاني ومحمد عابد الجابري وعاصم الدسوقي وغيرهم، ونعيد تقديمهم للقارئ ونحن نبحث في المشروع البديل، الذي يواجه التقسيم والتفتيت والفتن والجهالة.

٭ كاتب من مصر

2016-09-09 2016-09-09
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير