هل إصلاح التعليم يمر عبر حبس التلميذ؟؟

175355 مشاهدةآخر تحديث : الأحد 14 أغسطس 2016 - 7:08 مساءً
2016 08 14
2016 08 14

وجدة البوابة: نور الدين صابم

لا شك أن المتتبع لتاريخ الأزمة التعليمية من بدايتها، قد يرجع بذاكرته إلى سنوات الثمانينات من القرن الماضي…كان المتخرجون من الجامعات من كليات الآداب خاصة، يكلفون بالعمل في إطار الخدمة المدنية مدة سنتين. وكانت البدايات الأولى للعمل بهذا النظام تسمح للذين انتهوا من الخدمة المدنية،بتوجيه طلب الإدماج في سلك الوظيفة العمومية أي التدريس.ثم تلتها مرحلة يكون المتخرج من الجامعة في حالة تجنيد إجباري في إطار الخدمة المدنية، ولكن بعد الانتهاء منها يصبح عاطلا عن العمل. و المرحلة الثالثة تم العمل بالخدمة المدنية فقط دون السماح بتوجيه طلبات الإدماج في الوظيفة العمومية، ورغم هذا كانت الخدمة المدنية ينالها بعض الأشخاص من الذين لهم محسوبية و علاقات عائلية و ما شابه ذلك فقط… أما العامة فيحالون و يضافون إلى فريق البطالين أو المعطلين. من ثمة بدأ اليأس يتسرب إلى التلاميذ عندما وجدوا إخوانهم و جيرانهم و أبناء أسرهم ومن سبقوهم في الدراسة، و أنهوا مشوارهم الدراسي في حالة عطالة وعطلة دائمة، وفي حالة انتظار فرصة توظيف. في تلك الفترة كنا نسمع من كل التلاميذ الذين يمرون من المدرسة العمومية خاصة، يطرحون السؤال الوجودي: ما الفائدة من الدراسة و بذل الجهد إذا كان المصير الذي ينتظرني هو الجلوس في البيت و الالتحاق بصفوف العاطلين ؟ ومنذ ذلك الوقت اختفى الحافز إلى التعلم. و في كل نظريات التعلم التي كانت مراكز التكوين تلقنها للأساتذة في طور التكوين سواء منها الأوروبية أو الأمريكية، القديمة أو الحديثة والتي كانت تضع التلميذ كمحور في العملية التعليمية و التعلمية، كانت تركز على الحافز(المثير) و المكافأة الخارجي الذي يتحكم في الاستجابة stimulus -réponse . بل إن الحافز الخارجي هو الدينامو و الدافع القوي و المحرك الأساسي إلى التعلم. ولذلك اهتمت هذه المدارس النفسية بالتشجيع المادي (الجوائز) و بالتشجيع المعنوي(شهادات اعتراف). ورأت أن اختفاء التعزيز (التشجيع المادي (أي المكافأة) و المعنوي) يقلص من المثير أو الدافع إلى بذل الجهد حتى يختفي(أنظر تجارب بافلوف على سبيل المثال وحتى تجارب الجشطلت او ثورندايك الخ ) . إذن تقهقر المدرسة و الأزمة التي تعيشها الآن راجع بالأساس إلى عزلها وعزلتها عن محيطها الاجتماعي و الاقتصادي (ما نجده في دراسات الباحث المغربي محمد عابد الجابري عن مشكلة التعليم في المغرب وفي كل الكتب التي ألفها منذ السبعينات إلى قبيل وفاته، كانت تتجه إلى أن إصلاح التعليم يجب أن يمر عبر ربط المدرسة بالتنمية و بسوق العمل ). أي أن يكون التعليم واحدا من المساهمين في الإقلاع الاقتصادي و الاجتماعي. و لا ننسى أن كثيرا من المسئولين الذين تناوبوا على إدارة الشأن التعليمي(ظهر ذلك أكثر بعلانية فاضحة في عهد وزير التعليم سابقا السيد عزالدين العراقي)، كانوا يرددون على مسامع الشعب انزعاج المسئولين في الدولة من كلفة التعليم الباهظة ،عن نيتهم في تخلي الدولة عن هذا القطاع الاجتماعي نظرا لكلفته الباهظة، و أن الدولة عاجزة عن استقبال الأفواج الكبيرة من المتعلمين التي تبحث عن فرص في العمل. كيف يستقيم الأمر و الحصول على العمل كان من بين أبجديات الحقوق الأساسية للإنسان إلى جانب التعلم و الصحة و السكن و التعبير … و التي وقع المغرب على بنودها… و التعليم بدون آفاق الحصول على عمل و الانضمام إلى فريق العاطلين ، يثني المتعلم عن بذل الجهود في التعلم وخاصة في بيئات بسيطة وفقيرة و حتى متوسطة… كانت هذه البدايات التي أوصلتنا إلى النهاية المحتومة وهي أزمة المدرسة و أزمة التعليم و أزمة التعلم…وأزمة البطالة.. المسئولون الحاليون عن تدبير شئون التعليم يقررون الآن ، أن من بين بنود إصلاح التعليم إصدار عقوبات سجنية و مالية على التلاميذ الغشاشين في الامتحانات المدرسية. و تتراوح العقوبات المالية بين 5000 درهم و 100000 درهم(10مليون سنتيم) و مصادرة أدوات الجريمة التي استعملت في الغش لفائدة الدولة، في محاولة لزجر الغش.وقد صادق مجلس المستشارين على هذا القرار القاسي في حق التلاميذ في 20 من شهر يوليوز 2016… إصلاح التعليم لا يمكن أن يكون في ظل رغبات الدولة الملحة في خوصصة هذا القطاع.ذلك أن سد كل منافذ الوظيفة العمومية أمام فئات الشعب من المتعلمين، جعلهم في مواجهة قطاع خاص ضعيف ومستغل وعاجز عن إدماج الطالبين للعمل ، إضافة إلى كونه مستغل وهاضم للحقوق الأساسية للعمال . و قد أعلن عن هذه النوايا الخبيثة و القرارات المجحفة ، السيد رئيس الحكومة صراحة و بلا حياء(على المتخرجين من المعاهد و الجامعات البحث عن فرص العمل في القطاع الخاص أو تكوين مقاولات وعدم انتظار الوظيفة العمومية التي جعلها حقا لابنته و ليس حقا لأبناء المغاربة وجعل ابنه يحصل على منحتين(5000درهم × 2)و يسجل في مدرسة فرنسية لها وزن بينما أبناء الفئات المتوسطة لا يحصلون على منحة مغربية رغم هزالتها ) .أمام هذا الحيف و الميز الاجتماعي ، فان هذه المناظر تقضي على ما تبقى من رغبات المواطنين في تعليم أبنائهم، و القضاء على ما تبقى من آمال و رغبات التلاميذ في التعلم و بذل الجهد، زيادة على الأمراض الكبيرة التي راكمتها المدرسة العمومية عبر السنين منذ الاستقلال إلى اليوم (التخلي عن الأسس الرابعة كما أوردها الباحث محمد عابد الجابري )… إن الحكومات المتعاقبة جعلت المدرسة تواجه نهايتها المحتومة بسد الطريق بين المدرسة و التنمية و سوق العمل، وكان ذلك هو الحافز القوي للتلميذ في بذل الجهد و التنافس على التطور المعرفي.أما الحلول من هذا النوع (إقرارا عقوبات حبسية على تلاميذ ، و التسامح مع المتهربين من الضرائب من الفئات العليا و المتلاعبين بأراضي الدولة ) تجعلنا نقر أننا سجناء دائرة العبث و الاستهتار خاصة عندما نجد أن هذا القانون(عقاب التلاميذ الغشاشين) لن يطبق إلا على أبناء الفئات التي لا ظل لها على الأرض فقط، الذين لا يجدون سندا من أعالي القوم يحمونهم.. “أحد أعضاء جمعية أباء و أولياء التلاميذ استغرب التوجهات التشددية للبرلمانيين في حق التلاميذ وإقرار عقوبات قاسية تصل خمس سنوات متسائلا : لماذا لا تعمم هذه العقوبات حتى على البرلمانيين الغشاشين في شراء الأصوات الذين إذا ضبطوا متلبسين لا يدخلون السجن فقط التوقيف و الحرمان من الترشح مرة أخرى” من مجلة الأسبوع الصحفي العدد 1333/896

وجدة البوابة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي وجدة البوابة