ندوة “السينما والتسامح المغاربية”.. عنف الصورة أكثر إقبالا عند الجمهور

80911 مشاهدة

ندوة “السينما والتسامح المغاربية”.. عنف الصورة أكثر إقبالا عند الجمهور

تشكل الندوات المغاربية الموضوعاتية في كل دورة من دورات المهرجان المغاربي للفيلم بوجدة، إحدى المحاور و الفقرات القوية في المهرجان، بحيث تختار بعناية فائقة من قبل اللجنة المنظمة و تحاول من خلالها إشراك ثلة من المثقفين و السينمائيين و الإعلاميين المغاربيين المرموقين.

و جاءت ندوة هذه النسخة موازية مع أحداث و صراعات عرفتها المنطقة  المغاربية خاصة بتونس و ليبيا بعد ما سمي بالربيع العربي، و شارك في هذه الندوة التي قدمها الشاعر يحيى عمارة عضو إتحاد كتاب المغرب، و نشطها الكاتب و الروائي الجزائري الكبير واسيني الأعرج بمعية النقاد : مولاي إدريس الجعايدي و أحمد فرتات و مصطفى حسناوي و بوشتى فرق زايد و مدير مركز الدراسات و البحوث الإنسانية و الإجتماعية بوجدة سمير بودينار.

كان الكاتب والروائي  واسيني الأعرج أول المتدخلين واعتبر أن هناك تشابها بين السينما والأدب ولذلك سيحاول الحديث عنهما معا، ثم أضاف أنه ولد في زمن الحرب حيث قتل والده بها الأمر الذي كان له أثر عليه كطفل، لكنه حينما كبر تساءل هل سيبقى مثبتا في هذا العالم المليء بالضغينة أم أنه سيحاول التخلص منه والمرور لعالم آخر مختلف؟ وكذلك فعل أوحاول على الأقل.

واسترسل واسيني الأعرج قائلا  أن السينما التي  تناولت المسألة الألمانية النازية خير نموذج في هذا السياق،  إذ أننا لا نشاهد في الأفلام التي تناولت هذا الموضوع وجهة نظر واحدة وهي وجهة نظر غربية ضد ألمانيا، وحينما جاءت وجهة نظر مختلفة عن فيلم يصور هيتلر بشكل إنساني لم يتم تقبلها وكان للحركة اليهودية دور في محاربته وجعله يعرض بشكل جد محدود. وأضاف أن الفكرة التي يمكن الخروج بها من هذا الفيلم أن الألمان كانوا مقتنعين بما يفعلونه وكونهم لم يكونوا مخطئين.

وبخصوص تعامله مع تيمة التسامح في روايته “الأمير” قال الأعرج أنه حاول إعطاء الجواب لإطروحات هينغينتون الخطيرة والمغلوطة حول صراع الحضارات، وتساءل بداية وقبل البدء في الكتابة كيف يمكن إنتاج نص أدبي عن هذا دون أن يعيد إنتاج نفس الخطاب، وتكون فكرة التسامح ضمنية ولا تحس بشكل مباشر؟ ثم وجد في شخصية عبد القادر، الشخصية التي يمكن من خلالها تمرير ما أراد قوله في هذا السياق.

وكان نتيجة الحوار المتسامح بين الأمير عبد القادر وبين شخصيات مسيحية أهمها المونسينيور دوبلوس، أنه أنقذ بعد ذلك 1500 مسيحي في سوريا بعد نفيه بها، وقد ألف عنه دوبلوس كتابا به لمسات من التسامح تميز شخصية الأمير.

وكان ثاني المتدخلين هو الناقد والباحث الدكتور بوشتى فرق زايد بمداخلة عنونَها ب “تجليات التسامح في السينما المغربية”، واستهلها بنفي ومعارضة ما ذهب إليه المفكران علي أومليل ومحمد أركون اللذان أكدا على أنه ليست هناك فكرة للتسامح في العالم العربي سوى في النصوص فقط، وأتى بنماذج للشخصيات متسامحة وداعية للتسامح عبر التاريخ العربي كابن رشد على سبيل المثال. أما في الثقافة الغربية فحضرت فكرة التسامح عند كثير من المفكرين الغربيين كجان جاك روسو ومونتيسكيو.

وأكد فرق زايد أن فكرة التسامح سواء تعلق الأمر بماهو سياسي أو ديني  أو اجتماعي مرتبطة بنسبية الحقيقة وتأصيل الاختلاف واعتباره أصلا. مضيفا أن السينما جاءت بعد عصر الأنوار، وكان الهم الأساسي للسينمائيين منذ البدايات تأصيل التسامح وهناك مثالان كبيران لهذا وهما غريفيث وإيزينشتاين.

وأضاف فرق زايد أننا نجد أن موضوع التسامح كان حاضرا في السينما المغربية،  لكن الأمر لم يكن  نابعا من رؤية للعالم لكن انطلاقا من تيمات ومواضيع تم توجيه السينمائيين لتناولها. فمجموعة من الأفلام المغربية  اهتمت بالتسامح الديني على الخصوص، ومن بين هذه الأفلام فيلم “فين ماشي يا موشي” لحسن بن جلون” و” الرجال الأحرار” لاسماعيل فروخي، لكن هذه الأفلام كانت تحت الطلب ولم تكن تحمل رؤية   للعالم والإنسان، حسب مايراه فرق زايد.

وفي هذا السياق قام المتدخل بمقارنة بين السينما الإسرائيلية والأفلام العربية و المغربية على الخصوص ليجد أن هذه الأخيرة كانت تُحابي الجانب الآخر فيما أن الأفلام الإسرائيلية أظهرت العربي بصورة بشعة وغير موضوعية. وتساءل لماذا لم يعتمد المخرجون المغاربة على بحوث وملفات في هذا السياق من بينها ملف مهم نشرته مجلة “الزمان” وخصصته لقضية اليهود المغاربة.

وأضاف أن نبيل عيوش تناول قضية التطرف الديني والإرهاب في فيلمه “يا خيل الله”  بصورة مأنسنة، وأن سعد الشرايبي في فيلمه “عطش” أنسن بدوره المستعمر الفرنسي، إضافة لكل الأفلام التي أنتجت في إطار ماسمي بسنوات الرصاص، والتي كانت تحت الطلب، إذ صوروا ما قيل لهم وتم توجيههم نحوه فقط.

الباحث والناقد مولاي إدريس الجعايدي، تناول فكرة التسامح من خلال  أفلام يوسف شاهين، الذي مر من عدة مراحل في تناوله لهذه القضية، بداية من فيلم “الناصر صلاح الدين” مرورا “بالمهاجر” ووصولا ل”المصير”. ففي الفيلم الأول كانت نظرة التسامح ظاهرة وليست  نفس النظرة التي أعطاها ريدلي سكوت مثلا في فيلمه والتي كانت نظرة صدامية.

وأضاف أن فكرة الدفاع عن التسامح تحضر عند يوسف شاهين حتى لو اضطر لمواجهة السلطتين السياسية والدينية ، إذ أنه بعد “المهاجر” وقع صدام بينه وبين السلطة الدينية ، رغم أنه لم يتطرق في فيلمه هذا لصورة يوسف النبي بل صور يوسف الإنسان، الذي يكرس لقيم التسامح والانفتاح على الآخر، وكان شاهين دائما  -حسب المتدخل – يحاول تغيير المفاهيم حتى لو أدى ذلك إلى الاصطدام مع السلطة السياسية أو الدينية.

وفي فيلم “المصير” حاول شاهين مراجعة ومواجهة  التصور الذي تم إنتاجه حول الأندلس. وهو لم يتوارى في مواجهة المؤسسات كيف ماكان نوعها، وفي تكريس التسامح والانفتاح على الآخر.

الناقد أحمد فرتات في مداخلته  المعنونة ب”التسامح من الزاوية التاريخية منذ بداية ميلاد السينما” ألقى نظرة على تاريخ الفيلم الوثائقي وكيف أنه ساهم في تكريس قيم التسامح والحث على قبول الآخر المختلف، واقترح تناول هذا الموضوع عبر التاريخ السينمائي ومن خلال نوع سينمائي محدد هو “الوثائقي”. والذي كان له دور مهم جدا في تكريس قيم التسامح منذ بداية السينما.

إذ أنه مع بداية السينما كان الوثائقي هو النوع الأول  مع الإخوة لوميير وغيرهم، الذين أرسلوا بعثات عبر العالم لتصوير أفلام وثائقية منها ماهو غير ذو قيمة فنية، لكن بالمقابل كانت هناك تحف كرست لتيمة التسامح والاختلاف. وأورد المتدخل شهادات وأقوالا لميسغيش تكرس للاختلاف وتظهر مدى اقتناعه بضرورة الانفتاح على الآخر وقبوله وتصويره، ثم تحدث عن تجربة فلاهيرتي وفيرتوف وغريفيث.

الناقد مصطفى الحسناوي  تحدث في مداخلته عن “العنف والتسامح في السينما” مبينا أن التسامح مجرد فكرة حالمة، وأن السينما كانت لها دائما علاقة وثيقة بالعنف كمادة أو كتناول لهذه التيمة، وأن الكثير من الأنواع السينمائية كأفلام “الويسترن” وأفلام المراهقين  صورت العنف كأعمال بطولية وكأنها كانت بذلك تمجده، وأتى الحسناوي في هذا السياق بأمثلة أهمها  مشاهد من فيلم “القيامة الآن” لفرنسيس فورد كوبولا. وأضاف أن هنالك نماذج حيث يصبح المشاهد في حالة غير مُدركة أو غير قادر للتفريق بين ماهو على الشاشة وما هو واقعي، كمثل على ذلك، ما وقع مع فيلم نبيل عيوش “الزين للي فيك” وهذا يحدث أيضا مع أفلام العنف.

وأضاف أننا نجد الأفلام التي تشتغل على العنف إما تقوم بعملية التطهير بحيث تلعب دور “الكاتارسيس” لدى المشاهد، وهذا ما نجده في أفلام تارانتينو التي تفكك العنف كي تخلص المشاهد منه، أوالعكس كونها تحث على العنف.

وفي الأخير خلص الحسناوي إلى أن العلاقة بين السينما والتسامح  محدودة في “أفلام تربوية” فقط.

الباحث الاجتماعي سمير بو دينار، تناول في مداخلته المعنونة ب “التسامح كقيمة سينمائية” اعتبر أن قضية التسامح في السينما قضية مصيرية  لأن الطفل يجد نفسه في سن مبكرة أمام  آلاف من صور العنف في الأنترنيت، “وهذا ما يجعلنا نتصور مدى الصعوبة التي سيجدها من يطمح لنشر قيم بديلة ومتسامحة” يضيف المتدخل. وأتى بنموذج فيلم “طومبوكتو” للموريتاني عبد الرحمان سيساكو الذي لم سيتطع نيل الأوسكار رغم كونه يكرس قيم التسامح.

ع. بلبشير

2016-04-13 2016-04-13
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير