وجدة: إحياء الذكرى الثالثة والستين لانتفاضة 16 غشت المجيدة

55002 مشاهدة

وجدة البوابة: وجدة في 16 غشت 2016

يخلد الشعب المغربي، اليوم الثلاثاء 16 غشت 2016، في غمرة أجواء إحياء الذكرى 63 لملحمة ثورة الملك والشعب، الذكرى 63 لانتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة، والذكرى 63 لانتفاضة 17 غشت 1953 بتاغوفالت بإقليم بركان، ملحمتان وضاءتان في مسيرة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال، وحدثان بارزان سيظلان موشومين في سجل الذاكرة المغربية، يؤكدان الدور الريادي والفريد الذي اضطلع به جلالة المغفور له محمد الخامس، رضوان الله عليه، الذي رفض الخضوع لإرادة الإقامة العامة الفرنسية الهادفة إلى النيل من السيادة الوطنية وتأبيد الوجود الاستعماري.

وأكدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في بلاغ بالمناسبة، أن انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة شكلت منعطفا بارزا في مسار الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال، وميزت الأدوار الطلائعية للجهة الشرقية في ملحمة الحرية والاستقلال بما قدمه أبناؤها من تضحيات جسام وبدماء شهدائها الأبرار التي سقت شجرة الحرية وافتدت العرش والوطن.

ولم تكن انتفاضة 16 غشت 1953، تضيف المندوبية، انتفاضة عفوية وتلقائية، بل كانت منظمة ومؤطرة، انتفاضة شاركت في صنعها جميع شرائح المجتمع الوجدي من عمال وفلاحين وتجار وصناع وموظفين وشملت مختلف الأعمار وكلا الجنسين بحيث تسلح الجميع بالإيمان وبعدالة القضية الوطنية مزودين بالسلاح الأبيض وهم يرددون عبارات “الله أكبر”، فكانت هذه الانتفاضة عارمة لم تكد تتسع لها كل أرجاء مدينة وجدة المجاهدة.

ومكنت انتفاضة 16 غشت 1953 التي قادتها ثلة من الوطنيين من أبناء المنطقة الشرقية الذين كانوا من السباقين إلى تأسيس الحركة الوطنية، هذه الربوع المجاهدة من الدخول إلى التاريخ من بابه الواسع بالنظر لما قدمه أبناؤها من تضحيات جسام. فكانت بحق قلعة من قلاع المغرب الصامدة في وجه قوات الاحتلال الأجنبي التي كانت تهدف إلى إحكام سيطرتها على البلاد منذ القدم.

لقد تصدى المغرب وهذه المنطقة الشرقية لحملة العثمانيين الهادفة إلى غزو المغرب، وتمكن رجالها الأبطال والأشاوس من دحرهم وردهم على أعقابهم. وفي هذا السياق، نورد مقتطفا من الدرر الثمينة التي خص بها جلالة المغفور له الحسن الثاني تغمده الله بواسع رحمته مدينة وجدة المجاهدة حيث قال رضوان الله عليه “ومنذ ذلك الحين وتاريخ وجدة في كل سنة أو في كل حقبة كان مقرونا بالصراع الذي كنا نعرفه مدا وجزرا لغزو المغرب من هؤلاء وأولئك”.

وقد كانت مدينة وجدة في صلب الصراع القائم بين الغاصبين لحرية الوطن وبين المكافحين من أجل استرداد حريته وانعتاقه، وفي طليعتهم جلالة المغفور له محمد الخامس ووارث سره ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحيهما.

ومما لاشك فيه أن الملابسات التاريخية التي أفرزت انطلاق انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة، والأسباب المباشرة المؤدية إلى اندلاعها تكمن بالأساس في اشتداد الأزمة بين القصر الملكي وسلطات الإقامة العامة والحماية، حيث اشتد الخناق والتضييق على جلالة المغفور له محمد الخامس لإرغامه على الابتعاد عن الحركة الوطنية والكف عن التواصل والتفاعل معها بل والتنكر لها وإدانتها.غير أن الموقف الجريء والحاسم الذي عبر عنه بطل التحرير رضوان الله عليه سيؤدي بسلطات الاحتلال إلى التفكير في نفيه ونفي ولي عهده آنذاك جلالة المغفور له الحسن الثاني وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

لقد بادرت الحركة الوطنية والمقاومة بوجدة إلى التحضير الدقيق والمحكم واللازم لإنجاح هذه الانتفاضة المباركة حيث تم استثمار يوم 16 غشت 1953، باعتباره يناسب يوم الأحد للقيام بعدة عمليات فدائية، نذكر منها مناوشة الجيش الاستعماري بسيدي يحيى وتخريب قضبان السكة الحديدية وإحراق العربات والقاطرات وإشعال النار في مخزون الوقود وتحطيم أجهزة محطة توليد الكهرباء ومداهمة الجنود في مراكزهم، ولا سيما بمركز القيادة العسكرية بسيدي زيان للاستيلاء على ما يوجد بها من عتاد حربي.

إن انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة وما تلاها من أحداث بركان وبني يزناسن والمناطق المجاورة، أبانت عن مدى التلاحم والترابط القائم بين القمة والقاعدة والذي تجلى في موقف جلالة المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، وهو ولي للعهد آنذاك، الذي كان ملهما لهذه الانتفاضة المباركة وعقلا مدبرا روحيا لها مما حدا بسلطات الاحتلال إلى محاكمة جلالته غيابيا.

وقد تم إحياء الذكرى بمدينة وجدة اليوم الثلاثاء 16 غشت 2016 بحضور المدير ممثل المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والكاتب العام لولاية جهة الشرق، ورئيس المجلس العلمي المحلي العلامة مصطفى بنحمزة، والسيد المندوب الجهوي لللمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وعدة شخصيات مدنية وعسكرية، وفيما يلي كلمة السيد محمد مهيدية والي جهة الشرق عامل عمالة وجدة أنجاد والتي ألقاها نيابة عنه السيد الكاتب العامل للولاية: 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

– السيد المدير ممثل المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير؛

– السيد ممثل المجلس العلمي المحلي؛ 

– السيد المندوب الجهوي لللمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير؛

–  السيدات والسادة من أسرة المقاومة وجيش التحرير؛

أيها الحضور الكريم.

أود في البداية أن أرحب بكافة الحاضرين، وفي مقدمتهم ممثل المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، والمقاومين وأسر المقاومة وجيش التحرير، الحاضرين معنا اليوم وكذلك أولئك الذين لم تسمح لهم الظروف للحضور من أجل تخليد الذكرى الثالثة والستين لانتفاضة 16 غشت 1953 المجيدة، والتي تعتبر إحدى المحطات الخالدة للكفاح الوطني والمقاومة ضد المستعمر.

ويأتي تخليد هذه المناسبة الجليلة إحياء لأمجاد الوطنيين المنتمين لجهة الشرق عموما ولمدينة وجدة على الخصوص، واعتزازا بما دونوه من صفحات مشرقة في النضال والمقاومة تحت قيادة بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه، وعرفانا بما قدمته هذه الربوع الطيبة من تضحيات من أجل رفعة الوطن والدفاع عن مقدساته وثوابته الوطنية.

ومما يضفي على هذه الذكرى المباركة هالة أكبر ومجدا أعظم أنها كانت أولى شرارات ثورة الملك والشعب لـ 20 غشت، التي اندلعت في كافة أرجاء الوطن دفاعا عن العرش العلوي المجيد، بعدما أقدمت السلطات الاستعمارية على فعلها الشنيع بنفي أب الأمة جلالة المغفور له محمد الخامس وأسرته الشريفة إلى جزيرة كورسيكا وبعدها إلى مدغشقر.

حضرات السيدات والسادة؛

إن ذكرى 16 غشت 1953، هي بحق يوم مشهود نستحضر فيه ما بذله وطنيونا من غال ونفيس، وما قدموه من دماء زكية، وأبدوه من شهامة وإباء نصرة لوطننا العزيز، ودفاعا عن حوزته ووحدته وشموخه ومقدساته.

كما تعتبر هذه الذكرى مناسبة غالية تعتز وتفتخر بها مدينة وجدة وجهة الشرق على الدوام، وهي ملحمة بطولية نتوخى من خلال الاحتفال بها كل سنة تجسيد قيم الوفاء والإخلاص لما بذله وطنيونا ومقاومونا من عظيم التضحيات وجلائل الأعمال من أجل الوطن، وأيضا لتعريف الأجيال الناشئة بالأمجاد التاريخية الوطنية. 

ولهذا الغرض، تبذل حاليا جهود حثيثة على صعيد مدينة وجدة لإنشاء متحف خاص بالمقاومة الوطنية حفظا وصيانة للذاكرة الوطنية، واحتفاء بالتاريخ النضالي، وإشاعة لقيم الوطنية والمواطنة، واعتزازا بوطننا ماضيه وحاضره.

حضرات السيدات والسادة؛

مباشرة بعد عودة جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، من منفاه إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1956، رفقة وارث سره جلالة المغفور له الحسن الثاني، قدس الله روحه، وباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، قال رحمه الله قولته الشهيرة التي دونت بمداد الفخر والاعتزاز “خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، معطيا بذلك الانطلاقة لبناء المغرب المستقل، مغرب العزة والكرامة.

وقد شاءت الأقدار أن ينتقل جلالة المغفور له محمد الخامس إلى جوار ربه سنة 1961، ليستكمل مسيرة التحرير والبناء والنماء جلالة المغفور له الحسن الثاني، الملك الباني، مبدع المسيرة الخضراء ومحرر الصحراء.

وسيلبي جلالة المغفور له الحسن الثاني نداء ربه في سنة 1999، ليتسلم مشعل البناء والتشييد وارث سره جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، الذي تعرف بلادنا في عهده ازدهارا كبيرا شمل جميع المجالات.

ومما تفتخر به هذه الربوع الغالية على جلالته، إطلاقه لمبادرة ملكية سامية لتنمية جهة الشرق، والتي أسس لها الخطاب السامي لـ 18 مارس 2003.

 وقد مكنت هذه المبادرة من تحقيق طفرة تنموية كبرى بالجهة في ظرف وجيز، جعلتها أحد الأقطاب التنموية الأساسية ببلادنا.

وإن ساكنة الجهة لمعتزة بهذه المبادرة، وتعتبرها منعطفا حاسما ولحظة تاريخية وضاءة تنضاف إلى ما تعتز به من أمجاد ومناسبات غالية، ومنها ذكرى 16 غشت 1953.

حضرات السيدات والسادة؛

إن بطولات جيل 16 غشت 1953 وما بعده يجب أن تشكل لنا جميعا وللأجيال القادمة محطة لاستلهام الخصال الحميدة التي تمتعت بها هذه الأجيال من حب للوطن واستماتة في الدفاع عنه وصون كرامة المواطن وتلاحم بين العرش والشعب، من أجل الذود عن وحدتنا الترابية  واستمرار مسيرة الحب والنماء والسلم والأمان.

ولا يسعني في الختام إلا أن أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان لكل المشاركين في هذا الحفل البهيج، كما أتقدم بتهاني الحارة للمكرمين والمحتفى بهم.

رحم الله شهداءنا الأبرار، أبناء هذا الوطن الغر الميامين، وفي طليعتهم بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس، ورفيقه في الكفاح جلالة المغفور له الحسن الثاني، قدس الله روحيهما.

وفقنا الله جميعا لما فيه خير لبلدنا تحت القيادة الرشيدة الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

2016-08-16 2016-08-16
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير