لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية

87222 مشاهدة

كثير هو الهرج و المرج الذي أحدثه زلزال تسونامي، لدى من أسميتهم شخصيا بمؤدلجي الدين الإسلامي في جميع أنحاء العالم، و عندنا هنا في المغرب، و في حزب سياسي قام في الأصل و في الفصل على ادلجة الدين الإسلامي التي لا علاقة لها بالدين الإسلامي الذين يسميهم البعض  بالإسلاميين، أي المنسوبين إلى الإسلام الذين لا علاقة لهم بالإسلام، و الذين يصدق عليهم قوله تعالى “قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم” و يسميهم البعض الآخر بالمتأسلمين الذين يدعون انهم مسلمون لحاجة في نفس يعقوب، و نسميهم نحن بمؤدلجي الدين الإسلامي لفقدانهم إيديولوجية يعتمدونها في مواجهة الإيديولوجية البورجوازية و إيديولوجية الطبقة العاملة في نفس الوقت مع إعطاء الأولوية لمواجهة إيديولوجية الطبقة العاملة، ثم الإيديولوجية التي تدعمهم في عملية مواجهة الطبقة العاملة، و العمل على إقصاء إيديولوجيتها، و إيهام الناس بأن حل المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ترجع إلى استعادة حكم “الدولة الإسلامية” الضائع، و تطبيق “الشريعة الإسلامية”. و ليس في تحقيق الحرية باعتبارها أملا إنسانيا ساميا تسعى كل الشرائع السماوية إلى تحقيقها بنسبة أو بأخرى من خلال إخلاص العبادة لله وحده دون سواه، و من خلال القيم الإنسانية النبيلة التي جاء بها القرءان الكريم، و غيره من الكتب السماوية التي لم يلحقها تحريف إيديولوجي، و سياسي. كما انه ليس في تحقيق الديمقراطية التي تساعد على اجرأة تلك الحرية و تمكين الإنسان من الاختيار الحر و النزيه في اختياره الدستوري، و اختيار المؤسسات التي تمثله و إفراز الحكومة التي تشرف على تسيير شؤونه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى يطمئن على مصيره في جميع مجالات الحياة، و انه ليس في تحقيق العدالة الاجتماعية التي تعتبر وسيلة لتحقيق التوزيع العادل للثروة على جميع أفراد المجتمع حتى يتأتى للجميع العمل على التمتع بالخيرات المادية و المعنوية على أساس المساواة فيما بينهم، بدعوى أن الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية التي ليست إلا دعوات “للكفار و الملحدين و الصهاينة” و غير ذلك من الأوصاف التي يختارونها بدقة لجعل الناس يعتقدون أن من حقهم التمتع بالحرية و بالديمقراطية و بالعدالة الاجتماعية.

لكن هؤلاء المؤدلجين سرعان ما يطرحون أن من حقهم التمتع بالحرية إذا ما تمت محاصرتهم من الاستبداد القائم، حتى تتاح لهم فرصة ممارسة تضليل الشعب دون وازع ضمير، و اختصار الممارسة الدينية في تكريس الممارسة السياسية باسم الدين، و سرعان ما يطرحون الممارسة الديمقراطية عندما تصير وسيلة للوصول إلى المؤسسات المقررة في مصير الشعب من اجل جعلها مشرعنة الاستبداد البديل. و سرعان ما يحرصون على تحقيق العدالة عندما يتعلق الأمر بالحصول على تمويل الأحزاب، و تمويل الجرائد، و تمويل الحملات الانتخابية من أموال الشعب.

و لتناول موضوع ” لا عدالة ولا تنمية في مفهوم العدالة و التنمية” سنتناول مفهوم العدالة و مفهوم التنمية، و خطاب العدالة خطاب التضليل و خطاب التنمية خطاب التخلق. و هل من العدالة استغلال الدين في الأمور الإيديولوجية و السياسية ؟ و هل من التنمية إنتاج خطاب التخلف ؟ و ماذا لو امسك مؤدلجو الدين الإسلامي في العدالة و التنمية عن ادلجتهم للدين الإسلامي ؟ و هل يمسك مؤدلجو الدين الإسلامي في العدالة و التنمية عن إنتاج خطاب التخلف ؟ و هل من العدالة و من التنمية اعتبار مغربنا العزيز ماخورا ؟ ألا يمكن اعتبار تفاقم المشاكل الأسرية التي تكتب عنها الجرائد يوميا هو نتاج خطاب تخلف العدالة و التنمية ؟ ألم يحن الوقت للإمساك عن ادلجة الدين الإسلامي و توظيفه في الأمور السياسية ؟ ألم يحن الوقت لممارسة السياسة، و في واضحة النهار بعيدا عن الدين ؟ ألم يتعرف هؤلاء على قول الله “و تلك الأيام نداولها بين الناس”؟ وصولا إلى امتلاك تصور أن مصطلح “العدالة” وظف قصدا في الأمور السياسية لمحاربة تحقيق العدالة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و أن مصطلح التنمية وظف لمحاربة التنمية بأشكالها المختلفة و باسم الدين من اجل المحافظة على التخلف الذي يتحرك فيه رهط “العدالة و التنمية” الذي لا ينشط مثل الفيروسات المضرة إلا في المستنقعات. و مستنقع التخلف هو اكبر مستنقع لتكريس تضليل “العدالة و التنمية” لتحقيق شعار لا عدالة و لا تنمية بدون مزدوجتين، حتى لا يجف الماء العكر من مستنقع التخلف الذي لا يستهدف بفيروساته إلا الأفكار التقدمية و المتنورة المعتمدة في النضال من اجل تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية باعتبارها شرطا لتحقيق العدالة و التنمية فعلا على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لنقل المجتمع المغربي بمختلف فئاته الاجتماعية من مستوى التخلف إلى مستوى التقدم الذي تنشده البشرية في كل مكان.

مفهوم العدالة :

و إن من القيم النبيلة التي يسعى الناس جميعا في الشرق و في الغرب، في الشمال و في الجنوب إلى تحقيقها على ارض الواقع، و انطلاقا من مقاييس محددة تتناسب مع الاختلاف في طبيعة التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و مع الاختلاف في الزمان و المكان، هي قيمة العدالة بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي ، فماذا نعني بالعدالة ؟

إن العدالة مصدر عدل يعدل بين شيئين، إذا وازن بينها، و عدل يعدل بين شخصين إذا مكنهما من التمتع بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. فخلق التوازن بين الأشياء و بين الناس يضمن سلامة الأشياء، و سلامة البشر من الوقوع ضحية للكوارث التي تصيب الأشياء كما تصيب البشر بسبب فقدان التوازن.

و على المستوى الاصطلاحي، فالعدالة تعني تحقيق المساواة بين الناس في الحقوق و في الواجبات و على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تمكينهم من الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية حتى يشعروا بإنسانيتهم التي سلبت منهم في مختلف المراحل التاريخية السابقة.

و هذا المفهوم يختلف من دين إلى دين آخر، و من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أخرى، و من زمن إلى زمن آخر، و من مكان إلى مكان آخر.

فالعدالة عند اليهود ليست هي العدالة عن المسيحيين، و ليست هي العدالة عند المسلمين. و الإنسان بطبيعة الحال لا يسعى إلى اكثر من تمتيعه بحقوقه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في أي تشكيلة اقتصادية اجتماعية، سواء كانت إقطاعية أو رأسمالية أو اشتراكية، غير أن التشكيلات الإقطاعية و الرأسمالية لا تقوم على تقرير العدالة بقدر ما تقوم على حرمان الكادحين بالخصوص من جميع الحقوق إن لم نقل معظمها في احسن الأحوال. فطبيعة التشكيلتين المذكورتين تقوم على أساس الاستغلال البشع للكادحين في المجتمع. و الاستغلال يتناقض مع العدالة بمفهومها اليهودي أو المسيحي أو في الدين الإسلامي. و لذلك لا مجال للحديث عن شيء اسمه العدالة في هاتين التشكيلتين. و التشكيلة الوحيدة  التي يمكن أن تحضر فيها العدالة هي التشكيلة الاشتراكية إذا تحررت من الجمود العقائدي. و لذلك، فالعدالة في الاشتراكية تعادل التمتع بالحقوق الإنسانية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، كما تعادل تحقق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية في واقع المجتمع الاشتراكي. و لذلك يمكن القول أن العدالة بمفهومها الاشتراكي تتمثل في إلغاء جميع الفوارق الطبقية و العرقية و اللغوية و القومية و الثقافية و السياسية بين جميع الناس على اختلاف جنسهم أو لونهم أو عرقهم أو لغتهم أو ثقافتهم حتى يصيروا جميعا متساوين في الحقوق و الواجبات.

و هذا المفهوم لا يمكن أن يستوعبه مؤدلجو الدين الإسلامي، و لا يمكن أن يتعاطوا معه إيجابا بقدر ما يسعون إلى نفيه، لأنهم يعتبرون العدالة في وصولهم إلى الحكم، أو إلى مراكز القرار لفرض تطبيق “الشريعة الإسلامية” بقوة الحديد و النار. و لكن ما هي الشريعة الإسلامية التي يحققونها ؟ هل هي تلك التي طبقها الرسول ؟ هل هي التي طبقها أبو بكر ؟ هل هي شريعة عمر أو عثمان ؟ هل هي شريعة علي بن أبي طالب ؟ هل هي شريعة كل خليفة من خلفاء بني أمية ؟ هل هي شريعة كل خليفة من خلفاء بني العباس ؟ هل هي شريعة الأمويين في الأندلس أو الادارسة في المغرب ؟ هل هي شريعة شيعة إيران ؟ هل هي شريعة الوهابيين في الجزيرة العربية ؟ هل هي شريعة الإخوان المسلمين ؟ هل هي شريعة الخوارج في مختلف العصور ؟ هل هي شريعة العثمانيين أو الأتراك حاليا ؟ هل هي شريعة حزب الله في لبنان ؟ أو حماس في فلسطين ؟ أو شريعة بن لادن و الظواهري في أفغانستان ؟ هل هي شريعة الطالبان ؟… إننا لا ندري ما هي “الشريعة الإسلامية” التي تحقق العدالة ؟ و ما مضمون هذه العدالة في نظر مؤدلجي الدين ؟ هل هو مضمون اقتصادي ؟ هل هو مضمون اجتماعي ؟ هل هو مضمون ثقافي ؟ هل هو مضمون سياسي ؟ و هل يمكن أن يتخلى مؤدلجو الدين الإسلامي الذين نسميهم ب”الحزبوسلامي” أي الحزب المنسوب إلى الإسلام عن فرض الاستبداد أو السعي إلى فرض الاستبداد ؟

إن مفهوم العدالة الذي يذهب إليه مؤدلجو الدين الإسلامي، و منهم حزب “العدالة و التنمية” المغربي لا يمكن أن يعني إلا الاستبداد بالمجتمع على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و العمل على تجييش الناس جميعا وراء الحزبوسلامي المستبد لخدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي الطبقية الإقطاعية البورجوازية. و ما سوى هذا المفهوم فهو دخيل على الدين الإسلامي و على المسلمين في جميع أنحاء العالم، و من يعمل به من المسلمين فهو كافر و ملحد، و ما يقام من مؤسسات على أسس مخالفة لما يراه مؤدلجو الدين الإسلامي “شريعة إسلامية” يعتبر من مؤسسات الكافرين، و هو مخالف لما تقتضيه “العدالة” حسب مفهومهم، و يجب التخلص منه و استئصاله من الواقع بكل تلويناته و أشكاله حتى لا يبقى إلا ما يراه مؤدلجو الدين الإسلامي “شريعة إسلامية”.

و عندما يتعلق الأمر بالدول، و بالأحزاب السياسية الأخرى، فإن كل دولة ترى في برنامجها الذي تطبقه حكومتها هو العدالة، و كل حزب يرى في برنامجه هو العدالة، و تنسى الدول أنها إنما هي أدوات للسيطرة الطبقية، كما تنسى الأحزاب أنها مجرد تنظيمات سياسية تمثل طبقات اجتماعية معينة تسعى إلى الوصول إلى الحكم. و أن الحزب الوحيد الذي يمكن أن نعتمد برنامجه الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي هو حزب الطبقة العاملة، لأن من مصلحة هذه الطبقة و عبر حزبها السياسي أن يسعى هذا الحزب إلى تحقيق العدالة في حالة وصوله إلى الحكم، لأنه سيعمل على تحقيق النظام الاشتراكي في بلد معين باعتباره هو النظام الاصلح لتحقيق المساواة بين الناس و على جميع المستويات، و انطلاقا من هذا الاستنتاج يمكن القول بأنه لا عدالة في خطاب ” العدالة و التنمية”.

مفهوم التنمية :

و كما قلنا في مناقشتنا لمفهوم العدالة، فإن استعمال مفهوم التنمية أيضا يقصد منه تضليل الكادحين الذين يفتقرون إلى التنمية حتى يعتقدوا أن ما يسعى إليه مؤدلجو الدين الإسلامي هو عين التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية. و الواقع أن ما يسعى إليه الحزبوسلامي المؤدلج للدين الإسلامي ليس إلا تراجعا إلى الوراء، ذلك التراجع القاضي بتحقيق استعادة “دولة الإسلام” كما عرفها تاريخ المسلمين و كما سعى إليها مؤدلجو الدين الإسلامي في مختلف العصور من اجل تطبيق “الشريعة الإسلامية”. و لذلك فالتنمية بالنسبة إلى الحزبوسلامي الذي لا يعرف الطريق لا إلى العدالة، و لا إلى التنمية ليست إلا شطب كل أشكال التنمية القائمة في الواقع و القاضية بتحديث الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي حتى لا يتناسب مع ما هو سائد في كل القارات الخمس، و حتى لا يتناسب مع العصر الذي نعيشه.

فما المراد بالتنمية ؟ و ما مفهوم الحزبوسلامي للتنمية ؟ و ما مفهوم الأحزاب السياسية و الدول القائمة للتنمية ؟

إننا بارتباطنا بهذا المفهوم نجد أنه مأخوذ من نمى المزيد بالتضعيف من الفعل المجرد نما ينمو نموا بمعنى زاد. و نمى تنمية بمعنى جعله يزيد، لتكون بذلك التنمية مصدرا لفعل من أفعال الجعل، الذي يقضي بحصول زيادة في شيء معين. و هذا الشيء هو الفعل الخارجي المتمثل في قيام جهة خارجية بجعل شيء معين ينمو وفق شروط معينة و انطلاقا من خطة معينة مرسومة حتى تستطيع تلك الجهة تحقيق الأهداف المتوخاة من وراء جعل ذلك الشيء ينمو نموا معينا.

و انطلاقا من هذا التصور اللغوي، فإننا نعتبر أن التنمية هي ممارسة اقتصادية اجتماعية ثقافية من منظور سياسي معين لجعل حياة شعب من الشعوب تنتقل من واقع متدن إلى واقع أرقى.

فتحويل الاقتصاد الإقطاعي إلى اقتصاد رأسمالي متطور، و ممكنن يعتبر تنمية اقتصادية. و كذلك تحول الإنتاج الرأسمالي إلى إنتاج اشتراكي أيضا يعتبر تنمية اقتصادية قائمة على أساس توزيع الثروة بين جميع أفراد المجتمع بسبب الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.

و العمل على جعل جميع الناس يتمتعون بجميع الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في ظل دولة الحق و القانون أو في ظل الدولة الاشتراكية يعتبر تنمية اجتماعية.

و العمل على التنشيط الثقافي، و دعم جميع الوسائل الثقافية و إشاعتها في المجتمع على أساس أن جميع المكونات الثقافية متكافئة فيما بينها حتى تساهم جميعا في بلورة قيم ثقافية متطورة و مساهمة في تطور شعب من الشعوب من خلال تطوير مسلكيات الأفراد و الجماعات يعتبر تنمية.

و الحرص على المساواة بين الجنسين، و أمام القانون في الحياة المدنية يعتبر تنمية.

و السعي إلى إيجاد دستور ديمقراطي من الشعب و إلى الشعب، و إجراء انتخابات حرة و نزيهة لإيجاد مؤسسات تمثيلية حقيقية تعتبر أيضا تنمية.

لأنه بهذه الأشكال التنموية، و في هذه المستويات المختلفة يمكن للشعب – أي شعب – أن ينتقل من وضعية متخلفة إلى وضعية متطورة، و تزداد تطورا بفعل الاستمرار في التنمية المستدامة.

فهل يحضر هذا المفهوم للتنمية في ممارسة الحزبوسلامي المدعو “العدالة و التنمية” ؟

إن الحزبوسلاميين المتنبئين الجدد المؤدلجين للدين الإسلامي يعتبرون كل أشكال التنمية المشار إليها في صياغتنا لمفهوم التنمية الذي نقتنع به أشكالا من الكفر و من الردة عن الدين الإسلامي حسب تأويلاتهم الإيديولوجية لهذا الدين، فلا شيء اسمه التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو المدنية أو السياسية إلا في ظل “الدولة الإسلامية”. و حسب مفهوم الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لمفهوم التنمية، و عن طريق تطبيق “الشريعة الإسلامية”. لذلك فكل من يقتنع بهذه الأشكال من التنمية ليس إلا كافرا و ملحدا بسبب علمانيته، و ديمقراطيته. لأن العلمانية و الديمقراطية من علامات الكفار و الملحدين، و لذلك نجد أن هؤلاء ينخرطون في الحزبية بعدما ادلجو الدين الإسلامي و حولوه إلى مجرد إيديولوجية للحزبوسلامي (العدالة و التنمية)، و يصير مفهومهم للتنمية هو مجرد مفهوم حزبي ينضاف إلى بقية المفاهيم الحزبية التي يحمل كل منها مفهوم الطبقة الاجتماعية التي تعبر إيديولوجيته عن مصالحها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لكنه يعتبر مفهومه المستند إلى الدين الإسلامي هو الأصلح، و أن جميع الأحزاب ليست على حق في مفاهيمها للتنمية، و كذلك الشأن بالنسبة للدول التي ليست إلا أدوات للسيطرة الطبقية للطبقات الاجتماعية التي تصل إلى امتلاك السلطة. فمفاهيم مختلف  الدول ليست إلا مفاهيم الطبقات السائدة و الحاكمة في نفس الوقت، و حسب الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) فالدولة الوحيدة التي تملك مفهوما صحيحا للتنمية هي “الدولة الإسلامية” التي تعمل على تطبيق “الشريعة الإسلامية”.

و الواقع أن الحزب الوحيد الذي يحمل مفهوما علميا للتنمية هو حزب الطبقة العاملة، و أن الدولة الوحيدة التي تعمل على إيجاد تنمية حقيقية هي الدولة الاشتراكية، لأنها لا تقتصر على الاقتصاد وحده، و إنما تشمل كذلك الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

و بذلك نصل إلى أن التصور الذي يحمله الحزبوسلامي للتنمية هو تصور غير علمي، و غير مقبول، و غير مطور للواقع، و غير مساعد على تطور المجتمع على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية بقدر ما يدخل المجتمع المغربي بالخصوص في متاهات التخلف الناتجة عن الانشغال بالغيب بدل الارتباط بالواقع، و التفكير في اليوم الآخر بدل الاشتغال على تطوير الحياة التي يعيشها و على جميع المستويات، مما يجعلنا نجزم بأنه لا تنمية في عرف و ممارسة الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) مما يجعله حزبا مشرعنا للتخلف، و مشتغلا على تصريف أهوال القبور، و حوار مع الجن و أشياء أخرى لا علاقة لها بالواقع، و لا يمكن أن تساهم في تطوره.

خطاب العدالة و خطاب التضليل :

و إن اعتماد خطاب ادلجة الدين الإسلامي الذي يعتمده الحزبوسلامي منذ مقتل عثمان بن عفان و إلى يومنا هذا و خاصة ما يقوم به الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) على انه هو خطاب العدالة يعتبر اكبر كذبة في تاريخ البشرية لأن ادلجة الدين ليست هي الدين. فالدين يهدف إلى  إخلاص العبادة لله، و ادلجة الدين تهدف إلى الوصول إلى السلطة باسم الدين، و ما دام زمن الرسالات قد انتهى بموت الرسول محمد بن عبد الله، و بالضبط بنزول قوله تعالى “اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا” فلا يعقل أبدا أن يوجد بعد ذلك من يقوم بتلقي الرسالة من الله كنبي و كرسول، حتى و إن كان هو “الحزبوسلامي” و في أي عصر و في أي مكان وجد هذا الحزب حتى و إن كان هو (العدالة و التنمية) في مغربنا الحبيب. و كل ما هنالك أن الحزبوسلاميين المؤدلجين للدين الإسلامي يلجأون إلى تأويل النص الديني بما يخدم أهواءهم و مصالحهم الطبقية فيلجأون في نفس الوقت إلى تقديس ذلك التأويل، و يجعلون الناس يقدسونه، فيتوهمون أن تأويلاتهم بمثابة الوحي الذي ينزل من السماء، فيقدسونها على أنها النصوص الدينية، و يعتبرون المؤول أو الزعيم السياسي بمثابة الرسول الذي ينزل عليه الوحي فيتجيشون وراءه متلقفين تأويلاته، و متربصين ببصاقه، و مخلفاته التي تمجها النفس فيتبركون بها، و يعملون على جعل الناس يحجون إليها حتى تنتشر بركات الزعيم الديني الذي يتلقى الوحي بطريقة غير مباشرة من الله الذي يهدي من يشاء و يعز من يشاء و يذل من يشاء، و لا راد لارادته. و مؤدلجو الدين الإسلامي عند يقومون بذلك في إطار الحزبوسلامي الذي يتنمون إليه. إنما يقومون بجريرة عظيمة، و بكبيرة لا تقبل الغفران أبدا. و تلك الجريرة و الكبيرة ليست إلا عبادة الزعيم إلى جانب عبادة الله، و تقديس التأويل الإيديولوجي للنص الديني إلى جانب تقديس النص الديني. و عمل كهذا لا يمكن اعتباره إلا شركا بالله، و الشرك بالله هو الذي جاء الدين الإسلامي لمحاربته فقد ورد في القرءان انتقاد لما كان يمارسه المشركون و على لسانهم ” ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى” و هذا الشرك عظيم لا يمكن القبول به أبدا. فقد ورد في القرءان أيضا “لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا” و جاء فيه أيضا “إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء “.

و نحن في تعاملنا مع الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) فإما أننا نتعامل مع تنظيم لرجال الدين، يقومون بمهمة حفظ الدين من التحريف، و رعاية شؤون المسلمين الدينية، و في هذه الحالة على الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) أن يغادر المجال السياسي، و أن  يتفرغ أعضاؤه للوعظ و الإرشاد، و حتى في مثل هذه الحالة، فنحن نعرف انه لا وجود لشيء اسمه الرهبانية في الإسلام. و نعرف أيضا أن انتشار التعليم بين المسلمين يجعلهم في غير حاجة إلى من يعمل على حفظ دينهم. لأن حفظ الدين يصير مهمة  جميع المسلمين، بل إن الله تعالى لم يوكل ذلك لأحد بقدر ما اختصه لنفسه “انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون”. و إما أننا نتعامل مع تنظيم سياسي لا علاقة له باستغلال الدين الإسلامي. و بالتالي، فإن تسمية الحزب بالعدالة و التنمية قد يكون ذا مضمون إيديولوجي و سياسي لا علاقة له بالدين الإسلامي غير أن الحزبوسلامي، و من خلال إعلامه، و ممارسة المنتمين إليه ، يصر على ادلجة الدين الإسلامي في حركاته و سكناته، و يعمل على جعل الناس يعتقدون أن تلك الادلجة هي الدين عينه، الأمر الذي يستوقفنا عنده لنتساءل: ما هو الفرق بين هؤلاء، و بين من ورد في القرءان على لسانهم “إن الله ثالث ثلاثة” و هؤلاء الثلاثة بالنسبة للحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هم الذين يمكن تصنيفهم في (الله-الحزب-الزعيم الديني/السياسي) فكأن الله ينتمي إلى طبقة اجتماعية معينة، و كأن الله في حاجة إلى حزب سياسي يقود نضالات تلك الطبقة، و كأن الله في حاجة إلى برنامج سياسي و اقتصادي و اجتماعي و ثقافي يعتمده لحشد الجماهير حوله في الانتخابات من اجل الوصول إلى البرلمان أو إلى المجالس الجماعية لأجرأة البرنامج الحزبي. إن الله ليس في حاجة إلى كل ذلك “إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون” و هو منزه عن أن يوصف بالظلم أو القهر، منزه عن التحيز لبشر، أو عن الانحياز لحزب من الأحزاب كما يدعي ذلك الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لأن من أسمائه تعالى العادل، و العادل لا يظلم و الحزبوسلامي (العدالة و التنمية ) يظلم عندما يصف المسلمين الحقيقيين الذين اختاروا ممارسة السياسة في واضحة النهار. و لأنه يستعدي المنتمين إليه على المسلمين الحقيقيين، و لأنه يضع نفسه في مكان المقدس. و هو لذلك يصير شريكا لله في العبادة. و يعتبر أن سفك الدماء و قطع الرؤوس هو عين “الشريعة الاسلامية”  التي يسعى الى تطبيقها عندما يصل إلى السلطة، ليزداد بذلك ظلما للناس بإلغائه للتاريخ، و للتطور، و لما وصلت إليه البشرية من تقدم اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و مدني وسياسي. لأن البشرية تتحرك باستمرار، و لأن المسلمين لا يمكن أن يبقوا بعيدين عن هذه الحركة خاصة في عصر صار يوصف بأنه عصر العولمة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و الحزبوسلامي إذا أراد مواجهة العولمة لا يمكن أن يكون إلا إرهابيا، و إذا أراد أن يحول دون انخراط المسلمين في تلك العولمة سيكون اكثر إرهابا، لأنه حينها سيعمل على قطع رؤوس المسلمين الذين يتحدون سياسته، و يسعون إلى الانخراط فيما جرى في هذا العالم، خاصة إذا سعوا إلى الانخراط في النضالات المطلبية العالمية ضد الرأسمالية الهمجية.

و انطلاقا مما ذهبنا إليه في حق الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) فإننا نرى أن الخطاب الذي يعمل هذا الحزب على ترويجه باعتباره خطابا “إسلاميا” ليس إلا تضليلا للمسلمين على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و التضليل يتجسد بالخصوص في اعتبار ادلجة الدين الإسلامي هي الإسلام عينه، و في اعتبار كل من لم يقتنع بتلك الادلجة كافرا. و في جعل الناس ينشغلون بالادلجة الدينية عن الدين الإسلامي نفسه، و عن الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي للمسلمين، ليبقى لمؤدلجي الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) حق الكلام باسم الدين، و حق تأويل النص الديني، و حق إصدار الفتاوى بقطع رؤوس المخالفين، أو تكفيرهم على الأقل، ليزدادوا بذلك  تضليلا للمسلمين.

و لذلك نرى من الضروري قيام الحركة الجماهيرية و الحركة السياسية المستهدفة بتضليل الحزبوسلامي، (العدالة و التنمية) بمواجهة هذا التضليل على جميع المستويات الإيديولوجية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و بالعمل على سلامة الدين الإسلامي من الادلجة و بجعل المسلمين يعون جيدا أن السياسة شأن أرضي لا علاقة له بالسماء، و أن إطلاقية السياسة ترفعها إلى المقدس، و أن نسبيتها تجعلها فاقدة للقدسية حتى تزول غشاوة التضليل عن أعين الناس، و حتى يزول المضللون من الساحة السياسية. لتبقى السياسة الحقيقية هي سياسة الحقيقة، و الحقيقة لا توجد إلا على الأرض، و الإنسان يعيش على الأرض، و ممارسته للسياسة يجب أن تنطلق من الأرض لا من السماء. و بعد ذلك، فليذهب الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) إلى مزبلة التاريخ التي تحتضن كل المخلفات التي لم تعد صالحة للاستعمال، و من المخلفات التي لا تتناسب مع العصر، و تعمل على عرقلة تطور المجتمعات البشرية في الاتجاه الصحيح الحزبوسلامي (العدالة و التنمية).

فهل تقوم الحركة الجماهيرية و السياسية بدورها التاريخي، و في هذه المرحلة العصبية من التاريخ المعاصر، من اجل التسريع بإيصال الحزبوسلامي إلى مزبلة التاريخ، حتى يطمئن المسلمون على تاريخهم المعاصر، و حتى تطمئن البشرية على مستقبلها في مواجهة المخططات الإمبريالية و الرجعية في ظل عولمة اقتصاد السوق؟

خطاب التنمية خطاب التخلف :

أما اعتماد خطاب الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) على انه تنمية، فلا ندري أية تنمية يقصد ؟ هل هي التنمية العبودية ؟ هل هي التنمية الإقطاعية ؟ هل هي التنمية  الرأسمالية ؟ أم أنها، و دون أن ندري، تنمية “اشتراكية” ؟ و ما مضمون هذه التنمية ؟ هل هو اقتصادي ؟ هل هو اجتماعي ؟ هل هو ثقافي ؟ هل هو مدني؟ هل هو سياسي ؟

إننا عندما نرتبط بخطاب التنمية عند الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) علينا أن نحدد أولا ماذا يقصد بالتنمية ؟ فحسب مرجعية هذا الحزب التي هي الدين الإسلامي المؤدلج، و ليس الدين الإسلامي الحقيقي، فإن التنمية بالنسبة إليه تأخذ مسارا آخر يقولون عنه انه لا شرقي، و لا غربي، لا رأسمالي، ولا اشتراكي، انه كما يسمونه “إسلامي” فكأن الإسلام لما ظهر كان هناك نظام رأسمالي، و في مقابله نظام اشتراكي، و كان هناك شرق اشتراكي، و غرب رأسمالي. و الواقع أن الإسلام ساعة ظهوره لم يكن هناك لا نظام رأسمالي، و لا نظام اشتراكي، و الأنظمة الاقتصادية التي كانت سائدة في ذلك الوقت هي أنظمة عبودية أو إقطاعية، أو أنظمة عبودية-إقطاعية، أو لا هي عبودية و لا هي إقطاعية، و الأنظمة العبودية و الإقطاعية أو التي لا هي عبودية و لا هي إقطاعية هي أنظمة متخلفة. و ظهور الإسلام بالنسبة إلى تلك الأنظمة سيعتبر وسيلة من الوسائل المساعدة على تجاوز تلك الأنظمة عن طريق تطويرها، و لو على مستوى القيم النبيلة التي دعا إليها الدين الإسلامي. و إذا كان ما يسعى إليه الحزبوسلامي هو التنمية العبودية أو الإقطاعية، فإن ذلك يعني أن هذا الحزب يعتمد تنمية التخلف. لأن العبودية لم تعد قائمة في الواقع، نظرا للتطور الحاصل في القيم الإنسانية التي صار معها من المستحيل عودة قيم العبودية، و اعتماد التنمية على أساس تلك القيم التي لم تعد مقبولة اللهم إلا إذا كان هذا الحزب يعتبر اتباعه عبيدا له. و بالتالي فهم مجرد عبيد خاضعين له خضوعا مطلقا يفعل بهم ما يشاء و يوجههم حيث يشاء. و ازدياد عددهم بالنسبة إليه يعتبر تنمية. أما إذا كان ما يسعى إليه الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو التنمية حسب المفهوم الإقطاعي، فإن الذي نعرفه أن التنمية الإقطاعية تقوم على أساس ملكية الأرض و من عليها باعتبارهم عبيدا مملوكين لصاحب الأرض. و بالتالي فعملهم في الأرض من حق الإقطاعي الذي لا يمدهم منه إلا بالفتات الذي يأكلونه حتى يحافظوا على حياتهم و يستمروا في العمل في الأرض. و انطلاقا من هذا المفهوم الإقطاعي للتنمية فالحزبوسلامي حتى و إن كان ذلك العمل غير مرتبط بالأرض، و مهما كان متدنيا كما يحصل في العديد من المناطق التي يسيطر فيها الحزبوسلامي على السلطة. و لذلك نجد أن الحزبوسلامي يستعيد كل الأشكال، و الأفكار و الممارسات الخرافية الإقطاعية التي عرفت في مختلف العصور الإقطاعية حتى تصير جزءا لا يتجزأ من الممارسات الحزبوسلامية التي يعتبرها الحزبوسلاميون هي عين الدين الإسلامي، أي تصير متطابقة مع الدين الإسلامي تطابقا تاما حسب ما تقتضيه الممارسة الحزبوسلامية. و بناء على هذا الفهم، فالتنمية بالنسبة  للحزبوسلامي (العدالة و التنمية) تتجسد في العودة إلى التاريخ الإقطاعي المتخلف، و استعادة أساليب الاستغلال المتخلفة التي كانت سائدة فيه، و اعتماد كل الأفكار الخرافية من اجل العمل على تكريس تضليل الشعب باسم العودة إلى التراث، التي تقتضي العودة إلى الدين، التي تقتضي “الدولة الإسلامية” التي تشرف على تطبيق الشريعة الإسلامية” ليعتبر الناس أن ما يذهب إليه الحزبوسلامي هو التنمية عينها، لأنه يستعيد الماضي الإقطاعي لاعتماده في إقامة الدولة الإسلامية التي تعمل على تطبيق “الشريعة الإسلامية” التي تضمن بتطبيقها التنمية اللازمة لحياة الحزبوسلاميين، و ليس لحياة جميع الكادحين من المسلمين و غيرهم هو الذي يبرز الأخذ بالتنمية الإقطاعية كخطاب يعمل الحزبوسلاميون على تصريفه على جميع المستويات حتى يستقر في وجدان الاتباع ثم في العقل. لأن الاتباع لا يستخدمون العقل كما حث الإسلام على ذلك، لأن استخدام العقل يتناقض تناقضا مطلقا مع التبعية المطلقة للحزبوسلامي “العدالة و التنمية” فالتبعية المطلقة هي تبعية وجدانية، و التبعية الوجدانية لا تتناسب إلا مع أهواء الحزبوسلاميين التي لا علاقة لها بالدين الإسلامي. فقد جاء في القرءان ” و أن احكم بينهم بما انزل الله و لا تتبع أهواءهم، و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك “ و ما أنزله الله على رسوله محمد بن عبد الله لا يتناقض مع العقل كيفما كانت طبيعة هذا العقل حتى و إن كان إقطاعيا أو بورجوازيا أو عماليا. لأن العقل هو ما وافق المنطق العلمي أما الأهواء فلا توافق إلا أصحابها الذين يستحضرون مصالحهم الطبقية و الحزبوسلاميون (العدالة و التنمية) لا يستحضرون إلا أهواءهم التي تتناسب مع مصالحهم الطبقية. و نظرا للتعارض القائم بين العقل و الأهواء. فقد قال أبو حنيفة “إذا تعارض العقل مع النقل قدم العقل”. أما عندما يعتمد الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) المفهوم البورجوازي للتنمية، فمعنى ذلك أن هذا الحزب يريد أن يصبغ ادلجته للدين الإسلامي على الإنتاج البورجوازي، حتى يستقطب إلى صفوفه الطبقة  البورجوازية التي تتناقض إيديولوجيتها مع إيديولوجية الحزبوسلامي. و تتناقض مصالحها الطبقية مع المصالح الطبقية الإقطاعية المتخلفة التي يعتمدها الحزبوسلامي المؤدلج للدين الإسلامي، كما تتناقض مع مصالح الفئات البورجوازية الصغرى المؤدلجة للدين الإسلامي، و العاملة على بناء الحزبوسلامي. و مع ذلك فالحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو حزب يحتضن البورجوازية بفئاتها المختلفة مادامت قابلة بأدلجة الدين الإسلامي لتضليل الكادحين و في مقدمتهم الطبقة العاملة، سواء تعلق الأمر بالبورجوازية التي تحكم، أو بالبورجوازية التي تعيش على هامشها و تستفيد من حكمها، أو بالبورجوازية الصغرى و المتوسطة التي تحقق تطلعاتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية عن طريق ادلجتها للدين الإسلامي.

و البورجوازية المعنية بالاستقطاب الحزبوسلامي هي البورجوازية التابعة التي تتكون منها بورجوازيات الأنظمة التابعة، و من يدور في فلكها. لأن هذه الأشكال من البورجوازية، تكرس التخلف، و تعتمد في ممارستها تضليل الكادحين حتى لا يدركوا ما يمارس عليهم من استغلال اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و مدني و سياسي. والتضليل لا يمكن أن يبلغ مداه إلا إذا اعتمدت هذه البورجوازية  ادلجة الدين الإسلامي لتلتقي بذلك مع الحزبوسلامي في تلك الادلجة، و بالتالي فإنها تكون قابلة لاستقطاب هذا الحزب لتصير جزءا منه و قائدة له في معظم الأحيان.

أما البورجوازية المتحررة من التبعية فإنها ليس في حاجة إلى تضليل الكادحين، و ليست في حاجة إلى ادلجة الدين الإسلامي، لأنها تكون ديمقراطية انطلاقا من ليبراليتها حتى و إن كانت هذه الليبرالية متوحشة. و لذلك نجد أن مصالح هذه البورجوازية صارت تتناقض جملة و تفصيلا مع مصالح الحزوسلامي على المستوى العالمي. و هذا الاستنتاج هو المدخل الذي يقودنا إلى فهم ما يجري في العالم من صراع بين الدول الرأسمالية الكبرى، و بين التنظيمات و الدول الحزبوسلامية على المستوى العالمي، و للإيغال في التضليل نجد أن تسمية (العدالة و التنمية) تهدف إلى تحقيق أمرين اثنين :

الأمر الأول : هو العمل على استقطاب البورجوازية التابعة إلى استعداء الدول الرأسمالية الكبرى ضد هذا الحزب و ضد البورجوازية التابعة التي تنخرط فيه.

و الأمر الثاني : هو إيهام الدول الرأسمالية الكبرى أن هذا الحزب سيخدم مصالحها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى لا تعترض على وجوده، و حتى لا تدخل في الصراع معه حتى تتمكن من الوصول إلى مراكز القرار لتفاجئ الدول الرأسمالية بوصولها إلى تلك المراكز.

و بتحقيق هذين الأمرين يكون الحزبوسلامي قد مارس الانتهازية في ابشع صورها، و ممارسة هذا الحزب للانتهازية ليست أمرا غريبا. لأن الانتهازية من سمات عناصر البورجوازية الصغرى المؤدلجة للدين الإسلامي، بل إن اكبر ممارسة انتهازية تقوم بها البورجوازية الصغرى هي ادلجتها للدين الإسلامي لتضليل الكادحين، وطليعتهم الطبقة العاملة.

و قد يدعي الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) تبنيه لمفهوم التنمية عند الطبقة العاملة باعتبار تلك التنمية تنمية “إسلامية” فيسعى إلى تحقيق “الحرية” و “الديمقراطية” و “العدالة الاجتماعية” فيكون ذلك من باب سرقة  الشعارات التي يظهر أنها مجرد وسيلة إلى تجييش الكادحين وراء الحزبوسلامي (العدالة و التنمية). لأن الكادحين و بحكم عمق معاناتهم في المجتمع الاستغلالي المغربي حيث تمارس الطبقة البورجوازية التابعة، و بمساعدة المؤسسة المخزنية، يتهالكون وراء خطاب التضليل، خطاب التنمية الذي يوهمهم بالخروج من المشاكل التي يعانون منها بالقضاء على الاستغلال المادي و المعنوي الذي يتعرضون له، حتى و إن كان هذا الخطاب يقضي بتطبيق “الشريعة الإسلامية” كبديل “الاشتراكية”.

و الواقع أن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لا يسعى إلى تحقيق التنمية بأي مفهوم، و كيفما كان هذا المفهوم إلا إذا كان يخدم المصلحة الطبقية للحزبوسلاميين المتجسدة في تجييش الناس وراء الحزبوسلامي، و اعتمادهم للوصول إلى مراكز القرار لفرض الاستبداد بالسلطة التي تمكنه من فرض الاستبداد بالمجتمع. و التمكن من القضاء على “الكفار” و “الملحدين” و “الزنادقة” و “الصهاينة” و “العلمانيين” و غيرهم ممن لم يقبلوا التعامل مع الحزبوسلامي و يرفضون الاستبداد بكل أشكاله و ألوانه، و يسعون فعلا إلى تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. لأن التنمية الحقيقية بالنسبة للحزبوسلامي هي تنمية الاستبداد، و تنمية الفكر المتخلف الذي يساعد على فرض الاستبداد، و تنمية الفكر المستبد، و تنمية المجيشين المتكلفين بحماية الاستبداد الحزبوسلامي. و إلا فإننا إذا أردنا الوقوف على مفهوم التنمية الحقيقية في برنامج الحزبوسلامي. فإننا نجد انها منعدمة على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، ليصير خطاب التنمية الذي يروج له الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو خطاب التخلف حتى و إن كان يدبج حوله مقالات في جريدة “التجديد” و يوهم قراءه المصابين بانفصام الشخصية، و بهوس الانتقام من المخالفين الذين يسميهم ب”الاستئصاليين” عن طريق التكفير و إصدار الفتاوى بالقتل التي يعمل اتباعه على تنفيذها. لأن الاستئصاليين الحقيقيين هم الحزبوسلاميون، و من يتجيش وراءهم لأنهم يعملون على إرهاب و مصادرة الحق في حياة كل من يخالفهم الرأي، و الإيديولوجية، و يرفض التجييش وراءهم و يعمل على خدمة مصالحهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تحقق تنميتهم هم و ليس الواقع الذي يبقى متخلفا، و لا يعرف أية تنمية مهما كانت هذه التنمية، و حتى يبقى في خدمة التخلف القائم في فكر التضليل الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، هو الهوية المميزة للمجتمع الذي يستبد به الحزبوسلامي (العدالة و التنمية).

العدالة و استغلال الدين في الأمور الإيديولوجية و السياسية :

و إن أهم ما يهتم به الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو استغلال الدين الإسلامي استغلالا بشعا، و في الأمور المنحطة و الدنيئة التي لا تتجاوز أن تكون أمورا إيديولوجية و سياسية زائلة لا علاقة لها بحقيقة الدين الإسلامي الذي هو للناس جميعا لا فرق بين عربي و عجمي و لا بين ابيض و اسود إلا بالتقوى، و ليس بالاستغلال الإيديولوجي و السياسي من اجل الوصول إلى مراكز القرار، أو إلى امتلاك السلطة،  و هو ما يجعلنا نطرح السؤال : هل من العدالة استغلال الدين في الأمور الإيديولوجية و السياسية ؟ هل من العدالة استغلال الدين الإسلامي بالخصوص في ذلك ؟

إن الذي نعرفه و يعرفه معنا الحزبوسلاميون المنتمون إلى (العدالة و التنمية) أن الدين هو ما قر في القلب من إيمان يجعل صاحبه يخلص العبادة لله دون سواه، لا يبتغي من وراء ذلك إلا إرضاء الله، مستهينا في سبيل ذلك الإخلاص بكل المصالح الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، هدفه هو التحلي بالقيم الدينية النبيلة التي تجعل المتحلي بها يتجنب القيام بالممارسات الدنيئة و المنحطة التي تتناقض مع تلك القيم. و إذا أضفنا إلى مفهوم الدين كإيمان و كخضوع مطلق لله تعالى، مفهوم الإسلام، فإننا نجد انه من سلم المسلمون من لسانه و يده كما يقول الحديث. و هو ما يستلزم قيام المسلم الحقيقي بتجنب كل ما يؤدي إلى إلحاق الأذى بالمسلمين، و اكبر أذى يلحق المسلمين هو استغلال الدين الإسلامي في الأمور الإيديولوجية و السياسية، و ما دام هؤلاء يستغلون الدين بصفة خاصة في أمور لا علاقة لها بالدين و لا بالإسلام، فإنهم لا يخلصون العبادة لله، بقدر ما يخلصون في عبادة الحزبوسلامي المؤدلج للدين، و ماداموا يستغلون الدين الإسلامي في الأمور الإيديولوجية و السياسية، فإنهم يلحقون الأذى بالمسلمين في دينهم. و ما داموا يفعلون ذلك، فهم ليسوا بمسلمين من منطلق أن المسلم الحقيقي هو من سلم المسلمون من لسانه و يده كما يقول الحديث. و لذلك فما يقوم به الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لا يمكن  اعتباره من العدالة أبدا، و لا يمكن التعامل معه على انه حق. لأنه يلحق الأذى بالدين و بالإسلام عن طريق تحويلة بالتأويلات المغرضة إلى مجرد تعبير عن المصالح الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية للحزبوسلاميين.

فلماذا يقبل المسلمون المغاربة بما يقوم به الحزبوسلامي من ادلجة للدين الإسلامي على انه هو الدين الإسلامي ؟

إننا نعرف واقع المغاربة المسلمين على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و نعرف أن هذا الواقع يقتضي النضال الديمقراطي الحقيقي الذي يستقطب حوله جموع الكادحين للنضال من اجل الديمقراطية بمضامينها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و نعرف أن القمع الذي تعرض له الشعب المغربي خلال الستينيات و السبعينيات من القرن العشرين قد أجهض الحركة الديمقراطية و فسح المجال أمام الحزبوسلاميين لإيهام الناس انهم خرجوا عن الدين الإسلامي، و أن حل مشاكلهم المختلفة رهين بالرجوع إلى الدين، و بإقامة “الدولة الإسلامية”، و بتطبيق “الشريعة الإسلامية” و بالجهاد ضد المشركين و الملحدين و العلمانيين و غيرهم ممن يعتبرهم الحزبوسلاميون سببا في المشاكل التي يعاني منها المسلمون في المغرب و غير المغرب. و أن ما يذهب إليه الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) يلقى إقبالا واسعا في صفوف الكادحين بسبب أمرين اثنين :

الأمر الأول : فقر و أمية الكادحين، و عمق معاناتهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، فالكادحون المغاربة من عمال و فلاحين صغار و معدمين و عاطلين و تجار صغار و حرفيين فقراء لا يملكون شيئا، و يستهدفون بالاستغلال المادي و المعنوي من قبل الطبقة الحاكمة و سائر الطبقات المستفيدة من الاستغلال، و فقرهم المدقع و انشغالهم بالسعي الدؤوب من اجل الحصول على قوتهم اليومي يجعلهم غير مالكين لوعيهم الطبقي، و قابلين لتلقف الوعي الجاهز و خاصة إذا كان منطلقا من الخطاب الحزبوسلامي المضلل الذي لا يخدم في العمق إلا الطبقات المستفيدة من الاستغلال. و إلا فإن الحزبوسلاميين يحققون تطلعاتهم الطبقية بواسطة تصريف خطاب التضليل “العدالة و التنمية” الذي يتناقض جملة و تفصيلا مع حلم الجماهير الكادحة في تحقيق العدالة و التنمية، حتى لا تلتقي الجماهير الكادحة مع خطاب الحركة التقدمية و الديمقراطية و مع حرص تلك الحركة على تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية الحقيقية و فرض دولة الحق و القانون.

و الكادحون المغاربة من عمال و فلاحين فقراء و معدمين يعانون في معظمهم من الأمية الأبجدية التي تجعلهم يقبلون أي خطاب تضليلي على انه هو المعرفة الحقيقية خاصة إذا كانت تلك المعرفة ذات بعد ديني لكون الكادحين المغاربة اكثر تمسكا بالدين الإسلامي و اكثر حرصا على الدفاع عنه. و هذه الخاصية هي التي يعتمدها الحزبوسلامي عندما يروج ادلجته للدين الإسلامي، و عندما يسعى إلى استغلال حرص الكادحين على دينهم ليحولهم بسبب ذلك إلى حزبوسلاميين، ليقسم المجتمع على أساس عقائدي مسلمين و كفار و مسيحيين و يهود. و بالتالي فعلى المسلمين أن يجاهدوا ضد الكفار و الملحدين و الصليبيين و اليهود و ضد كل علماني كيفما كان من اجل حماية الإسلام بإقامة الدولة الإسلامية. و من الطبيعي جدا أن ينخدع الكادحون الأميون بالخطاب الحزبوسلامي، و أن يعملوا على نمذجة أنفسهم طبقا للتصور الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) تعبيرا عن تمييز الحزبوسلاميين عن غيرهم. و سعيا إلى الإيحاء بأن النمذجة الحزبوسلامية هي التي تمكن المجتمع من التميز عن مجتمع الكفار و الملحدين و العلمانيين، ممن يجب الجهاد فيهم و “تطهير” المجتمع منهم.

و الأمر الثاني : قيام المؤسسة المخزنية بإتاحة الفرصة لهؤلاء من اجل التغلغل في صفوف الطلبة الكادحين و بدعم من الرجعية العربية، و من الإمبريالية العالمية. و لذلك لا نستغرب إذا وجدنا تمرس الحزبوسلاميين على استغلال المساجد، و مختلف المناسبات الدينية، و خاصة صلاة الجمعة، و شهر رمضان، و مختلف المآتم التي تقع في المجتمع، و الأفراح المختلفة التي تقيمها الأسر في مجموع تراب المغرب، الأمر الذي يعني أن الحزبوسلاميين يستغلون المناسبات و البيوت أربعا و عشرين ساعة على أربع و عشرين ساعة، لا من اجل نشر الفهم الصحيح للدين الإسلامي كما يتوهم الناس البسطاء ذلك، بل من اجل إشاعة ادلجة الدين الإسلامي على أنها هي الدين الصحيح. و هو ما يعني انهم سيدخلون مباشرة في محاربة إيديولوجية الكادحين التي هي إيديولوجية الطبقة العاملة “الاشتراكية العلمية” من خلال انخراطهم في محاربة الاشتراكية و الاشتراكيين و الفكر الاشتراكي و الحركة الاشتراكية، باعتبار الاشتراكية العلمية هي إيديولوجية الإلحاد و الملحدين، و العلمانيين، و كل الذين يجب “الجهاد” ضدهم. و إذا ظهر هؤلاء على انهم ضد الأنظمة الحاكمة، و ضد النظام الرأسمالي العالمي، فلأن المرحلة التي نعيشها تقتضي ذلك، و لأن الأنظمة  القائمة في البلاد العربية تحول دون وصول الحزبوسلاميين إلى السلطة. و لأن النظام الرأسمالي العالمي لم يعد في حاجة إليهم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق. و لأن الجماهير الشعبية الكادحة المستهدفة بأدلجة الدين الإسلامي تعاني الأمرين، تعاني من الأنظمة القائمة و تعاني كذلك من النظام الرأسمالي. و بالنسبة للحزبوسلامي المغربي (العدالة و التنمية) فإننا نجد انه لا يتنكر لولي نعمته، و يستمر في خدمة المؤسسة المخزنية بكل تلاوينها و أشكالها، و في أماكن تواجدها، و بسبب ذلك الوفاء ينخرط الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) في مخطط المؤسسة المخزنية، القاضي بالدخول في الانتخابات المفضية إلى التواجد في المؤسسات المنتخبة محليا و وطنيا، حتى يلعب الحزبوسلامي دوره كاملا في محاصرة الخطاب التنويري، و في نشر التضليل بأن تلك المؤسسات (ديمقراطية) و بأنها يمكن أن تكون وسيلة لفرض تطبيق “الشريعة الإسلامية” و لتحويل الدولة المخزنية إلى “دولة إسلامية” و إلى جانب ذلك يستمر الحزبوسلاميون في محاربة كافة أشكال التنوير الثقافي و مختلف الإيديولوجيات النقيضة لادلجة الدين الإسلامي و سائر المنظمات الجماهيرية التي تشتغل على قضايا تساهم في فضح ادلجة الدين الإسلامي، و عمل الحزبوسلامي العدالة و التنمية على تضليل الشعب المغربي حتى يساعد ذلك على تأبيد الممارسة المخزنية و محاصرة الحركة اليسارية و الحركة الديمقراطية حتى لا تعمل على تغيير ميزان القوى لصالحها.

و هذه الممارسة التي يقوم بها الحزبوسلامي المغربي (العدالة و التنمية) لا علاقة لها بالعدالة التي تقتضي إبعاد الإيديولوجية و السياسية عن الدين، و هذا الحزبوسلامي تورط من أخمص قدميه إلى أذنيه في استغلال الدين في الأمور الإيديولوجية و السياسية. لأن الدين الإسلامي هو للناس جميعا، و لمن آمن به بالخصوص منهم. و لأن استغلاله من قبل مؤدلجيه من الحزبوسلاميين هو تحريف له، و تحريف الدين يعتبر من الأمور التي يمكن اعتبارها من الانتهاكات الجسيمة في حق الإنسانية التي يفترض احترام معتقداتها. و عدم احترام تلك المعتقدات يجب أن يعتبر جريمة إنسانية و قانونية. و الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) الذي تأسس على أساس عقائدي يعتبر من الأحزاب المرتكبة للجرائم في حق الإنسانية بالعمل على تحريف الدين الإسلامي الذي هو دين المغاربة جميعا، و ليس دين الحزبوسلاميين وحدهم، و استغلاله في الأمور  الأيديولوجية و السياسية، و الكلامية، لأجل الدعاية إلى الحزب و تجييش المجتمع يعتبر ممارسة همجية مخالفة للدين الإسلامي نفسه. و إذا كانت هناك كبيرة اعظم في الدين الإسلامي، فإن هذه الكبيرة هي استغلال الدين في الأمور السياسية من قبل جميع الحزبوسلاميين مهما كانوا، و أينما كانوا، و في أي عصر عاشوا. و مرتكبو هذه الكبيرة، تجب مواجهتهم على جميع المستويات الإيديولوجية و السياسية و التنظيمية و الفكرية و النظرية، و على مستوى الساحة الجماهيرية حتى يدرك المسلمون جميعا خطورة هذه الممارسة المكرسة لأدلجة الدين الإسلامي. لأن هذه الممارسة ليست من العدالة التي لا تكون إلا اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية، و هؤلاء لا يسعون إلى تحقيق عدالة من هذا النوع، بقدر ما يسعون إلى توظيف الدين في الأمور الإيديولوجية و السياسية كمعبر لتحقيق التطلعات الطبقية البورجوازية الصغرى المؤدلجة للدين الإسلامي.

التنمية في إنتاج خطاب التخلف :

و نظرا لكون خطاب العدالة في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) خطابا تضليليا، فإن خطاب التنمية في هذا الحزب لا يمكن أن يسعى إلى التنمية أبدا، و بأي شكل من أشكالها. لأن التنمية بالنسبة لحزب العدالة و التنمية هي دعوة إلى الرجوع إلى الوراء، دعوة إلى تقمص الماضي، و العمل على استعادة ذلك الماضي الذي اعتبر في نظرهم مثالا للاقتداء على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. لأن استعادة نموذج الماضي معناه استعادة الدين الإسلامي الذي لم يعد قائما، و لم تعد شريعته مطبقة، و النموذج الذي يعملون على استعادته لا يوجد إلا في أذهانهم هم، و لا يمكن أن يتجسد على ارض الواقع. لأنه لا يمكن أن نطوي أربعة عشر قرنا من التطور لنعود إلى نقطة الانطلاق، خاصة و أن التاريخ لا يمكن أن يقبل ذلك أبدا، لأنه لا يعود إلى نقطة الصفر. لأن العودة إلى ما قبل أربعة عشر قرنا يقتضي المعرفة الكاملة بذلك الواقع، و المرحلة التي يعمل الحزبوسلاميون على استعادتها غير معروفة تمام المعرفة، لأن ما كتب عنها جاء بعد مرور قرون، و اعتمد في كتابته على روايات قد تصل إلى درجة التناقض أحيانا، و بأن ذلك التناقض قد يصل إلى درجة النفي، و نفي النفي، و الذي نعرفه و يعرفه معنا الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) أن الظاهرة عندما تحدث لا تتكرر، و التكرر يعني أن الظاهرة لازالت قائمة، و ما دامت المرحلة الأولى من حكم المسلمين كظاهرة قد مر عليها ما يقارب من أربعة عشر قرنا، فإن معنى ذلك أن ذلك الحكم بما له و ما عليه هو مجرد حلقة من الحلقات التاريخية التي أصبحت في ذمة التاريخ. و الصورة التي وجدت في أذهان الحزبوسلاميين عن تلك المرحلة (الحلقة) هي صورة مضببة محكومة بالرؤيا المطلقة التي ترى في الأشياء اكتمالا مطلقا، و صلاحية مطلقة. و كان أولئك البشر الذين انجزوا ذلك الحكم كانوا مكتملين من كل الجوانب لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم و لا من خلفهم، ليشبهوا في ذلك الله، و حاشا أن يكونوا كذلك ، لأنهم مجرد بشر كسائر البشر في أي زمان، و في أي مكان، و الرسول نفسه ليس معصوما من الخطأ بنص القرءان الذي جاء فيه “عبس و تولى أن جاءه الأعمى” و جاء أيضا “قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي” فما بالنا بغير مما يطلب منا أن نستعيد حكمهم في عصرنا هذا، حتى و إن كان أبو بكر، أو عمر أو عثمان أو علي، فهؤلاء جميعا يصيبون و يخطئون، و هؤلاء جميعا ينطلقون في حكمهم من انهم يعملون على تطبيق الشريعة، و هؤلاء جميعا قاموا بدورهم في مرحلة تاريخية معينة ، كل من وجهة نظره، و لا أحد فيهم كان كالآخر، و لا أحد فيهم اتفق مع الآخر، حسب ما تقول كتب التاريخ التي يمكن الرجوع إليها. و لذلك فالدعوة إلى العودة إلى الماضي هي رغبة حاصلة في اعتماد ذلك الماضي لاعطاء الشرعية لتكريس الاستبداد القائم أو لفرض استبداد بديل من قبل الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) فكأن هؤلاء الحزبوسلاميين هم الخلفاء الراشدون، أبو بكر، و عمر و عثمان و علي، و كأن هؤلاء الحزبوسلاميين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم و لا من خلفهم، أي انهم يؤلهون أنفسهم، و يصيرون شركاء لله، و يفرضون على المسلمين عبادتهم. و العبادة عندما تكون لغير الله يكون هناك شرك، و عندما يكون هناك شرك ينتفي الدين الإسلامي، لأن الدين الإسلامي يتناقض تناقضا مطلقا مع الشرك بالله. و لذلك فخطاب التنمية الذي يعمل الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) ليس إلا سعيا للرجوع إلى الوراء، و الرجوع إلى الوراء، معناه التخلف على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، بالعمل على إلغاء أربعة عشر قرنا من التطور. و هو ما يعني الرجوع إلى الصحراء و الخيمة، و الجمال و حروب الكر و الفر التي كانت سائدة بين القبائل، و محاربة عبادة الأوثان من اجل توحيد عبادة الله، و وجود الرسول، و نزول الوحي …الخ مما لا يمكن حصوله في عصرنا هذا. و ما دام حصوله غير ممكن، فإن الحزبوسلامي يختصر كل ذلك في جعل المنتمين إليه بمثابة الرسل الذين يتلقون الوحي من الله، و تصير تأويلاتهم الإيديولوجية بمثابة ذلك الوحي، و يصير الشعب المغربي بمثابة عبدة الأوثان، و على الحزبوسلاميين أن يجاهدوا فيهم، و يصير ما حصل في 16 ماي في الدار البيضاء بمثابة بداية لذلك الجهاد، و لا يهمنا إن كان من قام به من خارج الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لأن خطاب التنمية الحزبوسلامي في (العدالة و التنمية) يكمل خطاب التنمية في أي حزبوسلامي آخر. حتى و إن سمى نفسه ب(السلفية الجهادية) أو (العدل و الإحسان) أو غيرها من التسميات، لأنهم جميعا لا يروجون إلا لخطاب تنمية التخلف. فخطاب تنمية التخلف هو خطاب تراجع التنمية البشرية إلى الوراء، و كأنه يمكن استرجاع التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية العبودية، أو النظام القبلي، أو نظام كسرى، أو غيره من الأنظمة التي كانت معروفة في الزمن الماضي. و تراجع التنمية إلى الوراء يعتبر من باب المستحيلات و خاصة في عولمة اقتصاد السوق، الذي يقتضي من المخلصين للشعب المغربي العمل على الحد من آثار عولمة اقتصاد السوق على الشعب المغربي بمختلف الوسائل الممكنة بما فيها دعم المقاولة المغربية و الحفاظ على جودة الإنتاج الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي للحد من آثار عولمة اقتصاد السوق. و بما أن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) يعمل على إشاعة تنمية التخلف، فإننا يمكن أن نعتبر أن إشاعة هذا الخطاب اكبر خدمة تقدم للدول الرأسمالية المستفيد الأول من عولمة اقتصاد السوق بالعمل على إغراق المغرب في التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي حتى يصير الفضاء المغربي مناسبا لاجتياح عولمة اقتصاد السوق. فماذا فعل الحزبوسلاميون بصفة عامة و الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) بصفة خاصة بإشاعة خطاب تنمية التخلف ؟

لقد عملوا على اعتبار المجتمع جاهليا، لاعطاء الشرعية لخطاب تنميتهم مستغلين في ذلك المساجد و المناسبات الدينية و العائلية لجعل الجماهير الشعبية الكادحة تقتنع بخطابهم لتنسحب تلك الجماهير و بسبب تدينها، و حرصها على عقيدتها من العمل الجماهيري و النقابي و الحزبي الحقيقي من منطلق انه لا حزبية في الإسلام حيث لا يوجد إلا حزب الله و ما سواه من الأحزاب يدخل في إطار حزب الشيطان موظفين في تحقيق ذلك ما ورد في القرءان “أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون”

و سعوا إلى إفراغ الجامعة المغربية من محتواها التقدمي و الديمقراطي و التنويري و العلمي و تحويلها في مختلف مراكزها إلى منابر للإشعاع الظلامي، لأن الإشعاع الظلامي بواسطة الجامعة يؤدي إلى قطع شرايين تغذية الحركة التقدمية و الديمقراطية مما أدى بالضرورة إلى إضعاف الحركة التقدمية و الديمقراطية.

الشروع في بناء المنظمات الجماهيرية الجمعوية على أساس ادلجة الدين الإسلامي من اجل توجيه الشباب، و الكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة نحو الاعتقاد بأن “الإسلام هو الحل” و لاضعاف الحركة الجماهيرية الديمقراطية و التقدمية و هو ما حصل فعلا في الساحة الجماهيرية.

العمل على إشاعة الفكر الخرافي في المجتمع، و شن الهجوم على الفكر العلمي حتى و إن كان هذا الفكر طبيعيا، لأنه يتطاول على علم الغيب. مما يؤدي بالضرورة إلى إيجاد عداء مطلق للمعرفة العلمية و خاصة إذا كانت تلك المعرفة اجتماعية.

العمل على استئصال الفكر العلماني من المجتمع و إقامة التطابق بينه و بين الكفر و الإلحاد حتى لا يفكر الناس في يوم ما بإقامة الدولة التي تفصل بين حكم الدولة كحكم و ضعي بشرى، و بين الدين لأن ذلك الفصل في نظرهم هو عين الكفر.

و العمل على إشاعة العداء لحقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية باعتبارها من وضع الكفار، و المسلمون لا يأخذون بما يقول به الكفار.

العمل على إحياء الأنماط الاقتصادية و الاجتماعية باعتبارها أنماطا إسلامية، مما يخلق تناقضا بين تلك الحرف و المهن التقليدية و بين التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.

و هؤلاء عندما يقومون بكل ذلك إنما يعملون من اجل تنمية التخلف على جميع المستويات فما هو المقابل الذي يستفيده هؤلاء من إشاعة تنمية التخلف ؟

إن أول مقابل يستفيده هؤلاء هو قيامهم بتجييش المسلمين المضللين وراء حزبوسلامهم، و وراء تنظيماتهم الحزبوسلامية المختلفة ذات البعد الجماهيري، ليتمكنوا بذلك من توجيه المجيشين التوجيه الذي يتناسب مع تحقيق مصلحتهم الطبقية المتمثلة في الوصول إلى المؤسسات التي تشكل مراكز القرار على المستويين المحلي و الوطني، حتى يتم استغلال الموارد الوطنية و المحلية لصالح تحقيق تطلعاتهم الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في ممارسة الابتزاز على الطبقة الحاكمة، و على المؤسسة المخزنية حتى لا يقوم الحزبوسلامي بتحريك اتباعه ضد السياسة القائمة ذات المصدر الطبقي الحاكم، و ذات المصدر المخزني في نفس الوقت.

و ثاني مقابل يستفيده هؤلاء هو السكوت عن استغلالهم للمساجد المختلفة و على مستوى التراب الوطني لنشر ادلجتهم للدين الإسلامي و لتعبئة المسلمين ضد الحركة اليسارية، و ضد الحركة الديمقراطية و العمل على خلق العداء المطلق في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة ضد الفكر التقدمي و الديمقراطي، أي العمل على استئصال التقدمية و الديمقراطية من المجتمع باعتبارهما ممارسات للكفار و الغربيين حتى يتأتى للرجعية، و للاستبداد أن يتموقعا في أذهان و مسلكية الجماهير الشعبية الكادحة,

و ثالث مقابل يستفيده هؤلاء هو تركهم يعملون على نشر الفكر الظلامي ، و بواسطة الكتب المؤدلجة للدين الإسلامي، و الممتلئة بالتحريض على الإرهاب، إرهاب المرأة التي تشكل نصف المجتمع، و إرهاب المخالفين لتأويلات الحزبوسلاميين (العدالة و التنمية) من المفكرين المتنورين، و إرهاب الديمقراطيين الذين يعملون على تحقيق الديمقراطية في المجتمع، و إرهاب اليساريين باعتبارهم “كفرة” و “ملحدين” و إرهاب جميع العلمانيين، و في جميع الأحزاب الديمقراطية و التقدمية، و بقدر ما يقتنع الناس بمضامين تلك الكتب التي تمتلئ بها الأرصفة، و تمتلئ بها أبواب المساجد، و توزع بالمجان في المعاهد و في المدارس و غيرها من الأماكن التي تعرف إقبالا كبيرا من القراء.

و رابع مقابل هو الدعم الرجعي العربي و غير العربي للحزبوسلامي (العدالة و التنمية) الذي لا يعرف أحد مداه، نظرا لتعبير برنامجه عن تطلعات الرجعية العربية و غير العربية في تعميم الاستبداد على جميع المستويات في المغرب حتى لا يتحول إلى بلد ديمقراطي حقيقي، تكرس فيه الديمقراطية المعبرة عن إرادة الشعب المغربي، حتى لا يشكل ذلك حرجا للممارسة الرجعية في البلاد العربية.

و خامس مقابل هو الدعم الرأسمالي العالمي للحركة الحزبوسلامية على المستوى العالمي، حتى تلعب دورها كاملا ضد الحركة التقدمية، و ضد الحركة الديمقراطية باعتبارهما وسيلتين لتحرير المغرب من التبعية للبلدان الرأسمالية حتى لا ينفلت المغرب من تلك التبعية. و إذا كانت ضربة 11 شتنبر 2001 لأمريكا قد فعلت ما فعلت بأمريكا التي أعادت النظر في علاقتها مع الحزبوسلاميين على المستوى العالمي، فإن دهاء الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) المغربي وانخراطه في الشرعية القانونية و تحوله إلى حزب سياسي يحمل اسم (العدالة و التنمية)، و مساهمته في مختلف المحطات الانتخابية يجعل العلاقة بين الحزبوسلامي و النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية متواصلة، و لا شيء يحول دون استمرار ذلك الدعم.

و هذه الاستفادات التي أشرنا إليها تبقى قائمة في الواقع إلى جانب استفادة الحزبوسلامي من التواجد في البرلمان المغربي، و في العديد من المجالس المحلية. و ما يمكن جمعه من تبرعات عن طريق الحملات “الاحسانية” التي يقوم بها الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) لإيهام الناس بأنهم يستعدون بذلك “الإحسان” للدخول إلي الجنة و هم في الواقع لا يعملون إلا على تحقيق تطلعاتهم. لأن كل شيء بالنسبة للحزبوسلاميين يجب أن يصب في خدمة تلك التطلعات، حتى و إن كان هذا الشيء هو الدين الإسلامي نفسه. فما بالنا ب”الإحسان” و بغيره من الممارسات التي يقوم بها  الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) و التي تستهدف جمع الأموال و بدون حساب و في المساجد، و في مختلف المناسبات الدينية، و لا أحد يسألهم عن مصير تلك الأموال التي تجمع أحيانا باسم الشعب الفلسطيني ، و دون حياء و دون خوف من الحرج في العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، و مع الدولة الفلسطينية.

فإنتاج خطاب التخلف إذن يتناسب مع طبيعة التنظيم الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) كما ينسجم مع طبيعة الأنظمة الاستبدادية القائمة في العالم العربي و في جميع بلدان المسلمين، كما يتناسب مع رغبة الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) في تحقيق تطلعاتهم الطبقية. و يجب أن لا نستغرب صدور خطاب تنمية التخلف عن هذا الحزبوسلامي (العدالة و التنمية)، لأن المسألة طبيعية جدا. فهل يراجع الحزبوسلامي نفسه حتى لا يصير عرقلة في طريق تقدم الشعب المغربي ؟ هل يتخلى عن الاستغلال الإيديولوجي و السياسي للدين الإسلامي ؟ إننا نقتنع بأن الظلام لا يدوم، و أن شمس الوعي بخطورة الحزبوسلامي (العدالة و التنمية÷ على مستقبل الشعب لابد أن تشرق، و لابد أن يرى المغاربة واقعهم، و لابد أن يدركوا ما يجب عمله لإنقاذه.

هل يمسك مؤدلجو الدين الإسلامي عن ادلجة هذا الدين ؟

إن ما يعانيه الشعب المغربي من تخلف اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و مدني و سياسي هو نتيجة طبيعية لعملية إنتاج خطاب التخلف الذي تعمل على إشاعته الطبقة الحاكمة باعتبارها طبقة مؤدلجة للدين الإسلامي من جهة، كما يعمل على إشاعته الحزبوسلامية بصفة عامة، و الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) من جهة أخرى. و هو ما يدفع إلى طرح السؤال : ألا يكفي أن تعاني الجماهير الكادحة من إنتاج خطاب تخلف الطبقة الحاكمة ؟ و لماذا هذا التنافس على إنتاج خطاب التخلف ؟

و إن ما يمكن تسجيله في هذا الإطار هو أن إنتاج خطاب التخلف، و ادلجة الدين الإسلامي متلازمان، لأنه لا يمكن أن نجد مؤدلجا للدين الإسلامي دون أن نجد إنتاجا لخطاب التخلف، لكون ادلجة الدين الإسلامي تحد من حريتهم و من إبداعاتهم في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، بسبب قيام الادلجة بقولبة ممارسة المسلمين الذين صاروا يتصرفون وفق ما تقتضيه القوالب المؤدلجة للدين الإسلامي و المنمطة لمسلكية الأفراد و الجماعات على حد سواء، و لا يهم إن كان المؤدلج للدين المعد لتلك القوالب الجاهزة هو الطبقة الحاكمة أو الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) بصفة خاصة. فأدلجة الدين الإسلامي واحدة، و النتائج التي يمكن أن تؤدي إليها و المتمثلة في إنتاج التخلف بكل أشكاله الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية واحدة.

فهل يتخلى مؤدلجو الدين الإسلامي أنى كان لون ادلجتهم للدين الإسلامي، و مهما كانت الغاية، عن تلك الادلجة ؟

إننا نتأكد من أن ادلجة الدين الإسلامي لا يمكن أن تكون إلا للتعبير عن المصالح الطبقية، و أن تلك المصالح الطبقية رهينة بالمحافظة عليها، و المحافظة عليها تقتضي الاستمرار في ادلجة الدين الإسلامي. و كنتيجة لذلك فإن تخلي هؤلاء عن ادلجة الدين الإسلامي يكون من باب المستحيلات. و لذلك فالتخلص من ادلجة الدين الإسلامي لابد أن يأتي من خارج المؤدلجين، و من يعمل على التخلص من ادلجة الدين الإسلامي، لابد أن :

1) يكون تقدميا باعتبار الحركة التقدمية وحدها هي القادرة على امتلاك الشجاعة الكافية على الإقدام على دراسة طبيعة الدين الإسلامي، و طبيعة الادلجة و اعتبار الدين الإسلامي مكونا من مكونات الواقع، و اعتبار ادلجة الدين الإسلامي لا علاقة لها بالدين بقدر ما هي تعبير عن المصالح الطبقية، الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و بذلك التمييز يمكن للحركة التقدمية أن تميز بين الدين الإسلامي، و بين ادلجة الدين الإسلامي في ممارستها اليومية، فتكرس احترام الدين، و تعمل على فضح و تعرية ادلجة الدين و العمل على استغلاله في الأمور الدينية و السياسية و دعوة جميع أفراد المجتمع إلى التصدي لتلك الادلجة و مقاومتها، و بدون هوادة. لأن الادلجة في نهاية المطاف ليست إلا سطوا على الدين الإسلامي الذي هو للناس جميعا، و خاصة المومنين به، و أن عليهم أن يعملوا على احترامه، و يتصدوا لكل من يخترق حرمته.و ادلجة الدين التي تجب مقاومتها ليست إلا اختراقا لحرمة الدين بتحريفه عن مقاصده بتأويلات المؤدلجين المغرضة.

2) يكون ديمقراطيا يناضل من اجل الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي من خلال المطالبة بدستور ديمقراطي متلائم مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية من اجل وضع حد لكافة أشكال الاستبداد المسلطة على رقاب المواطنين بما فيها الاستبداد الحزبوسلامي بصفة عامة و الاستبداد الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) القائم على ادلجة الدين الإسلامي، و الساعي إلى فرض الوصاية على الدين الإسلامي كمصدر من مصادر الاستبداد الديني، و العمل على إجراء انتخابات حرة و نزيهة لا وجود فيها لحزب قائم على أساس ديني, لأن الدين الإسلامي للمغاربة جميعا، و ليس لحزب سياسي معين، أو لطبقة اجتماعية معين من اجل إفراز مجالس محلية، و إقليمية و وطنية، و تكوين حكومة من أغلبية البرلمان تكون مهمتها خدمة مصالح الشعب المغربي الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، حتى يتنفس الشعب المغربي الصعداء، و يتخلص من استبداد الطبقة الحاكمة، و من الاستبداد البديل الذي يسعى الحزبوسلامي إلى فرضه على المجتمع، و على الديمقراطيين المغاربة في نضالهم من اجل الديمقراطية، و أن يعمل على فضح و تعرية الخلفية الإيديولوجية التي تحكم ممارسة مؤدلجي الدين الإسلامي، و أن يضعوا في اعتبارهم  العمل على تخليص الدين الإسلامي، و حقيقة ادلجة الدين الإسلامي التي يمارسها أدعياء الوصاية على الدين من المتفيقهين، المدعين المؤدلجين للدين الإسلامي من خلال انتظامهم في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية)

3) يكون مثقفا تنويريا قادرا على استيعاب حقيقة الدين الإسلامي، و حقيقة ادلجة الدين الإسلامي حتى يستطيع توظيف ثقافته لنشر الوعي بضرورة التمييز بين الدين، و بين ادلجة الدين. لأن ذلك التمييز شرط في حصول الوعي بخطورة ادلجة الدين على مستقبل المجتمع و على مستقبل البشرية. و العمل على الكشف عن جوانب تلك الخطورة حتى لا ينساق وراء ادلجة الدين الإسلامي. و حتى لا يتوهموا أن مؤدلجي الدين الإسلامي سيستعيدون حكم الإسلام، و سيعملون على حل المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، بإقامة “الدولة الإسلامية” التي تعمل على تطبيق “الشريعة الإسلامية” و هو ما يعني إقامة استبداد بديل لاستبداد الطبقة الحاكمة، حتى يقوم المثقفون التنويريون بدورهم كاملا من اجل صيانة الدين الإسلامي من التحريف من جهة، و من اجل حفظ المجتمع من تمكن الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) من فرض استبداد بديل على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

4) يكون مثقفا ثوريا يعمل على نشر الوعي الطبقي في المجتمع، حتى يمتلك الكادحون بالخصوص وعيهم بموقعهم من الاستغلال الممارس عليهم، و الأسباب التي تؤدي إلى وجود ذلك الاستغلال، و السعي إلى التخلص منه، و ما هي الوسائل التي يمكن اعتمادها لوضع حد للاستغلال، و جعل الإنتاج في خدمة الشعب و في ملك المجتمع، و العمل على إدراك الدور الذي يقوم به الحزبوسلاميون في تضليل الشعب. و ماذا يجب عمله من اجل القضاء على ادلجة الدين الإسلامي، حتى لا تقوم حاجزا بين الكادحين، و بين امتلاكهم للوعي الطبقي، و حتى يصير الكادحون أحرارا من اسر ادلجة الدين الإسلامي الذي يصير واضحا في أذهانهم و مصدرا للقيم النبيلة التي يحتاج إليها الناس في ممارستهم اليومية لتنظيف المجتمع من القيم المنحطة التي تسعى ادلجة الدين الإسلامي إلى نشرها على أنها هي القيم الدينية، و هي في الواقع ليست إلا قيما إيديولوجية.

إن الشروع في مواجهة ادلجة الدين الإسلامي و مواجهة مؤدلجيه، و مقاضاتهم في نفس الوقت بسبب اللجوء إلى تأويل النصوص الدينية حسب أهوائهم يعتبر نقطة تحول في مسار الشعب المغربي، و عملا من اجل تكريس النضال من اجل الديمقراطية بعيدا عن العقبات التي تحول دون قيام ذلك النضال بدوره كاملا، و دون العمل على تحقيق الديمقراطية على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. فمواجهة مؤدلجي الدين الإسلامي صارت مهمة مجتمعية بامتياز. و إلا فإن المجتمع المغربي سيدخل في عصر الظلام الذي لا مخرج منه إلا بمشقة، لأنه سيعرف استبدادا يأتي على الأخضر و اليابس.

فما هو واقع الحركة التقدمية و الديمقراطية التي ينتظر منها أن تواجه مؤدلجي الدين الإسلامي المنتظمين في الحزبوسلامي بصفة عامة، و في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) بصفة خاصة ؟

إن الحركة التقدمية و الديمقراطية تعاني من الكثير من المشاكل التنظيمية و الإيديولوجية  و السياسية التي تحول دون قيامها بدورها كاملا، منها ما يرجع إلى طبيعة القيادات التي تتزعم التنظيمات التقدمية و الديمقراطية، و منها ما يعتبر امتدادا لما يحصل في التشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية التي تعرف عدم الوضوح في معظم الأحيان، و منها ما يرجع إلى استبداد الطبقات الحاكمة التي تعمل باستمرار على محاصرة الحركة التقدمية و الحركة الديمقراطية على السواء. و إتاحة الفرصة أمام الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) حتى يتغلغل في صفوف الجماهير و يعمل على تجييش المجتمع، و تضليله بأدلجة الدين الإسلامي نظرا لالتقاء مصالح الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) مع مصالح الطبقات الحاكمة، و مع مصالح المؤسسة المخزنية.

فالمشاكل التي تعود إلى قيادات الحركة التقدمية و الديمقراطية نجد أنها تتعلق بكون هذه القيادات لا ديمقراطية. و لذلك فهي – في معظمها – تبني تنظيماتها الحزبية على أساس التبعية للأفراد، و ليس على أساس ديمقراطي، و انطلاقا من النظام الداخلي الذي يضبط العلاقة بين المنتمين إلى حزب معين. فكل شيء في التنظيم الحزبي يخضع لارادة القادة الحزبيين كأفراد فهم الذين يعينون من يتحمل المسؤولية على المستوى المحلي، و الجهوي، و الوطني، و هم الذين يختارون أسلوب التنظيم الحزبي بعيدا عن النظام الداخلي لحزب معين، و هم الذين يسعون إلى تنشيط التنظيم الحزبي إن كان يخدم أهدافهم الفردية أو يعملون على تجميد ذلك التنظيم إن كان لا يهدف إلى خدمة القيادات الفردية. و لذلك فإعادة النظر في ممارسة القيادات الفردية صارت ضرورية حتى تصير القيادات الحزبية و التقدمية و الديمقراطية محترمة للممارسة التقدمية و الديمقراطية التي تلعب دورها في إعداد الحزبيين لمواجهة الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) و في غيره من الأحزابوسلامية. لأنه بدون احترام الممارسة التقدمية و الديمقراطية سيبقى الحزبيون مجرد اتباع، و سيبقى القادة الحزبيون وحدهم يقررون  ما يشاءون في الأحزاب التي يقودونها، و ستبقى فعالية الأحزاب رهينة بالمناسبات التي يحددها القادة الحزبيون، ليبقى الحزبوسلامي وحده مؤدلجا للدين الإسلامي، و مستغلا للمناسبات الاجتماعية المختلفة، و للمنظمات الجماهيرية، و المحطات السياسية لنشر تلك الادلجة التي يعمل على إقناع المسلمين بها حتى يتم تجييشهم وراءه، و هو ما يجب أن تستحضره الأحزاب التقدمية و الديمقراطية، لأنه يشكل خطورة على مستقبلها و على ارتباطها بالجماهير الشعبية الكادحة التي صارت مكتسحة من قبل معظم الحزبوسلاميين في المغرب، و في خارج المغرب.

و المشاكل الناتجة عن تواجد تلك الأحزاب التقدمية و الديمقراطية في إطار تشكيلة اقتصادية-اجتماعية تتمثل في عدم معرفة هل هي إقطاعية، أو رأسمالية، أو اشتراكية، أو أي تشكيلة أخرى ؟ و بالنسبة إلينا في المغرب فالتشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية هي رأسمالية-إقطاعية طبقية قائمة على أساس تبعية النظام السياسي المغربي للرأسمالية العالمية، و ينفذ تعليمات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و المؤسسات المالية الدولية الأخرى. و هذا النظام السياسي لا يتخذ قراراته بناء على إرادة الشعب المغربي، و الاقطاع  المتبرجز نما و ترعرع  بفضل الامتيازات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية التي كان يستفيد منها بدون حدود، و الأحزاب في معظمها تنخرط في تنفيذ مخططات النظام السياسي المغربي، و خاصة تلك التي تقبل الانخراط في الانتخابات التي لا تكون إلا مزورة جملة و تفصيلا. و منها الحزبوسلامي المغربي (العدالة و التنمية) الذي وظف قادته السابقون في اغتيال أحد قادة الحركة التقدمية و الحركة الاتحادية الأصيلة، و الحركة الديمقراطية، الشهيد عمر بنجلون. و الأحزاب المنخرطة في تنفيذ مخططات الطبقة الحاكمة هي مجرد أحزاب تابعة لهذا النظام التابع بدوره إلى الرأسمالية العالمية. و يقوم قادة هذه الأحزاب بإعداد الحزبيين الاتباع الذين ينفذون أوامرهم التي هي امتدادا لتعليمات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي و المؤسسات المالية الدولية الأخرى. و انطلاقا من هذه التبعية المتسللة فإن الأحزاب تبنى بدورها على أساس تبعية الأعضاء للقائد في كل حزب، لتصير الأحزاب غير مختلفة عن النظام في بنائه لأجهزته الإدارية القائمة على تبعية  الأجهزة الأدنى إلى الأجهزة الأعلى و غير مختلفة عن الحزبوسلامي الذي يبني على أساس تبعية  أعضائه إلى القائد الحزبوسلامي أو الشيخ سواء تعلق الأمر ب(العدالة و التنمية) أو بغيره من الأحزابوسلامية، مع فارق واحد هو أن أجهزة النظام السياسي المختلفة تشتغل ليل نهار، و تعمل على ضبط المجتمع في الاتجاه الذي يخدم مصالح الطبقة الحاكمة ، و مصالح المؤسسة المخزنية، و أن التنظيمات الحزبوسلامية  بما فيها (العدالة و التنمية) تشتغل ليل نهار لتعبئ الناس ضد الحركة التقدمية و الحركة اليسارية خمس مرات في اليوم و في المهرجان الأسبوعي من خلال المساجد التي صارت مقرات لهؤلاء ينطلقون منها في اكتساح المجتمع. أما تنظيمات الأحزاب الديمقراطية فلا تتحرك إلا في المناسبات لتجد أمامها السد الحزبوسلامي الذي يفصلها عن الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة. مما يجعلها عاجزة و بامتياز عن القيام بدورها في محاصرة الحزبوسلاميين، و العمل على الحد من ادلجة الدين الإسلامي.

و المشاكل المترتبة عن استبداد الطبقة الحاكمة و التي لا تعمل إلا بما يتبين لها هي دون رأي الشعب أو الأحزاب، أو حتى المؤسسات المنتخبة. لأن طبيعة الطبقة الحاكمة التبعية تفرض استبدادها على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هذا الاستبداد لا يستثني الأحزاب التقدمية و الديمقراطية، فهي بدورها تعاني من الحصار الاستبدادي، و الانحسار التنظيمي، مما يجعلها غير قادرة على أداء دورها كما يجب، و خاصة في مواجهة الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) و غيره من الأحزابوسلامية الأخرى. و لذلك، فإن هذه الأحزاب تجد نفسها ملزمة بالنضال ضد الاستبداد و من اجل إقرار ديمقراطية حقيقة من الشعب و إلى الشعب و في نفس الوقت العمل على وضع حد لأدلجة الدين الإسلامي. لأن الدين الإسلامي هو للناس جميعا، و خاصة للمسلمين الذين آمنوا به، و جميع المغاربة مسلمون، و أي ادلجة للدين هي مس بكرامة المسلمين بصفة عامة، و بكرامة المغاربة بصفة خاصة. و كل مس بكرامة المغاربة يجب أن يعتبر جريمة، يعاقب عليها القانون، و النضال ضد الاستبداد هو في نفس الوقت نضال ضد الاستبداد البديل. لأن الاستبداد واحد سواء كان من نوع الاستبداد القائم الذي تفرضه الطبقة الحاكمة، أو كان من نوع الاستبداد البديل الذي يسعى الحزبوسلاميون إلى فرضه. و لذلك يجب أن يكون النضال واحدا، و على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في جميع الواجهات الإعلامية و الفكرية و الإيديولوجية و التنظيمية حتى يتأتى للأحزاب التقدمية و الديمقراطية أن تعيد مد الجسور مع الجماهير الشعبية الكادحة، و تستعيد الوعي بالواقع، و تدرك ما يجب عمله لإنقاذ المجتمع من التخلف الناتج عن تكريس الاستبداد.

و انطلاقا مما سبق يمكن أن نستخلص أن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لا يمكنه أن يتخلى عن ادلجة الدين الإسلامي، لأنه قائم على أساس تلك الادلجة و إن على الأحزاب التقدمية و الديمقراطية أن تعيد النظر في ممارستها استعدادا للمساهمة الفعالة في النضال الديمقراطي الفعال، و في النضال من اجل محاصرة ادلجة الدين الإسلامي كجزء من النضال الديمقراطي، لأن ادلجة الدين طريق إلى فرض استبداد بديل.

هل يتخلى الحزبوسلامي عن انتاج خطاب التخلف :

و إذا كان ما يقع من أحداث على المستوى العالمي و على المستوى القومي و المحلي يقتضي التخلي عن ادلجة الدين الإسلامي، و قيام الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي بإعادة النظر في مسلكيتها تجاه المجتمعات التي تتواجد فيها، و تقديم نقد ذاتي إلى الجماهير الشعبية الكادحة، و العمل على إعادة الاعتبار للمسلكية السياسية الصحيحة بعيدا عن ادلجة الدين الإسلامي، و عن تضليل الجماهير الشعبية الكادحة باسم الدين الإسلامي الذي يترك أمره للمؤسسات الدينية المهتمة بالتبليغ و التوضيح لجعل الجماهير تكون على بينة منه بعيدا عن التوظيف الإيديولوجي  و السياسي. فإن ممارسة الحزبوسلامي بصفة عامة، و الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) بصفة خاصة لازال مهووسا بعملية ادلجة الدين الإسلامي. و المغالاة في تلك الادلجة إلى درجة التشفي في البشرية، و اللجوء إلى تفسير الظواهر الطبيعية الصرفة بأنها عقاب الله للبشرية و للمسلمين، و كأنهم تحولوا إلى أنبياء جدد أرسلهم الله للبشرية، لتبليغهم إنذاره لهم بأن انتقامه وارد في حالة عدم رجوعهم إلى ما كان عليه المسلمون الأوائل و تخليهم عن ممارساتهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و الالتفاف حول الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) و إقامة “الدولة الإسلامية” التي تعمل على تطبيق “الشريعة الإسلامية” كسبيل للنجاة من غضب الله الذي تمظهر بالخصوص في كارثة تسونامي التي أتت على مئات “الأجلاف” من البشر الذين لم يمتثلوا لأوامر الله و لم يجتنبوا نواهيه حسب ما يذهب إليه مؤدلجو الدين الإسلامي. فكأنهم كانوا مع الله في اتخاذه قرار عقاب سكان جنوب شرق آسيا، أو كأن الله ينتمي إلى حزبوسلامهم، فأخبرهم بذلك أو كأنهم رسل الله إلى المسلمين في جميع أنحاء العالم و خاصة في المغرب لتبليغهم إنذاره بكارثة تشبه كارثة تسونامي إذا لم يتخلوا عن السياحة الجنسية، و كأن المغرب بمثابة ماخور تجول فيه الحزبوسلاميون، و عرفوا ما فيه، و كأن بيوت المغاربة هي عبارة عن مواخير، و كأني بهؤلاء الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) و هم الذين يدعون معرفتهم الكاملة و العميقة بالكتاب و السنة، و ينسون قول الله تعالى في سورة النور ” و الذين يرمون المحصنات الغافلات المومنات لعنوا في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم”. فابتلاء هؤلاء الحزبوسلاميين بأدلجة الدين الإسلامي شجعهم على إنتاج خطاب التخلف على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تماديهم في الاعتقاد بأنهم أوصياء على الدين الإسلامي جعلهم يغالون في إصدار فتاوى خطاب التخلف، لإرهاب اتباعهم أولا، ثم لإرهاب المؤمنين ثانيا، و لإرهاب عامة المسلمين ثالثا، لأن خطاب التخلف المنتج من قبل الحزبوسلاميين ليس إلا خطابا للإرهاب الذي أدى إلى التخلص من الشهيد عمر بنجلون، و غيره من الشهداء الذي قضوا نتيجة لإشاعتهم للإرهاب المادي و المعنوي في المجتمع و باسم الدين الإسلامي.

و نحن و انطلاقا من اقتناعنا بالدين الإسلامي، و إيمانا بما جاء فيه، و فهمنا البسيط لنصوصه الصحيحة فإننا نسجل أن ما يقوم به الحزبوسلاميون بصفة عامة و الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) بصفة خاصة، لا علاقة له بحقيقة الدين الإسلامي، و أن هؤلاء، و من منطلق وصايتهم على الدين الإسلامي و رهبانيتهم المتعمدة، و استغلالهم للمساجد و لكل المناسبات الدينية، و الاجتماعية تمادوا في المغالاة في تأويلاتهم المغرضة للنصوص الدينية الصحيحة و اعتماد النصوص غير الصحيحة، و التي تدل بمنطوقها على أنها مختلقة لا من اجل خدمة الإسلام و المسلمين بل من اجل الوصول بالإسلام إلى درجة جعله مجرد إيديولوجية معبرة عن مصالح الحزبوسلاميين، و الوصول بالمسلمين إلى درجة التحول إلى مجرد قطيع يفعل به الحزبوسلاميون ما يشاؤون، و عندما يتبادر في الأفق التمنع و الاستعصاء عن التحول إلى مجرد قطيع، يرفع الحزبوسلاميون من وتيرة إرهابهم فيتحولون من مجرد ادلجة الدين الإسلامي عن طريق تأويلاتهم المغرضة إلى ادلجة الله الذي يتحول إلى مقرر لما يريدونه، و ما يريدونه يتمثل في تحولهم إلى أنبياء أو رسل، فترتفع بذلك درجة فتاواهم إلى مستوى الوحي، و تتحول تأويلاتهم إلى مستوى القرءان، فلا يستطيع المسلمون أن يفعلوا شيئا تجاه هؤلاء الذين يعملون على نشر خطاب التخلف بكل أشكاله و ألوانه.

و بسبب اعتبار هؤلاء المغرب ماخورا، فإن الدين الإسلامي الحق يمكننا من اعتبارهم مشمولين بقوله تعالى “لعنوا في الدنيا و الآخرة، و لهم عذاب عظيم” لرميهم المحصنات المغربيات المومنات، و لجعلهم أبناء المغاربة جميعا أبناء المواخير، و قد كان يفترض في الدولة المغربية أن تعمل على مقاضاة هؤلاء لاعتبارات نذكر منها :

1) ادلجتهم للدين الإسلامي و إعطائه التأويلات التي تتناقض مع حقيقته، و التي تجعل المسلمين يشكون في أمور دينهم، و يعتبرون أن ما يخالف تلك التأويلات لا علاقة له بالدين.

2) ادعاء علم الغيب الذي هو من خاصيات الله تعالى كما جاء في القرءان ” إن الله عنده علم الساعة و ينزل الغيث و يعلم ما في الأرحام و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا و ما تدري نفس بأي ارض تموت”

3) اعتبار المغرب بمثابة ماخور مما يتنافى مع سمعة المغاربة، و مع سمعة الأسرة المغربية المبنية على الشرف، و على النبل، و على القيم الإسلامية و الإنسانية النبيلة.

4) قذف المحصنات المغربيات الغافلات المومنات المسلمات المربيات البانيات للكيان المغربي بأمجاده المختلفة ألوانها، و بمناضليه الشرفاء، و بأطره الذين يبينون عن قدرة فائقة في رفع مكانة المغرب على جميع المستويات و في جميع المجالات.

5) إرهاب المغاربة بتهديدهم بمثل كارثة تسونامي مما احدث ردات فعل إعلامية و احتجاجية متباينة في مختلف المناطق المغربية.

و عدم لجوء الدولة المغربية إلى مقاضاة هؤلاء و سكوتها عن ممارساتهم المخلة بالدين الإسلامي و بشرف المغاربة لا يعني إلا قبولها بانتشار ادلجة الدين الإسلامي و تشجيع تلك الادلجة، و السماح بإصدار الفتاوى المتخلفة و على صفحات الجرائد، و من أعلى منابر المساجد و بالتحول إلى ما يشبه الأنبياء و الرسل بادعاء علم الغيب الذي توقفت معرفته بمجيء آخر الأنبياء و الرسل محمد بن عبد الله، و بنزول القرآن عليه كآخر الرسالات السماوية و الذي ختم بقوله تعالى “اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم  و رضيت لكم الإسلام دينا” و هذا القبول الضمني بما يمارسه هؤلاء باسم الدين الإسلامي، و باسم الله لحاجة في نفس يعقوب. و لتبرير استبداد الدولة المغربية الذي يحول دون امتداد استبداد الحزبوسلاميين بالمجتمع المغربي، و مبرر هذا القبول يرجع إلى أن الدولة نفسها تعمل على ادلجة الدين الإسلامي بما يخدم مصلحة الطبقة الحاكمة بتجنيدها لجيش من المؤدلجين الذين ينتظمون في إطار وزارة تشرف على تلك الادلجة و توجهها، و تعمل على تنشيطها، و جعلها تتخلل كل مجالات الحياة، و الحزبوسلاميون في العدالة و التنمية يعتبرون جزءا مهما من ذلك الجيش المؤدلج للدين الإسلامي لصالح الدولة المغربية. و هو ما يعني أن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو امتداد لشبكة المؤدلجين الذين توظفهم الدولة المغربية. و أن ادلجة الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو مكمل و متمم للأدلجة التي تنظمها الدولة المغربية. و أن ما يسعى الحزبوسلامي إلى فرضه من استبداد بديل هو تدعيم و تقوية لاستبداد الدولة المغربية. و لذلك لا نستغرب أن يتلقى الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) هذا الدعم اللامحدود من الدولة المغربية، كما لا نستغرب السماح لهؤلاء بالتواجد في “المجالس العلمية” التي تنظمها الدولة.و الدولة تعلم انهم ينتمون إلى الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) و بالتالي فإن الفتاوى التي تصدرها تلك المجالس يقف وراءها مؤدلجو الدين الإسلامي في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية)، كما لا نستغرب السماح لهم باعتلاء منابر المساجد، و إشاعة ادلجة الدين الإسلامي من أعلى تلك المنابر، لأن الهدف هو تضليل الجماهير الشعبية الكادحة حتى تبقى رهن إشارة الدولة كعامل على ادلجة الدين الإسلامي، و رهن إشارة المؤدلجين أنى كان لونهم، بمن فيهم مؤدلجو الحزبوسلامي (العدالة و التنمية).

و انطلاقا من هذا الواقع نجد أن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) يبقى مصرا على إنتاج خطاب التخلف الاقتصادي، و خطاب التخلف الاجتماعي، و خطاب التخلف الثقافي، و خطاب التخلف المدني، و خطاب التخلف السياسي، لأنه يملك كافة الإمكانيات المادية و المعنوية و التنظيمية و البشرية و السلطوية، و الدينية لإشاعة  هذا الخطاب بين مختلف فئات الشعب المغربي التي يعاني معظمها من الأمية و الجهل و الفقر و المرض، و انعدام الوعي الحقيقي في صفوفها مما يجعلها تعتقد أن خطاب التخلف الذي يعمل على إشاعته الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو الخطاب الإسلامي الصحيح.

فما العمل من اجل مواجهة خطاب التخلف الذي يعمل على إنتاجه الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لتضليل المغاربة بذلك الخطاب و خاصة بعد كارثة تسونامي ؟

إن مواجهة خطاب التخلف هي مهمة مجتمعية و المجتمع المغربي محكوم بدولة، و هذه الدولة معنية بالدرجة الأولى بالحرص على تقدم الشعب على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، إما من خلال إيجاد القوانين و التشريعات التي تساعد على إيجاد تنمية في جميع المجالات بمساهمة القطاع العام أو القطاع الخاص حتى يجد المواطن نفسه محفوفا بما يشجع على الانخراط فيها، و كل من ينخرط في التنمية بمضامينها المختلفة يقف وراء إحداث التقدم و التطور، و سيكون و لاشك ضد التخلف و ضد إنتاج خطاب التخلف. و المجتمع المغربي ، مجتمع طبقي، و لكل طبقة من طبقاته حزبها الذي يمثلها، و يحمل إيديولوجيتها و يهمه أن تتقدم تلك الطبقة و تتطور تبعا لتقدم و تطور الواقع في كل مجالات الحياة، و التطور يقتضي مواجهة خطاب التخلف الإيديولوجي و السياسي الصادر عن الحزبوسلامي و الذي يتحول إلى أن يصير خطابا دينيا من قبل الأحزاب التقدمية و الديمقراطية التي لا تلجأ إلى ادلجة الدين الإسلامي، و التي تسعى إلى أن تكون الممارسة الديمقراطية هي سيدة الموقف.

فمواجهة خطاب التخلف يقتضي الوعي به و العمل على نقضه كإيديولوجية، و كفكر، و كممارسة، و كوسيلة لتجييش الجماهير الشعبية الكادحة و تضليلها في أفق جعل تلك الجماهير تعي جيدا ذلك الخطاب، و تدرك خطورته على مستقبلها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و تتعرف على ما يجب عمله لاستئصاله من صفوفها. و ماذا تعمل من اجل وضع حد لبثه في أذهانها و مسلكياتها الفردية و الجماعية. و الأحزاب التقدمية و الديمقراطية، و معها المثقفون الديمقراطيون و التقدميون، و منهم الثوريون هي المؤهلة فعليا إذا امتلكت الشجاعة الكافية لامتلاك المعرفة الكاملة بحقيقة الإسلام، و حقيقة ادلجة الدين الإسلامي من اجل اعتماد تلك المعرفة الصحيحة بالدين الإسلامي، و بأدلجة الدين الإسلامي في قيادة الجماهير الشعبية الكادحة و توعيتها حتى تستطيع التفرقة بين ادلجة الدين الإسلامي و بين الدين الإسلامي. و تشرع مباشرة في مواجهة مؤدلجي الدين الإسلامي حتى يتوقفوا عن إنتاج خطاب التخلف الذي يكبل إبداعات الأفراد و الجماعات، و يحول دون قيام نهضة حقيقية في صفوف المغاربة على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. ثم العمل على إشراك الجماهير في النضال من اجل الديمقراطية الذي هو المبتدأ و المنتهى في عملية استئصال الأسباب الحقيقية المنتجة لمؤدلجي الدين الإسلامي حتى يتخلص المجتمع من تلك الأسباب و يكتسب القدرة على بداية النهضة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية المعبرة فعلا عن قدرة الجماهير الشعبية الكادحة على تجاوز حالة التخلف التي تمسكه من كل الجوانب، و تعمل على إرجاعه إلى الوراء.

فهل تستعد الأحزاب التقدمية و الديمقراطية لمواجهة خطاب التخلف ؟

و هل تستطيع امتلاك الوعي بخطورة خطاب التخلف ؟

إن الشرط الموضوعي يفرض أن يتحمل الجميع في المغرب و في بداية القرن الواحد و العشرين، مسئوليته كاملة في العمل على وضع حد لأدلجة الدين الإسلامي كمصدر لإنتاج خطاب التخلف الذي يقف وراء تخلف الجماهير الشعبية الكادحة، سواء تعلق الأمر بسكان البادية، أو بسكان الأحياء المهمشة في المدن التي يسمونها بالأحياء الشعبية. فكأن الشعب يفرض عليه أن يصير متخلفا و أن يعيش حياة التخلف على جميع المستويات في الوقت الذي تعرف فيه البورجوازية التابعة و الإقطاع المتبرجز حياة النعيم إلى ما فوق درجة البذخ. و كأن تخلف الشعب صار مجالا  لتفريخ مؤدلجي الدين الإسلامي، و تصريف خطاب التخلف، و استنبات المنمذجين و المهمشين من تلك الأحياء الشعبية و الذين يستعدون لتنفيذ الأوامر التي يتلقونها من أمراء مؤدلجي الدين الإسلامي.

هل من العدالة اعتبار المغرب ماخورا ؟

و قد تبين لنا  من خلال ما سبق أن الحزبوسلامي لا يمكن أن يتخلى عن إنتاج خطاب التخلف، لأن وجود هذا الحزب قائم على إنتاج ذلك الخطاب، و توقف إنتاج خطاب التخلف معناه موت الحزبوسلامي (العدالة و التنمية). و كنتيجة لانتاج خطاب التخلف نجد أن الحزبوسلامي يحمل في بنية اسمه كلمة “العدالة” و حمله لهذه التسمية لا يعني أبدا انه يسعى إلى تحقيق العدالة، و تحقيق العدالة يتناقض مع ما يسعى إليه الحزبوسلامي (العدالة و التنمية). فالعدالة بمفهومها الديني تحقيق عدالة الله في الأرض كما جاء في القرءان “و أن احكم بينهم بما انزل الله، و لا تتبع أهواءهم ، و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك” و المراد بالأهواء هنا كل ما يتناسب مع المصلحة الفردية أو الطبقية، و هو ما يعني تأويل النص الديني حسب ما تقتضيه المصلحة الفردية أو الطبقية. و هذا التأويل المرفوض بنص القرءان ” و أن احكم بينهم بما انزل الله و لا تتبع أهواءهم” لا يمكن أن نقبله من الحزبوسلامي عندما يلجأ إلى تأويل النص القرءاني بصفة خاصة و النص الديني بصفة عامة، و لا يمكن أن يكون إلا لخدمة المصلحة الفردية و الجماعية للحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية). و مفهوم العدالة كمفهوم ديني عندما يتم تأويله من خلال تسمية الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) يفقد معناه الديني، و يكتسب المعنى الإيديولوجي الذي يهدف إلى تضليل الناس من اجل خدمة المصالح الطبقية للمنتمين إلى الحزبوسلامي. و هذا التحريف يقود عادة إلى الإقدام على إنتاج خطاب التخلف لدوره في جعل الكادحين يفقدون قدرتهم على التمييز بين حقيقة الدين الإسلامي، وبين ادلجة الدين الإسلامي التي تدفع إلى التأويلات التي لا حدود لها، و التي تحاول أن تفسر كل شيء بما في ذلك الظواهر الطبيعية تفسيرا إيديولوجيا ينسجم مع مصلحة الحزبوسلاميين في العدالة و التنمية. و من التفسيرات اعتبار زلزال تسونامي عقابا من الله بسبب سيادة السياحة الجنسية في جنوب شرق آسيا. و ما دام المغرب يعرف بدوره، كما يدعي ذلك الحزبوسلاميون، سياحة جنسية، و يقصده السواح لهذه الغاية، فإن الله سيعاقب المغاربة كما عاقب سكان جنوب شرق آسيا بزلزال تسونامي، و حسب هؤلاء فالمغرب ماخور، فهل نقبل منهم اعتبار المغرب ماخورا ؟ هل نسكت على ما يصفون به المغرب و المغاربة ؟ إن المفروض أن يخرج المغاربة جميعا محتجين على ذلك من جهة و على تفسير الكوارث الطبيعية على أنها عقاب من الله من جهة أخرى، فكأن الله الذي خلق السماوات و الأرض لم يجعلها خاضعة لقوانين خاصة بها، و هذه القوانين هي التي نسميها القوانين الطبيعية التي ليس من حقنا تفسيرها على أنها عقاب من الله، لأن الله فوق كل ذلك و منزه عنه. و مؤدلجو الدين الإسلامي الذين ادلجو كل النصوص المروية لم يبق لهم إلا اسم الله، و إلا الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فشرعوا في عملية ادلجته لخدمة مصالحهم حتى يجعلوا الناس يعتقدون أن الله وهبهم المعرفة بالغيب. وقد فضلهم  لذلك، و اكسبهم قوة تفسير الغيب. و تفسير من هذا النوع لابد أن يكون محكوما بالرغبة في تحقيق أهداف معينة. و الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) حقق ما يريد بانفراده بهذا التفسير الذي جعل الناس جميعا يتحدثون عنه، سواء كانوا معه أو ضده. و هو هدف ليس من السهولة تحقيقه، لكن الذي لم يكن في حسبان الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو تصدي الحركة الجماهيرية و الحقوقية و السياسية لما ادعاه الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) و مما اعتبروه غضبا من الله. غير أن السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا في هذه الحالة، و نحن نناقش ما صدر عن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو : هل من العدالة اعتبار المغرب ماخورا ؟ أليس هذا الاعتبار مذمة في حق المغاربة جميعا و منهم أعضاء الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) ؟ فالمغرب بشبابه و شيبه، بنسائه و رجاله، بعماله و عاملاته، بأطفاله ، و بأطره الكبرى و الصغرى و بجيشه و شرطته و دركه، و زعمائه السياسيين يمكن أن يكون أبناؤه جميعا أبناء مواخير. و لذلك يجب أن نعتبر الدولة المغربية دولة تحكم أبناء المواخير، و أن نعتبر المؤسسات التمثيلية المحلية و الجهوية و الوطنية مؤسسات لا تمثل إلا المواخير، و هو أمر يجب رفضه جملة و تفصيلا، لأنه يخالف القانون و يخالف الشريعة الإسلامية، و يخالف العادات، و يخالف التقاليد المغربية العريقة التي يحن أبناء الشعوب إلى تمثلها. و نظرا لأنه كذلك فإن على 30 مليون مغربي الذين يشملهم وصف المغرب بالماخور أن يعتبروا أنفسهم متضررين، و عليهم بسبب ذلك أن يلجأوا إلى القضاء طبقا للعدالة الحقيقية التي لا تأتي على يد الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) و اللجوء إلى القضاء و هو الطريق إلى جعل الحزبوسلامي يتوقف عن إنتاج خطاب التخلف الذي قادنا إلى هذه الوضعية التي يصير فيها المغرب ماخورا. و برجوعنا إلى السؤال الذي طرحناه : هل من العدالة اعتبار المغرب ماخورا ؟

إن العدالة باعتبارها ممارسة يومية تلتصق بالمسلكية الفردية و الجماعية في إطار الحرص على تحقيق التوازن النفسي، و الوجداني و الفكري لدى الأفراد. و تحقيق التوازن في العلاقات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية القائمة بين الأفراد في إطار الجماعة الواحدة أو بين الجماعات و في إطار المجتمع ككل. و هذه المسلكية في بعدها السياسي ليست مجرد توازن بقدر ما هي أخلاق يتحلى بها المسؤولون السياسيون تجاه الشعوب، و تجاه الأطراف الأخرى و تجاه الإنسانية. و ما صدر عن الحزبوسلامي بعد كارثة تسونامي لا علاقة له بالأخلاق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لأن اعتبار المغرب ماخورا هو موقف سياسي بالدرجة الأولى تجاه المخالفين للحزبوسلامي (العدالة و التنمية). و الشعب المغربي الذي يرفض قسم كبير منه التعامل مع هذا الحزب، و حتى المجيشين وراءه صاروا يتراجعون إلى الوراء لإدراكهم خطورة ادلجة الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) للدين الإسلامي على مستقبل الشعوب بصفة عامة، و على مستقبل الشعب المغربي بصفة خاصة. و مادام مجرد موقف سياسي، فهو يفتقر إلى الأخلاق السياسية التي تجعله غير عادل في حق الشعب المغربي الذي لا يستحق أن يعتبر وطنه ماخورا. و يسعى إلى أن يرقى إلى مستوى الشعوب المتقدمة و المتطورة بحرصه على تحقيق التقدم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي عن طريق العمل على تحقيق الديمقراطية بأبعادها المختلفة التي هي المدخل الحقيقي لأي تقدم أو تطور على جميع المستويات، و أبناء الشعب المغربي هم حفدة طارق بن زياد، و محمد بن عبد الكريم الخطابي، و موحااوحمو الزياني، و المهدي بنبركة و غيرهم ممن تربى المغاربة على آبائهم و عزة نفسهم، و على سعيهم إلى بناء مغرب حر و ديمقراطي و عادل إلى ان قضوا في مواجهة من يستفيد من استغلال المغاربة، و السيطرة على الخيرات المادية و المعنوية بعد السيطرة على أدوات السلطة التي يتم توظيفها في تسخير المغاربة، و بالقوة و القهر المتواصلين لقبول الاستغلال الممارس عليهم اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا من قبل الاحتلال الأجنبي أو من قبل الطبقة الحاكمة أو من قبل المؤسسة المخزنية، و افتقار الموقف الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) إلى الأخلاق السياسية يجعله غير عادل. و هو ما يستوجب اعتذار الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) إلى الانسانية بصفة عامة و الى الشعب المغربي، لأن اسر الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) في دائرة الجنس جعله يعتقد أن العلاقة بين الأمم و الشعوب هي مجرد علاقات جنسية، مخالفا بذلك ما جاء في القرءان “انا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” فكيف يكون التعارف بين الشعوب و بين الأمم إذا لم تكن هناك سياحة، و ليس من حق أي حزبوسلامي، و مهما كان تضلعه في المعرفة الضرورية المؤدية إلى تعميق ادلجة الدين الإسلامي كما هو الشأن بالنسبة للحزبوسلامي (العدالة و التنمية) أن يظن بالناس الظنون، حتى و إن كانوا غير مسلمين. و إذا كان هناك فساد أخلاقي في المجتمع فلا يمكن أن يعم جميع المغاربة. و ذلك الفساد إن وجد، فإنه يكون نتيجة لأسباب اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية، و كان على الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) أن يطرح تلك الأسباب على الرأي العام، و أن يشرع في المطالبة بالعمل على إزالتها، خاصة و أن فريقه البرلماني يعتبر من الفرق الأكثر عددا، و نحن لا نملك إلا أن نسجل إيجابية العمل الذي يقبل عليه الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لأنه سيتقاطع مع ما نقوم به بعيدا عن التضليل الأيديولوجي، و سعيا إلى قول الحقيقة، و السياسة الحقيقية هي سياسة الحقيقة كما يقول الشهيد المهدي بنبركة الذي اعتبره مؤدلجو الحزبوسلامي، و في إطار استغلال منابر مساجد المغرب الذي ناضل الشهيد المهدي بنبركة من اجل استقلاله، و ناضل من اجل أن يتمتع الشعب المغربي بالحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، غير شهيد و انه مات كافرا، و لا يستحق التمتع بصفة الشهادة.

و الفساد الجزئي و المحدود لا يخص المغرب وحده و إنما يوجد في جميع بلدان المسلمين، و في غيرها من البلدان، و في القارات الخمس، و قد وجد منذ وجد استغلال الإنسان للإنسان، و في جميع العصور، و قد كان موجودا أثناء نزول القرءان، و لم يعاقب الله البشرية عقابا جماعيا بسببه بل انزل الله حكما في ذلك حينما قال في سورة النور ” الزاني و الزانية، فاجلدو كل واحد منهما مائة جلدة” و في قراءة ابن مسعود “و الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما” بمعنى أن الفساد فساد اجتماعي، و أن الله حدد الحكم، و أوكل للبشر تنفيذه عندما يثبت حدوث الفساد، و بالحجة و البرهان.

و بما أن الأمر كذلك، و بنص القرءان، فإن على الحزبوسلامي أن يقدم اعتذارا إلى الشعب المغربي و إلى هيئاته المنتفضة للاحتجاج على ادعاءات هذا الحزب (العدالة و التنمية)، و إلى الإنسانية التي تعاطفت جميعها و على اختلاف معتقداتها و أنظمتها السياسية مع كارثة تسونامي الذي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من البشر اغلبهم من المسلمين بشيوخهم، و شبابهم، برجالهم و نسائهم و بأطفالهم، و منهم من كان يتعبد في ذلك الوقت إما في بيته أو في المسجد. و اعتبار ما حصل في جنوب شرق آسيا كارثة طبيعية، و الكارثة الطبيعية لا تميز بين مكان و مكان، و لا بين مومن و كافر، و إنما تأتي على كل شيء و على كل شخص مهما كان متدينا أو مؤدلجا للدين الإسلامي في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية).

و تقديم الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) الاعتذار للشعب المغربي و لمنظماته، و للبشرية سيجعله يتراجع عن ادلجته للكوارث الطبيعية في أفق تراجعه عن ادلجة الدين الإسلامي حتى تصير ممارسته السياسة خالية من ادلجة الدين الإسلامي، و من توظيف هذا الدين في الأمور الإيديولوجية و السياسية حتى يبقى الدين لله. و تلك هي الغاية القصوى من الاعتذار الذي يمكن أن يقدم عليه الحزبوسلامي (العدالة و التنمية).

تفاقم المشاكل الأسرية نتاج خطاب التخلف :

و خطاب التخلف الذي ينتجه الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لا يتوقف عند حدود معينة و لا يكتفي بالتضليل الإيديولوجي و السياسي للجماهير الشعبية الكادحة التي تصير بضلالها مطية لوصول الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) إلى مراكز القرار، بل يتجاوز ذلك كله عندما تصير فتاوى الحزبوسلامي و تأويلاته للنصوص الدينية و إحياؤه  للجانب المتشدد في الفقه المحسوب على “الشريعة الإسلامية” هي “الشريعة الإسلامية” التي يدعو الناس إلى تطبيقها في حياتهم الخاصة على أنها هي “الشريعة الإسلامية”. و هذا التطبيق يصير بعيدا عن الأجهزة المعنية بالإشراف عليه، و خاصة حينما يتعلق الأمر بعلاقة الرجل بالمرأة في إطار الأسرة، و علاقة الإخوان بالأخوات بصفة خاصة، و الأقارب بالقريبات بصفة عامة. فخطاب التخلف الذي ينتجه الحزبوسلامي يؤدي إلى تكريس دونية المرأة التي تصير عورة جملة و تفصيلا، مهما كانت المكانة التي تحتلها في المجتمع. و مهما كان العطاء الفكري و الأدبي و الفني و العلمي الذي تقدمه للمجتمع. و مهما كانت الخدمات التي تقدمها لا لأنها كذلك، بل لأن تأويلهم الإيديولوجي لقوله تعالى “الرجال قوامون على النساء” رفع مستوى الرجل إلى مستوى العصمة، و انزل مستوى المرأة إلى الانحطاط. مع أن قوامة الرجل رهينة بضرورة توفر شروط معينة، و تلك الشروط هي التي يمكن اعتمادها للقول بقوامة الرجل على المرأة. أما عندما تنتفي تلك الشروط فإن فرض قوامة الرجل على المرأة ، كما يحصل في عصرنا هذا، يعتبر ظلما للمرأة و إهانة لها، و باشتراك الرجل و المرأة في العمل و في مسؤولية البيت، و في تربية الأولاد، تزول القوامة لزوال شروطها كما جاء في القرءان الكريم ” و المومنون و المومنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يومنون بالله” و أكبر دليل على أن القوامة لابد أن تكون مشروطة هو مساواة المرأة للرجل في الإيمان بالله. و لأن خطاب التخلف صار سائدا في الواقع الاجتماعي، فإن الرجل المتخلف الذي قد تدفعه شروط اقتصادية و اجتماعية و ثقافية معينة إلى الارتباط بامرأة افضل منه، و تتوفر على شروط ممارسة القوامة عليه، فإنها تصير معانية منه بدعوى انه مفضل عليها، و قوام على حياتها. لا لشيء إلا لأنه رجل، و كأن الله خلق الرجل ليكون افضل من المرأة، و أن المساواة بينهما مستحيلة و تتناقض مع الدين، و خطاب التخلف هذا لا يستحضر في اعتباره أن إصراره على القوامة المطلقة للرجل تنفي عن الله كونه عادلا، و العدل من أسماء الله تعالى، و من عدله المساواة بين الرجل و المرأة. و هذه المساواة هي التي تقتضي نسبية القوامة التي يترتب عنها المساواة في المسؤولية و قد يترتب عنها قوامة المرأة على الرجل في شروط معينة.

و انطلاقا من الفهم المحرف لمعنى القوامة نجد أن الحزبوسلامي يوظف هذا الفهم توظيفا إيديولوجيا و سياسيا للعمل على :

1) فرض استبداد الرجل بالمرأة، مما يعني تعطيل نصف المجتمع. و جعله غير قادر على المساهمة الفعالة في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية، من منطلق أن الرجال قوامون على النساء، و أن القوامة حسب رأي الحزبوسلامي، تعطي للرجل الحق أن يفرض سيطرته على أسرته بصفة عامة، و على المرأة بصفة خاصة حتى يحفظ أسرته، و امرأته من الوقوع في الأخطاء التي قد تسيء إلى شرف الأسرة أو إلى شرف المرأة. و كأن الرجل منزه عن الوقوع في الأخطاء التي قد تسيء إلى شرف الرجل. و لذلك ينزل في الأسرة منزلة الإله الذي لا يسأل عما يفعل، و أبنائه و زوجته يسألون.

2) الانطلاق من أن المرأة عورة، و لذلك يجعلها الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) في مركز تفكير اتباعه، و لكنه في نفس الوقت يستحضرها في تغيير ميزان القوة لصالح الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) في مختلف المحطات الانتخابية من اجل الحصول على المقاعد اللازمة لفرض اتخاذ قرارات معينة في المجالس المحلية و الجهوية و الوطنية. و مساهمتها في إكساب الحزبوسلامي الدور اللازم في مختلف المجالس المحلية و الجهوية و الوطنية. و مساهمتها في إكساب الحزبوسلامي الدور اللازم في مختلف المجالس لا يمكن أن يعتبر مبررا لتمتيع المرأة بحقوقها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، لأن تمتيعها بتلك الحقوق سيحررها من التبعية للرجل، و هو ما يعتبر في نظر الحزبوسلامي خروجا عن الدين الإسلامي. و للمحافظة على الدين الإسلامي لابد من حرمانها من تلك الحقوق . و في هذا الإطار كانت الحملة الهمجية التي قادها الحزبوسلامي في جميع أنحاء المغرب، و على المستوى الإعلامي ، ضد الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية حتى لا تنتقل من مجرد مشروع إلى قانون ملزم للمغاربة. و عمل الحزبوسلامي على تكفير كل المدافعين عن الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، و إصدار الفتاوى بالقتل وغير ذلك مما لا ننشغل به في هذه الأرضية.

و تبعا لشيوع موقف الحزبوسلامي من الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية في المجتمع فقد ساد عداء مطلق للمرأة، و ترتب عن ذلك العداء المطلق وصف المرأة بأوصاف سيئة تجعلها مستهدفة بالسب و الضرب و الطلاق و التشريد و غير ذلك من الممارسات التي لا يتم البث فيها أمام المحاكم بالسرعة اللازمة مما يجعل المرأة لا تعاني من الدونية التي يفرضها الرجل على المرأة فقط، و إنما تعاني أيضا من النظام القضائي في المغرب الذي يضطر لتفعيل القانون لصالح الرجل تبعا لما هو سائد في الواقع حتى لا يختلف القضاء عما يمارس اقتصاديا، و ما يمارس اجتماعيا، و ما يمارس ثقافيا، و ما يمارس سياسيا مما تتكرس في إطاره دونية المرأة كهدف مركزي يسعى الحزبوسلامي إلى فرض تكريسه على ارض الواقع، حتى لا تحلم المرأة بالحرية، و حتى لا تصير مساوية للرجل كنتيجة لتمتعها بالحرية التي تقود إلى وضع حد لقوامة الرجل.

3) الحث على تطبيق “الشريعة الإسلامية” التي لا تعني في نظر الحزبوسلامي إلا العلاقة التي تربط بين الرجل و المرأة التي توجب “الشريعة الإسلامية” حسب فهمهم لها أن تكون القوامة للرجل، و أن تكون المرأة تحت طاعة الرجل سواء كانت أما أو أختا أو زوجة، أو بنتا، أو خالة أو عمة أو أي قريبة أخرى. و الطاعة هنا لا تعني إلا خضوع المرأة في مستوياتها المتعددة للرجل مهما كانت درجة قرابته. فالعلاقة المحددة في تأويلهم “للشريعة الإسلامية” هي التي يجب أن تحكم بين الرجل و المرأة، قبل الزواج و أثناءه و بعده و كيف تتصرف المرأة في الحياة العامة، و في حياتها الخاصة  حتى تكون تصرفاتها مطابقة “للشريعة الإسلامية” كما بمفهومها، أي مطابقة لأدلجتهم للدين الإسلامي.

و نظرا لعدم تناسب تصور الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) لوضعية المرأة في المجتمع، و كيف يجب أن تكون، مع ما تقتضيه الحياة المتطورة. فإن الأسر المغربية تعرف تفجير التناقضات المختلفة التي قد تفضي إلى إقدام الرجل على قتل المرأة، أو إقدام المرأة على قتل الرجل، أو تعريض الأبناء إلى التشرد بسبب الطلاق، أو بسبب الفراق بدون طلاق، أو بسبب عدم القيام بالواجبات تجاه الأبناء سواء تعلق الأمر بالتغذية الصحية و الروحية أو تعلق بالجانب التربوي. فما يصيب الأبناء من أمراض نفسية بسبب المشاكل الناجمة عن التناقض القائم بين  الرجل الذي يتبنى غالبا تصور الحزبوسلاميين في العدالة و التنمية،  و بين المرأة التي تحن إلى التخلص من القهر و الظلم و الاستعباد و الاستغلال. و لذلك فنحن نعتقد جازمين أن معظم المشاكل التي تعرفها الأسر المغربية ناتجة عن تغلغل ادلجة الدين الإسلامي في صفوف الكادحين الذين يفتقرون إلى الوعي بخطورة تلك الادلجة، و يعتقدون أنها هي عين الدين الإسلامي نظرا لتخلفهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.

و لتجاوز المشاكل التي تعرفها الأسر المتأثرة بأدلجة الدين الإسلامي نجد انه من الضروري :

1) المعرفة الجيدة بقانون الأسرة في صيغته الحالية التي تضمنت بعض ما جاء في الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية ، باعتبارها هي الشريعة المنظمة للعلاقة القائمة بين الرجل و المرأة، و أن هذه الشريعة يجب أن تكون متداولة بين الناس حتى يتم وضع حد للتأويلات  الإيديولوجية للحزبوسلامي (العدالة و التنمية) التي تسعى باستمرار إلى تكريس دونية المرأة التي تلعب دورا كبيرا في المشاكل الكبيرة التي تعرفها الأسر.

2) المعرفة الجيدة بحقيقة الدين الإسلامي، لأن تلك المعرفة التي تقف سدا منيعا أمام ادلجة الدين الإسلامي، و تجعلنا نتعرف بسهولة على ممارسة الادلجة من قبل البشر الذين يوظفون الدين الإسلامي في الأمور الإيديولوجية و السياسية. و لأن المعرفة الجيدة بحقيقة الدين الإسلامي يحصننا ضد السقوط في ممارسة ادلجته، حتى و إن كان ذلك عن غير قصد.

3) المعرفة الجيدة بالواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي تعيشه الأسر المغربية، و تعيشه المرأة بالخصوص من خلال هذه الأسر، حتى يتأتى لنا التعامل مع الأسر المغربية و مع قانون الأسرة و مع الدين الإسلامي انطلاقا من معرفتنا الجيدة بذلك الواقع التي قد نجد فيها الإجابات على الكثير من الأسئلة المطروحة بسبب المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي تتخبط فيها الأسرة المغربية بسبب الجهل بقانون الأسرة و بالدين الإسلامي، و بالواقع في نفس الوقت.

4) المعرفة الجيدة بالمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و بالميثاق الدولي المتعلق بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، و بميثاق حقوق الطفل باعتبارها قوانين دولية ملزمة لجميع الدول الموقعة عليها، حتى تكون المعرفة بتلك المواثيق إضاءة للمغاربة من اجل إخضاع الممارسة العامة، و الممارسة الخاصة تجاه المرأة للتقويم انطلاقا من تلك المواثيق التي صارت مقياسا للتقدم أو التخلف لأن احترامها لا يمكن أن يعتبر إلا تقدما في اتجاه تحقيق كرامة الإنسان في أبعادها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و المرأة إنسان، و كرامتها من كرامة المجتمع، و تربيتها على حقوق الإنسان، يمكن اعتبارها إنجازا عظيما في اتجاه إعدادها للمساهمة في بناء أسرة سليمة تقوم فيها العلاقة بين الرجل و المرأة على أساس احترام الحقوق الإنسانية حتى لا يتم خدش كرامة كل من الرجل أو المرأة.

5) بناء البرامج الدراسية على أساس المعرفة الجيدة بقانون الأسرة، و بالدين الإسلامي، و بالواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و بالمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان العامة و الخاصة حتى لا تصير البرامج الدراسية وسيلة لبث ادلجة الدين الإسلامي، و حتى لا تصير تلك الادلجة في خدمة التوجهات الحزبوسلامية، و في خدمة الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) كما هو حاصل الآن في المغرب، و حتى تتحول البرامج الدراسية إلى وسيلة لإشاعة التربية على الحقوق الإنسانية مما يساهم بشكل كبير في بناء مجتمع الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية ليتجنب بذلك الوقوع بين مخالب الحزبوسلاميين الذين يعادون حقوق الإنسان و يعتبرونها كافرة و ملحدة، و لا يسعى إلى العمل بها إلا الكفرة و الملحدون.

6) إنشاء جهاز للمراقبة الدينية تكون مهمته الأساسية و الرئيسية حفظ الدين الإسلامي من الادلجة. و الحيلولة دون تحويل البرامج الدراسية إلى برامج حزبوسلامية يستغلها الحزبوسلامي (العدالة و التنمية). و لتكريس السيطرة الإيديولوجية على عقول الشباب و على وجدانهم، و على مسلكياتهم في مختلف المستويات الدراسية، لتصير المدرسة المغربية، و الجامعات المغربية اكبر مغذ للحزبوسلامي (العدالة و التنمية) بالمزيد من المنتمين القابلين للتجييش بسهولة. فدور جهاز المراقبة هو دور موجه ، و محاسب في نفس الوقت حتى لا يصير التلاعب بالدين الإسلامي هما يوميا لمؤدلجي الدين الإسلامي في (العدالة و التنمية) و حتى يتم وضع حد للتضليل الذي يمارسه المضللون المؤدلجون للدين الإسلامي في المساجد، و في المدارس، و في الجامعات، و في مختلف المناسبات الدينية و الاجتماعية و الأسرية لجعل كل ممارسة دينية هي ممارسة إيديولوجية في خدمة توسع الحزبوسلامي.

7) تجريم الممارسة الإيديولوجية الدينية، و إنشاء محاكم خاصة ذات بعد ديني و اجتماعي و ثقافي و مدني و سياسي للنظر في ارتكاب جريمة ادلجة الدين الإسلامي الذي يوضع لهذه الغاية حتى يتجنب الأفراد و تتجنب الجماعات و الأحزاب اعتماد ادلجة الدين الإسلامي في الاستقطاب الحزبي، و حتى لا يتحول الله إلى مجرد منتم إلى الحزبوسلامي و عامل على إشاعة ادلجته للدين الإسلامي، لأن الله لكل من آمن به، و اعتنق دينه الإسلامي، و هو منزه عن أن يصير منتميا إلى حزب مؤدلج للدين الإسلامي.

و بهذه الإجراءات الضرورية يمكن العمل على تجاوز معظم المشاكل التي تعاني منها الأسر في المجتمع المغربي، لأن الأسر حينها ستتحصن ضد ادلجة الدين الإسلامي. و ستغلق الطريق أمام مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يتغذون من المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي يعرفها المجتمع، و من المشاكل التي تعيشها الأسر المختلفة.

ألم يحن الوقت للامساك عن ادلجة الدين الإسلامي ؟

و بوقوفنا على أن معظم المشاكل التي تقع في إطار الأسر المغربية، و في العلاقات العائلية و بين الأقارب ناتج عن تغلغل ادلجة الدين الإسلامي في الأوساط الشعبية. و نظرا للإرهاب الذي أصاب المغاربة في عدد من المحطات بسبب ادلجة الدين الإسلامي، خاصة في 16 ماي 2003. و نظرا لتجذر التطرف المترتب عن ادلجة الدين الإسلامي في الأحياء الشعبية الفقيرة و في صفوف التلاميذ و الطلبة و العاطلين و بسبب الفوارق الطبقية المتفاقمة في المجتمع المغربي و انعدام الديمقراطية بمضامينها المختلفة، بسبب الحرمان من الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية نجد أنفسنا مضطرين إلى طرح السؤال عنوان هذه الفقرة ” ألم يحن الوقت للامساك عن ادلجة الدين الإسلامي و توظيفه في الأمور السياسية؟”

إن جميع المعطيات القائمة في الساحة المغربية، و جميع العمليات الإرهابية التي وقف وراءها مؤدلجو الدين الإسلامي، و جميع المشاكل التي تقع يوميا في المجتمع و على مستوى الأسر المغربية تؤكد كلها أن اكبر جريمة ترتكب في حق الشعوب بصفة عامة و في حق الشعب المغربي بالخصوص هي جريمة ادلجة الدين الإسلامي. و أن اعظم المجرمين الذين عرفهم التاريخ البشري و تاريخ المغاربة هم مؤدلجو الدين الإسلامي. و أن اكبر كارثة وقفت وراء وجدها الأنظمة القائمة هي السماح لهؤلاء المؤدلجين بتنظيم أنفسهم في تنظيمات مؤدلجة للدين الإسلامي. و أن الذي يعطي الشرعية لقيام تلك التنظيمات بالتواجد و بالقيام بأدلجة الدين الإسلامي هو قيام الأنظمة القائمة في البلاد العربية و الإسلامية بادلجة الدين الإسلامي لاعطاء الشرعية الدينية لنفسها بدل اكتساب الشرعية الجماهيرية بالممارسة الديمقراطية. و لذلك نرى أن الاستمرار في ادلجة الدين الإسلامي من الممارسات التي تسيء إلى حقيقة الدين و تسيء إلى المتدينين الذين يصيرون حاملين لفهم غير صحيح للدين الإسلامي و هذا الفهم غير الصحيح يؤدي إلى إنتاج ممارسة تحريفية لهذا الدين من قبل المسلمين، سواء على مستوى المعتقد أو على مستوى العبادات أو على مستوى الأفكار أو على مستوى العلاقات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، نظرا لتوظيف الدين في كل تلك العلاقات انطلاقا من ادلجة الدين الإسلامي سواء من قبل الدول أو من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي الذين توظفهم الدول، أو يسعون إلى الوصول إلى السلطة.

و مادامت الإساءة حاصلة بالنسبة لحقيقة الدين الإسلامي و بالنسبة للمسلمين المغفلين الذين لا يملكون القدرة على امتلاك الفهم الصحيح للدين. فإن التخلي عن ادلجة الدين الإسلامي سواء من قبل الدول و جيوشها المؤدلجين للدين، أو من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي الساعين إلى الوصول إلى السلطة اعتمادا على ادلجة الدين.

فهل تتخلى الدول عن ادلجة الدين ؟ و ما العمل من اجل جعلها تتخلى عن ادلجة الدين ؟

و هل يتخلى مؤدلجو الدين الإسلامي عن ادلجة الدين الإسلامي ؟ و ما العمل من اجل جعلهم يتخلون عن تلك الادلجة ؟

إن الدول في البلاد العربية و في بلاد المسلمين هي دول قائمة في الأصل على أحد أمرين :

الأمر الأول : هو اعتماد القوة في الوصول إلى السلطة بعد التغلب على من كان يملك تلك السلطة و القضاء عليه و الحلول محله. ليصير مهتما بالعمل على تأبيد سلطته. و هذا التأبيد لا يتأتى إلا بالإبقاء على القوة المؤيدة و العاملة على جعل الناس يخضعون خضوعا مطلقا لمن يملك السلطة، دون اعتبار للجماهير، و لا لارادتها، و لاختياراتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و لا لطموحاتها في تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية, و دون اعتبار للقوانين المحلية، أو الدولية، و دون سعي إلى احترام حقوق الإنسان. فما يهم من يملك السلطة هو استدامة امتلاك السلطة باعتبارها وسيلة لفرض الاستبداد بالمجتمع و لخدمة المصالح الطبقية للطبقة التي تصير مالكة للسلطة.

و الأمر الثاني : هو اعتماد ادلجة الدين الإسلامي لتجييش الناس إما وراء الجهة المالكة للسلطة من إعطائها الشرعية القانونية المحلية و الدولية و الدينية في نفس الوقت. و إما وراء مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يسعون إلى تحقيق السيطرة على أجهزة الدولة اعتمادا على المجيشين بتلك الادلجة، و تحول تلك الدولة إلى “دولة إسلامية” تعمل على تطبيق “الشريعة الإسلامية”. و سواء تعلق الأمر بالدولة التي تعتمد  القوة، أو تعتبر نفسها دولة “دينية” أو “دولة إسلامية”. فإن هذه الدولة تبقى دولة مستبدة بالحكم، و في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و لا وجود عندها لشيء اسمه الديمقراطية لتناقضها مع الاستبداد. و إذا كانت هناك ديمقراطية، فإنها لا تتجاوز إعطاء الشرعية للاستبداد كما يحصل عندنا في المغرب . و إلا فإنها لو كانت ديمقراطية حقيقية فعلا، فإنها ستتناقض مع مشاركة الحزبوسلامي في تلك الانتخابات.

و انطلاقا من أن معظم الدول في البلاد العربية و في باقي بلدان المسلمين قائمة على أساس ادلجة الدين الإسلامي، فإنه من باب المستحيل تخلي هذه الدول عن ادلجة الدين الإسلامي لأن تلك الادلجة وقفت وراء وجودها، و تدخل في بنياتها على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

و لجعل الدول تتخلى عن ادلجة الدين الإسلامي نرى ضرورة :

1) العمل على تشريح ادلجة الدين الإسلامي، و بيان مغالطات مؤدلجي الدين الإسلامي، و العمل على كشف الأهداف التي تحكم ممارستهم للادلجة، و ماذا يعملون من اجل تحقيق تلك الأهداف ؟ حتى تتبين الجماهير الشعبية حقيقة مؤدلجي الدين و حقيقة ادلجة الدين التي تصير متميزة عن حقيقة الدين الإسلامي حتى يتجنب الناس التفاعل مع ادلجة الدين الإسلامي و يعملون على محاصرتها حتى تفقد قوة التأثير فيهم. و يتوقف مؤدلجو الدين الإسلامي عن ادلجة الدين الإسلامي، و عن تصريف قيم الادلجة التي ليست إلا تحريفا للدين الإسلامي. الذي يجب أن يسعى الجميع إلى صيانته من التحريف و اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد المحرفين.

2) العمل على إبراز الكوارث و المصائب التي وقف مؤدلجو الدين الإسلامي وراء حدوثها، و الاغتيالات التي يقومون بها، و المسلكيات التي يحاولون جعل الناس يقومون بها على أنها هي الدين الإسلامي، حتى يتبين للناس من هم هؤلاء المؤدلجون ؟ و كيف انهم يسعون إلى تحقيق أهدافهم المتمثلة في تجييش الناس، و اعتماد ذلك التجييش للوصول إلى السلطة القائمة أو فرض سلطة بديلة للسلطة القائمة، و كيف انهم يبنون استراتيجيتهم على إرهاب الناس ماديا و معنويا حتى يصير الخوف وسيلة من الوسائل التي تجعل المجتمعات البشرية ترهبهم. و تسعى إلى إرضائهم تجنبا للكوارث التي قد تصيب البشر بسبب ممارستهم للعمليات الإرهابية التي يقومون بها هنا أو هناك و في أي مكان من الأرض. و ما يقومون به من عمليات إرهابية يجب أن يكون معروفا عند جميع الناس حتى لا يعملوا على الارتباط بهم أو قبول ممارستهم للتجييش في أوساطهم.

3) تنظيم حملات للتوعية الحقيقية في صفوف الجماهير حتى تصير التوعية الحقيقية سلاحا يوظفه المثقفون التنويريون، و الثوريون، و الديمقراطيون. و توظفه الأحزاب السياسية التقدمية، و الجمعيات الثقافية الجادة، و التربوية المستنيرة. لأن نشر التوعية الحقيقية يجب أن تكون مهمة جميع التقدميين و الديمقراطيين أحزابا، و جماعات و أفراد و نقابات، و جمعيات حقوقية و تربوية و ترفيهية لإكساب المجتمع حصانة ضد ادلجة الدين الإسلامي. و موقفا من مؤدلجي الدين الإسلامي، و من التنظيمات التي ينتمون إليها، ليجدوا أنفسهم غير قادرين على اقتحام معاقل الجماهير الشعبية الكادحة التي تحول ادلجة الدين الإسلامي دون اكتسابها لوعيها الطبقي الحقيقي بسبب التضليل الممارس عليها من قبل المؤدلجين حتى لا يروا ما يمارس عليهم من استغلال همجي حتى يصير المؤدلجون من جملة المستفيدين من ذلك الاستغلال.

4) القيام بدراسة حالات الحكم الحزبوسلامي في إطار ما يسمونه ب”الدولة الإسلامية” و تطبيق “الشريعة الإسلامية” كما هو الشأن بالنسبة لأفغانستان في عهد حكم الطالبان و السودان، و السعودية و غيرها من الدول التي تدعي أنها تقيم “الدولة الإسلامية” و تطبق “الشريعة الإسلامية” من اجل استخلاص ما يجب من دروس، و من اجل الوقوف على عمق التخلف الذي أصاب الشعوب بسبب ذلك الحكم وصولا إلى أن ادلجة الدين الإسلامي تتناقض مع التطور في جميع مستوياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و أن تلك الادلجة تكون منتجة للتخلف بطبيعتها، لأن الانشغال باستعادة الماضي يجعل الناس لا ينظرون إلى الأمام بقدر ما ينظرون إلى الخلف، و النظر إلى الخلف ينسي النظر إلى ما يجري في الواقع، و يحقق ما يسميه البعض بالاستلاب، و البعض الآخر بالغربة بسبب كون الناس لا يعيشون واقعهم، و لا يسعون إلى إدراك الواقع، و لا إلى إدراك الآليات التي تساعد على تطويره، و تطوره و هو ما يجعل الواقع يكرر نفسه وفق ما يقتضيه “الحكم الإسلامي” و تطبيق “الشريعة الإسلامية”.

و الغاية من دراسة حالات “الحكم الإسلامي” هي الوقوف إلى أي حد كان هذا الحكم “إسلاميا” فعلا، أم انه كان حكما من منطلق تأويل إيديولوجي معين للدين الإسلامي. و هل طبق “الشريعة الإسلامية” كما هي في الكتاب و السنة، أم أن ذلك التطبيق كان رهينا بتأويل معين للشريعة الإسلامية ؟ و هل تطورت الشعوب المحكومة ب”الدول الإسلامية” أم أنها صارت اكثر تخلفا ؟ لأن وقوف الدارسين على هذه النماذج من “الحكم الإسلامي” هي التي تجعلنا نقتنع بأن هذا “الحكم الإسلامي” يحقق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية أم انه يؤدي إلى الاستعباد، و الاستبداد، و حرمان الشعوب من الخيرات المادية و المعنوية ؟

5) الوقوف على واقع المرأة في تشريعات “الدول الإسلامية” التي تطبق “الشريعة الإسلامية” التي تفرض على المرأة أن تعيش واقعا معينا على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و طبقا ل”الشريعة الإسلامية” التي تفرض دونية المرأة  في كل شيء، و يفرض على المرأة أن تقبل تلك الدونية على أنها حكم من الله الذي فضل الرجل على المرأة  حتى يضمن السير العادي للمجتمع. و حتى يبقى الرجل متحكما في الأسرة، و حتى يضمن الرجل سلامة جنسه كما يريدون فهم قوله تعالى “الرجال قوامون على النساء”. و كامتداد لذلك لا بد من الوقوف على واقع المرأة في قوانين الأسرة. و هل الأمر بيدها أم بيد الرجل؟ و هل تستطيع أن تقرر مصيرها بنفسها سواء قبل الزواج أو بعده؟ و ما مصير الأبناء الذين يأتون من بعد الزواج أثناء قيام الزواج، أو في حالة الطلاق ؟ و هل في إمكان المرأة أن تزوج نفسها ممن اختارته، أم أنها لا تملك ذلك الحق ؟ و هل في إمكانها أن تطلق نفسها في حالة استحالة الاستمرار في الزواج أم لا ؟ و إذا كانت المرأة تعمل إلى جانب زوجها، أو تعمل و زوجها جالس في البيت هل تكون لها القوامة على نفسها أم لا ؟ و هل تكون لها القوامة على الرجل العاطل أم لا ؟ و هل قوانين الأسرة أو الأحوال الشخصية في “الدول الإسلامية” التي تدعي أنها تطبق “الشريعة الإسلامية” متحدة أم أن لكل دولة قانون معين. و ما هي عناصر الاختلاف القائمة بين قوانين الأسرة في “الدول الإسلامية” و في باقي دول المسلمين التي لا تدعي أنها تطبق “الشريعة الإسلامية” بقدر ما تجعل الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع إلى جانب مصادر أخرى ؟

إن الوقوف على واقع المرأة في تشريعات “الدول الإسلامية” التي تدعي أنها تطبق “الشريعة الإسلامية” يهدف إلى التأكد من أن “الشريعة الإسلامية” حسب التأويلات الإيديولوجية لمؤدلجي الدين الإسلامي هي مسألة نسبية و ليست مطلقة بسبب تعدد أحزاب و تيارات مؤدلجي الدين الإسلامي. و بسبب الغاية المتوخاة من تلك الادلجة. و بالتالي فإن الحكم باسم الدين الإسلامي ليس إلا وسيلة لتحقيق المصالح الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لمؤدلجي الدين الإسلامي.

و بالعمل على تشريح ادلجة الدين الإسلامي، و على إبراز الكوارث و المصائب التي تصيب مجتمعات المسلمين بسبب ادلجة الدين الإسلامي في جميع مجالات الحياة، و بتنظيم حملات للتوعية بخطورة ادلجة الدين الإسلامي، و بالقيام بدراسة حالات حكم الحزبوسلامي في مختلف بلدان المسلمين. و بالوقوف على واقع المرأة في تشريعات “الدول الإسلامية” التي تطبق “الشريعة الإسلامية” و منها قوانين الأسرة. نستطيع أن نتأكد من انه ليست هناك “دولة إسلامية” واحدة بل هناك “دول إسلامية” تختلف باختلاف ادلجة الدين المعتمدة في إنشاء تلك الدولة. فهناك دولة الخوارج، و دولة الشيعة، و دولة السنة، و دولة آل سعود، و دولة جبهة الإنقاذ، و دولة حزب الله، و دولة حماس، و دولة الترابي، و دولة الإخوان المسلمين في مصر، و دولة الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) في المغرب. و تبعا لهذا الاختلاف في “الدول الإسلامية” فإن التشريعات التي  كانت جبهة الإنقاذ تدعي الإقدام على تطبيقها لو وصلت إلى السلطة، و قوانين الأسرة التي تدعي “الدول الإسلامية” و معها باقي دول المسلمين أنها من الشريعة الإسلامية، تختلف صياغتها من دولة إلى أخرى، و من بلد إلى آخر، بسبب مصلحة الجهة المؤدلجة للدين الإسلامي أو بسبب مصلحة الطبقة الحاكمة. و لذلك يمكن القول إن قانون الأسرة في المغرب ليس هو قانون الأسرة في الجزائر و ليس هو قانون الأسرة في مصر، و ليس هو قانون الأسرة في أي بلد آخر من بلدان المسلمين. و تبعا لهذا الاختلاف في قوانين الأسرة فإن واقع المرأة أيضا يختلف من بلد إلى بلد آخر حسب ادلجة الدين السائدة في ذلك البلد، و هل هي متطرفة أو معتدلة ؟

و إذا تأكد لدينا أن الاختلاف في ادلجة الدين الإسلامي لا يؤدي إلا إلى تمزيق شعوب المسلمين، و خلق النعرة الطائفية في صفوفهم، و إلحاق الظلم بالمسلمين بصفة عامة، و بنساء المسلمين بصفة خاصة باسم الإسلام. مما يلحق الأذى بالدين الإسلامي نفسه. و ينفي عنه كونه دين السلام و المحبة، و الإخاء، و دين العدل، و دين المرونة فإنه يصير من اللازم العمل على ممارسة الضغط من جميع الجهات و على جميع المستويات من اجل إرغام مؤدلجي الدين الإسلامي على التخلي عن ادلجة الدين الإسلامي، و من اجل تطهير الدين الإسلامي من الادلجة، و جعل المسلمين يعون خطورتها على واقعهم و على مستقبلهم و مستقبل أبنائهم حتى تصير بلدان المسلمين بعيدة عن ادلجة الدين الإسلامي ، و ينخرط المسلمون في العصر الذي يعيشونه، و ينشغلون بما يجب أن يكون عليه مستقبلهم و مستقبل أبنائهم على جميع المستويات و في جميع المجالات.

فهل بعد هذا يصر الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) على التمسك بأدلجة الدين الإسلامي ؟ و هل يستمر في إنتاج التأويلات التحريفية للدين الإسلامي ؟ و هل يتوقفون عن ادعاء معرفة علم الغيب ؟ هل يتوقفون عن تضليل المسلمين المغاربة ؟ هل يتخلون عن ادلجة الدين الإسلامي، و ينتجون إيديولوجية أسوة بالأحزاب السياسية الأخرى التي لا تعمل على ادلجة الدين الإسلامي ؟

إن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) هو حزب رجعي متخلف، يعتمد ادلجة الدين الإسلامي لتضليل المسلمين المغاربة. و استمراره في ادلجة الدين الإسلامي سيجر المغرب و المغاربة إلى المزيد من الكوارث التي بدأت تظهر معالمها بحدة. و خاصة بعد التأويل الذي أعطاه هذا الحزب  لكارثة تسونامي، و لجوئه إلى اتهام المغرب باعتباره مجرد ماخور يقصده السواح لممارسة “السياحة الجنسية” و هذا الاتهام في حد ذاته كفيل بانتفاض المغاربة جميعا على اختلاف ألسنتهم و ألوانهم و معتقداتهم و إيديولوجياتهم ضد ممارسة هذا الحزب. و مغالاته في ادلجة الدين الإسلامي كفيلة وحدها بالعمل على حل هذا الحزب.

فهل ينتفض المغاربة ضد ممارسة الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) بسبب اتهامه للمغرب بأنه مجرد ماخور ؟

و هل تقاضي الدولة هذا الحزب من خلال ما نشره أحد قيادييه في جريدة “التجديد” ؟

إن الأمر رهين بالاستمرار في التفاعلات التي ينتجها صراع المغاربة ضد التخلف الإيديولوجي المنتج للتخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي لأن اكثر الإيديولوجيات تخلفا هي ادلجة الدين الإسلامي لكونها تحول المؤدلجين إلى رسل و إلى أنبياء، أو إلى رهبان يتوسطون بين الله و بين البشر، و في الدين الإسلامي الذي ينبذ الرهبانية جملة و تفصيلا.

ضرورة تجريم الممارسة الإيديولوجية الدينية :

و نظرا لكون مؤدلجي الدين الإسلامي في الحزبوسلامي بصفة عامة، و في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) بصفة خاصة لا يتخلى، و لن يتخلى عن ادلجة الدين الإسلامي لارتباطها بمصالح الحزبوسلاميين الطبقية، و في تضليل الجماهير الكادحة التي يعتمد تجييشها في الوصول إلى مراكز القرارات بالنسبة للحزبوسلامي (العدالة و التنمية) في إطار النظام القائم من اجل إقصاء الحركة الديمقراطية و التقدمية عن تلك المراكز، أو يعتمد تجييشها في أفق الوصول إلى امتلاك سلطة الدولة لفرض استبداد بديل كما هو الشأن بالنسبة للحزبوسلاميين المختلفين مع الحزبوسلامي (العدالة و التنمية).

و إذا كان مؤدلجو الدين الإسلامي في الحزبوسلامي لا يتخلون عن ادلجة الدين الإسلامي، فلماذا لا تلجأ الدولة المغربية إلى تجريم هذه الادلجة ؟ لماذا لا تتيح الفرصة للمثقفين، و الإعلاميين، للأحزاب الديمقراطية، و التقدمية من اجل تفنيد ادعاءات مؤدلجي الدين ؟ لماذا لا تمكن المسلمين الحقيقيين من العمل على غربلة الدين الإسلامي من الممارسات التحريفية التي لحقته عن طريق ادلجته، أو بسبب تلك الادلجة ؟

لماذا لا تحرص الدولة على إبعاد الدين من الإيديولوجية و من الأمور السياسية ؟ لماذا لا تتخذ الإجراءات اللازمة في حق أئمة المساجد الذين يوظفون المساجد لأدلجة الدين الإسلامي ؟ و في حق المعلمين و أساتذة التعليم الإعدادي و الثانوي و الجامعي الذي يستغلون علاقتهم بالتلاميذ و الطلبة لتصريف ادلجة الدين الإسلامي ؟ لماذا لا تحرص على أن تكون خطب الجمعة خالية من تلك الادلجة ؟ لماذا لا تطهر البرامج الدراسية من الفقرات المؤدلجة للدين الإسلامي، أو التي يمكن أن تستغل لتصريف ادلجة الدين الإسلامي ؟

لماذا لا تصدر قوانين تعتمد  في تتبع كل الفاعلين و كل المنتوج الفكري و الأدبي و الفني حتى لا يعمل الفاعلون على استغلال الفرص لانتاج ادلجة الدين الإسلامي و العمل على نشر تلك الادلجة ؟ أو حتى لا يصير ذلك المنتوج مساهما في نشر ادلجة الدين الإسلامي ؟

إن إيجاد إطار قانوني لمحاصرة ادلجة الدين الإسلامي صار ضروريا حتى لا يبقى الدين الإسلامي مباحا لكل من هب و دب. و لكل من عجز عن أن تكون له مكانة اجتماعية معينة، أو في إطار الجمعيات و النقابات، ثم في إطار الأحزاب الديمقراطية و التقدمية. لأن إيجاد الإطار القانوني يفرض إيجاد أجهزة التتبع و المراقبة التي تستهدف مراقبة المؤدلجين، و تتبع ممارستهم  و ضبطهم إن دعت الضرورة إلى ذلك و تقديمهم إلى الجهات المختصة بناء على ما هو منصوص عليه في القانون المحتمل وجوده للاعتبارات الآتية :

الاعتبار الأول : أن الدين الإسلامي يجب أن يبقى  بعيدا عن الأمور الإيديولوجية و السياسية التي لها علاقة بالصراع بين الطبقات.

الاعتبار الثاني : أن النص الديني يجب أن يبقى بعيدا عن التأويلات الإيديولوجية المغرضة حتى يبقى فهمه و استيعابه بعيدا عن تلك التأويلات.

الاعتبار الثالث : أن التأويلات الإيديولوجية للنص الديني تؤدي إلى تحريف الدين الإسلامي فيصير بسبب ذلك التحريف مساويا لديانة موسى و ديانة عيسى اللتين تم تحريفهما. و هو أمر انتقده الدين الإسلامي نفسه “إن الله ثالث ثلاثة” و لذلك لا يعقل أن نقول في الدين الإسلامي ، إن الله ثالث ثلاثة الله و الحزب الديني و الأمير.

و هذه الاعتبارات وحدها كافية للعمل على إيجاد قانون تجريم ادلجة الدين الذي لا مفر من وجوده. غير أن الجهة المعنية بإيجاده يفترض فيها أن تبقى بعيدة عن ادلجة الدين، و الجهة المعنية بإيجاده هي الدولة. و هذه الدولة حتى تبقى بعيدة عن ادلجة الدين يجب أن تكون علمانية، و علمانيتها بالنسبة إلى المغرب غير واردة كما هي غير واردة في دول بلدان المسلمين. لأن الدولة المغربية و باقي دول بلدان المسلمين، هي دولة قائمة على ادلجة الدين الإسلامي. و هي لذلك ستقع في تناقض إذا أقدمت على إصدار قانون تجريم ادلجة الدين الإسلامي، لأنها ستجرم نفسها، و لا داعي لأن تمنع إنشاء أحزاب على أساس ديني. لأن الدولة نفسها تعتبر دينية بسبب ادلجتها للدين الإسلامي.

فما العمل من اجل تحرير الدولة من ادلجة الدين الإسلامي حتى تصير قادرة على إصدار قانون تجريم ادلجة الدين الإسلامي ؟

إن الوصول بالدولة إلى مرحلة التحرر من ادلجة الدين الإسلامي حتى تعمل على حفظ الدين من الادلجة يقتضي :

1) تكوين جبهة وطنية للنضال من اجل الديمقراطية لفرض تحويل الدولة من دولة استبدادية إلى دولة ديمقراطية تحترم إرادة الشعب، و تعمل على تقديم الخدمات اللازمة له، و تسعى إلى حل جميع المشاكل التي يتخبط فيها.

2) العمل على ضمان تمتع الناس بجميع الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى تزول الفوارق المختلفة المترتبة عن الحرمان من مختلف الحقوق المؤدية إلى سيادة نظام الامتيازات الذي يقف وراء الفوارق الطبقية المتفاقمة التي تقود إلى لجوء أصحاب الامتيازات إلى تشجيع ادلجة الدين الإسلامي، و إلى إفساد الحياة الاجتماعية و الثقافية و السياسية و إلى القيام بالخروقات  السافرة لحقوق الإنسان المختلفة و في مختلف المجالات، و مختلف القطاعات . و هو ما يعطي الشرعية للنضال من اجل تمتيع الناس بجميع الحقوق، و على أساس المساواة فيما بينهم، و العمل على محاسبة كل من مارس الخروقات الجسيمة ضد الإنسانية لاعادة الاعتبار لإنسانية الإنسان، و لمنع تكرار ما ارتكب في حق الناس على المستوى الوطني حتى يكون تميتع الناس بالحقوق المختلفة وسيلة لتحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

3) العمل على إيجاد دستور ديمقراطي يعكس إرادة الشعب في السيادة على نفسه، و في العمل على تقرير مصيره الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي على أن يكون ذلك الدستور متلائما مع المواثيق الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة و التي صادقت عليها الدولة سواء تعلقت بالحقوق العامة كالميثاق الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. أو المتعلقة بالحقوق الخاصة كالميثاق الدولي المتعلق بحقوق العمال، و ميثاق إلغاء كافة  أشكال التمييز ضد المرأة، و ميثاق حقوق الطفل، و غيرها من باقي المواثيق الأخرى. لأن ملاءمة الدستور مع مختلف المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق العامة و الخاصة يجعل المغرب ينخرط فعلا في المنتظم الإنساني الذي يجعل المسؤولين يحترمون كرامة الإنسان. لأن الإنسان بمعناه العام و بمعناه الخاص لم يعد بقيمه الإنسانية سجين الوطن، بل لابد أن تصير تلك القيم ذات بعد إنساني دولي يجعل القيم الإنسانية تذيب الإنسان المغربي في البعد الدولي حتى ينسجم مع نفسه أولا، و مع ما يجب أن يكون عليه المغرب ثانيا، و مع إنسانية الإنسان في كل مكان.

4) إجراء انتخابات حرة و نزيهة لافراز مجالس محلية و إقليمية و جهوية و وطنية تعكس احترام إرادة المواطنين و رغبتهم في إيجاد تمثيلية حقيقية في تلك المؤسسات و على أساس برامج محددة و هادفة و معبرة عن تطلعات الشعب المغربي و طموحاته في تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية. و هذه المجالس التمثيلية تفرز من بين أغلبيتها حكومة تعمل على تنفيذ البرنامج الذي اختارته الجماهير، و الذي يخدم مصالحها المختلفة. حتى تساهم في إيجاد حلول المشاكل المستعصية، و أهمها مشكل التعليم، و مشكل العطالة، و مشكل الأراضي الزراعية، و مشكل التطبيب، و الضمان الاجتماعي، وغيرها من المشاكل التي شغلت الحكومات السابقة لعدة عقود، و لم تستطع معالجتها.

5) ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة بالحقوق العامة، و الحقوق الخاصة حتى يطمئن جميع الناس على مستقبلهم الحقوقي الذي تصير فيه الحقوق المختلفة قائمة في الواقع القانوني و يتمتع بها المواطنون بقوة القانون، سواء تعلق الأمر بمدونة الأسرة، أو القانون الجنائي، أو المسطرة الجنائية، أو القانون المدني أو المسطرة المدنية أو غيرها من القوانين التي تهم جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و في جميع المناحي سعيا إلى جعل كرامة الإنسان محترمة في جميع الأحوال، و على جميع المستويات. لأن ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية تعتبر ذات أهمية قصوى. و تقتضي منا النزول إلى الواقع من اجل العمل على اجرأة المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان مع الواقع نفسه حتى يعيش المواطن هذه الحقوق، و يشعر بانتمائه إلى هذا الوطن، و إلى الإنسانية، التي أبدعت من خلال المؤسسات الدولية تلك المواثيق التي لازالت تتلمس طريق الاجرأة، و خاصة في بلدان المسلمين و منها المغرب حيث يسود الاستبداد الذي تمارسه الطبقات الحاكمة ، ويسعى إلى ممارسته مؤدلجو  الدين الإسلامي.

6) التربية على حقوق الإنسان، و التي تجند لها المنظمات الحقوقية العامة و الخاصة، و الجمعيات الثقافية و التربوية و غيرها من المنظمات التي قد تكون التربية على حقوق الإنسان من اهتماماتها. بالإضافة إلى المؤسسات التعليمية و الجامعية التي يجب أن يحضر في اهتمامها استحضار التربية على حقوق الإنسان في البرامج الدراسية، و عقد دورات تكوينية للعاملين في هذا المجال من اجل اكتساب المعرفة الحقوقية من جهة، و اكتساب منهجية العمل في مجال التربية على حقوق الإنسان.

و بالتربية على حقوق الانسان يتم تحقيق هدفين :

الهدف الأول : خلق الاهتمام بحقوق  الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية كما هي واردة في المواثيق الدولية المتعلقة بها و التي تصير مرجعا أساسيا للمربين، و المؤطرين، و التلاميذ و الطلبة في نفس الوقت.

و الهدف الثاني : العمل على إشاعة حقوق الإنسان في نسيج المجتمع عن طريق المستفيدين من برامج التربية على حقوق الإنسان التي تعتبر وسيلة أساسية لمحاربة ادلجة الدين الإسلامي التي تتناقض مع حقوق الإنسان، و تصارع من اجل عدم العمل بها و العمل على وضع حد لها، بدعوى كونها ذات مصدر غربي كافر.

و بهذه المقتضيات النضالية يمكن أن نعمل على فرض تخلي الدولة عن ادلجة الدين الإسلامي، بتحولها إلى دولة ديمقراطية، و تعمل على تمتيع جميع الناس بجميع الحقوق، و تفسح المجال أمام إيجاد دستور ديمقراطي تكون فيه السيادة للشعب، وتعمل على إجراء انتخابات حرة و نزيهة لإيجاد مؤسسات تمثيلية حقيقية و ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية، و تعمل على إشاعة التربية على حقوق الإنسان. و عندما تصير الدولة متخلية عن ادلجة الدين الإسلامي ستكتشف حينها مدى الخطورة التي تشكلها ادلجة الدين الإسلامي على حياة، و على مستقبل الشعب، و ستستعظم أمر مؤدلجي الدين الإسلامي المنتمين إلى الحزبوسلامي بصفة عامة، و إلى الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) بصفة خاصة. و عندما تدرك الدولة المتخلية عن ادلجة الدين الإسلامي خطورة هذه الادلجة، لابد أن تعمل على وضع حد لها عن طريق العمل على تجريمها.

فما العمل من اجل جعل الدولة تعمل على تجريم ادلجة الدين الإسلامي ؟

إن دولة تقوم على ادلجة الدين الإسلامي لا يمكن أن تفكر أبدا في تجريم ادلجة الدين الإسلامي كما أشرنا إلى ذلك في الفقرات السابقة. و لذلك فهي تكتفي فقط بتجريم ما يترتب عن ادلجة الدين الإسلامي من عمليات إرهابية، و إنشاء منظمات متطرفة تشرف على تنظيم تلك العمليات. و هي لذلك لا تعمل على وضع حد للأسباب بقدر ما تركز فقط على النتائج. لأن التركيز على النتائج  وحدها لا يقطع دابر الإرهاب مادامت الأسباب قائمة في الواقع. و الأسباب القائمة في الواقع تتمثل في تردي الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هذا التردي المتفاقم يعتبر بمثابة مولد للتطرف في اتجاه اليمين و في اتجاه اليسار في نفس الوقت، و هذا التطرف هو الذي تقف الطبقات الحاكمة وراء استفحاله على مدى عقود بأكملها، خلال الستينيات، و السبعينيات و الثمانينيات و التسعينيات من القرن العشرين. و هي الآن لازالت قائمة، و قيامها لا يعني إلا أن على تلك الطبقات الحاكمة أن تعيد النظر في ممارستها التي لا تنتج إلا التطرف في كل شيء. التطرف في استغلال الإنسان للإنسان، و التطرف في قمع الحركة التقدمية و الديمقراطية و التطرف في تقليص المشاريع التنموية، و التطرف في بيع ممتلكات الشعب، و التطرف في تقليص مناصب التشغيل، و التطرف في إنتاج ادلجة الدين الإسلامي التي استطاعت إن تفرض نفسها كقوة قائمة في الواقع كما هو الشأن بالنسبة للحزبوسلامي (العدالة و التنمية) كحزب له مقراته، و له تواجد في المجالس الجماعية و الإقليمية  و الجهوية و الوطنية، و كونه يفرض نفسه كقوة سياسية لا يعني انه تخلى عن ممارسة كافة أشكال الإرهاب التي تستهدف استئصال الممارسة الديمقراطية و استئصال الحركة التقدمية من المجتمع، و استغلال المؤسسات التي يتواجد فيها، و خاصة مؤسسة البرلمان لتصريف كل أشكال التطرف التي يومن بها، مستغلا “الشرعية” التي فرضها لتنصيب نفسه وصيا على الدين الإسلامي بصفة رسمية متحديا بذلك كل القيم الدينية التي يتميز بها الدين الإسلامي و التي تفرض انتفاء تلك الوصاية على الدين الإسلامي و لوضع حد لأدلجة الدين الإسلامي التي يعتمدها الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) التي تنشر التطرف على جميع المستويات و تستهين بالقيم الإنسانية و التقدمية و الديمقراطية. نرى ضرورة قيام الدولة بمؤسساتها التنفيذية و التشريعية و القضائية بتجريم ادلجة الدين الإسلامي التي تقف وراء إنتاج التطرف، و بواسطة حزب سياسي معترف به. و من خلال وصول ذلك الحزب إلى مراكز القرار. و لجعل الدولة تقدم على ذلك نرى :

1) قيام جبهة جماهيرية تكون مهمتها تتبع و مواكبة ممارسات مؤدلجي الدين الإسلامي الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و الدينية التي تجسد تلك الادلجة. و العمل على إبرازها، و انتقادها، و تعبئة الجماهير ضدها و الكشف عن انعكاساتها السلبية على الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي حتى تكون الجماهير على بينة من خطورة ادلجة الدين الإسلامي، و من الخطر الذي يجسده المؤدلجون على مستقبل الشعب المغربي.

2) تنظيم وقفات احتجاجية جماهيرية ضد الحزبوسلامي بصفة عامة، و الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) بصفة خاصة، و أمام المقرات التي تخصهم، و أمام المساجد التي يستغلونها لنشر التطرف، و لتحريض الجماهير ضد الحركة  الديمقراطية و التقدمية. و أمام المؤسسات الرسمية و الوطنية و الإقليمية و المحلية من الاحتجاج على ممارسة الحزبوسلامي و على استغلاله للمساجد، و على ادعائه الوصاية على الدين الإسلامي الذي هو للناس جميعا، و على ممارسته ضد الحركة التقدمية و الجماهيرية، و من اجل اعتبار ادلجة الدين الإسلامية جريمة ترتكب في حق الشعب المغربي، و في حق الدين الإسلامي و في حق الأجيال الصاعدة.

3) جمع التوقيعات على عرائض تطالب بتجريم ادلجة الدين الإسلامي عن طريق وضع قانون لأجل ذلك تشتغل على أساسه الأجهزة التنفيذية و الأجهزة القضائية و وضع تلك العرائض أمام الجهات المسؤولة التنفيذية و التشريعية و القضائية حتى تتحمل هذه الجهات مسؤوليتها كاملة في إيجاد حياة دينية إسلامية غير مؤدلجة، و لا يوظف فيها الدين الإسلامي في الأمور الإيديولوجية.

4) المطالبة بمحاكمة مرتكبي الجرائم المختلفة المترتبة عن توظيف الدين الإسلامي في الأمور الإيديولوجية و السياسية. لأن عدم محاكمتهم لا تعني إلا القبول بأدلجة الدين الإسلامي كواقع قائم. و بأن ما يترتب عن تلك الادلجة هو فعلا “جهاد في سبيل الله” و بأن ما يصيب الناس ليس إلا نتيجة لذلك الجهاد. و في احسن الأحوال هو قدر من الله. ليبقى المؤدلجون، و من يدور في فلكهم ممن ينفذ أوامر أمراء المؤدلجين بعيدا عن المحاسبة،  و عن المساءلة القضائية و تقرير العقوبة اللازمة في حقهم. لأن عرض المؤدلجين و من يدور في فلكهم على القضاء بسبب الجرائم المنسوبة إليهم يعتبر مسألة ضرورية و أساسية للحد من ارتكاب جريمة ادلجة الدين الإسلامي.

5) القيام بحملة إعلامية تستغل فيها الوسائل السمعية البصرية و السمعية و المكتوبة لتشريح ادلجة الدين الإسلامي و بيان ما يترتب عنها من جرائم اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية، و من ممارسات إرهابية تستهدف أرواح الأبرياء داخل المغرب و خارجه، و بيان انعكاس تلك الجرائم على مصير الدين الإسلامي من جهة، و مصير شعوب المسلمين من جهة أخرى، و مصير الإنسانية من جهة ثالثة، و الدفع في اتجاه جعل الجماهير الشعبية الكادحة تنتفض ضد الجرائم الإرهابية، و ضد المجرمين الإرهابيين و المطالبة بإزالة الأسباب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية المؤدية إلى اعتماد ادلجة الدين الإسلامي لتضليل الجماهير سواء من قبل الطبقة الحاكمة أو من قبل الحزبوسلاميين في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) بصفة خاصة. تلك الادلجة المؤدية إلى ممارسة الإرهاب الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي من قبل الطبقة الحاكمة و من موقع السيطرة على أجهزة الدولة، و إلى ممارسة الإرهاب الجسدي و الفكري لاستئصال المخالفين من قبل الحزبوسلاميين في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) و في غيره من الاحزابوسلامية الأخرى. لأنه بدون إزالة الأسباب المؤدية إلى ادلجة الدين الإسلامي لا يتوقف الإرهاب بكل أشكاله رغم وجود قانون الإرهاب المادي و المعنوي، و رغم محاكمة الإرهابيين على المستوى الوطني.

و إذا لم يتم تنظيم حملات إعلامية واسعة ضد ادلجة الدين الإسلامي، و ضد الإرهاب، و ضد الإرهابيين فإن الشعب المغربي سيبقى مضللا، و سيعتقد أن ادلجة الدين الإسلامي هي عينها الدين الإسلامي.

و بقيام جبهة جماهيرية ضد ادلجة الدين الإسلامي و تنظيم وقفات احتجاجية جماهيرية، و جمع التوقيعات على عرائض تستنكر ممارسة ادلجة الدين الإسلامي، و المطالبة بمحاكمة مرتكبي الجرائم المترتبة عن ادلجة الدين الإسلامي، و القيام بحملات إعلامية ضد ادلجة الدين الإسلامي، و ضد المؤدلجين، و ضد ارتكاب الجرائم المترتبة عن تلك الادلجة، تتمكن الجماهير الشعبية الكادحة من ممارسة الضغط على المسؤولين من اجل تجريم الممارسة الإيديولوجية الدينية من أي جهة كيفما كانت. و أن تقوم الدولة بتقديم الاعتذار عن اعتمادها ادلجة الدين الإسلامي لتضليل الجماهير الشعبية الكادحة التي تبقى عاجزة عن فهم حقيقة الإسلام، و حقيقة ما يجري في الواقع. لأنه لا يكفي أن تقوم الدولة و من خلال مؤسساتها المختلفة بتجريم ادلجة الدين الإسلامي مادامت هي تمارس تلك الادلجة و بواسطة موظفيها الذين يتفرغون لهذا الغرض بل عليها هي أيضا أن تتخلى عن تلك الادلجة، و أن تعتذر إلى الشعب لاعادة  الاعتبار للدين الإسلامي حتى يقوم بدوره التنويري و على يد المسلمين المتنورين لجعل أبناء الشعب المغربي يعيشون حقيقة الإسلام ويعون حقيقة الواقع، و يمارسون ما يجب لتطوير أوضاعهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

ممارسة السياسة بعيدا عن ادلجة الدين :

و كبديل لأدلجة الدين الإسلامي هناك الأحزاب السياسية القائمة على أسس إيديولوجية طبقية معينة، لا يمكن التشكيك أبدا في عدم شرعيتها الاجتماعية. لأن أي طبقة يوجد من بينها من يقوم بإنتاج الإيديولوجية باعتبارها مجموعة من الأفكار المعبرة عن مصالحها الطبقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و تعمل على إنشاء حزب سياسي معين يناضل من اجل حفظ تلك المصالح أو من اجل تحقيقها. و النضال الحزبي لا يكون إلا سياسيا، و لا يكون شيئا آخر بعيدا عن التوظيف الإيديولوجي و السياسي للدين الإسلامي الذي هو دين المسلمين جميعا. و في هذا الإطار نجد أن عدد الأحزاب بعدد الطبقات المتكونة في إطار التشكيلة الاقتصادية. فالإقطاع أو بقاياه يعمل على  تشكيل حزب سياسي يعمل على المحافظة على الشروط الموضوعية المنتجة للتشكيلة الاجتماعية الإقطاعية انطلاقا من برنامج سياسي معين، و من رؤيا سياسية معينة تقضي بالعمل على مناهضة جميع البرامج البورجوازية و البورجوازية الصغرى و العمالية و غيرها، و مستعينة في ذلك بالفكر الخرافي و الفكر الديني المتخلف حتى توهم الجميع بأن التشكيلة  الإقطاعية هي التي يمكن أن تعمل على حل جميع المشاكل القائمة في الواقع نظرا للدور الذي يلعبه الإقطاع عندما يكون سائدا، و عندما يصل إلى السلطة  بالخصوص و عندما يستبد بالواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي. لأن  الإقطاع لا يعرف للديمقراطية سبيلا، و لا إلى حقوق الإنسان دليلا. و لذلك فهو يكره العلم، و يكره التنوير، و يعتبر الدولة الإقطاعية دولة دينية. و لذلك فهو يوهم الناس بأن ما يقوم به هو من إرادة الله، يكره التقدم الاقتصادي لأن أي تقدم اقتصادي هو عمل من اجل تجاوز النظام الإقطاعي و كل تقدم اجتماع هو تحول في اتجاه تحول التشكيلة الإقطاعية إلى تشكيلة أعلى منها، و كل تقدم ثقافي هو محاولة لجعل الثقافة الإقطاعية غير ذات قيمة و التقدم السياسي هو عمل على القضاء على النظام السياسي الإقطاعي، و كل تقدم كيف ما كان لا يمكن أن يقبل من قبل الإقطاعيين الذين صاروا متجاوزين على جميع المستويات، و على مستوى معظم بلدان آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية. أما يريده الإقطاع و ما يسعى إلى تحقيقه على المدى القريب و المتوسط و البعيد هو المحافظة على المجتمع التقليدي الذي هو عينه المجتمع الإقطاعي.

و البورجوازية تعمل على تجاوز المرحلة الإقطاعية بنقص إيديولوجية الإقطاع، و بناء الإيديولوجية البورجوازية التي تعمل على إنشاء حزب يقوم على أساس تلك الإيديولوجية تكون مهمته هي تحويل المجتمع من مجتمع التشكيلة الإقطاعية إلى مجتمع التشكيلة البورجوازية التي تسود فيها الطبقة البورجوازية التي تسعى إلى تحويل الاقتصاد من اقتصاد قائم على الزراعة و على ملكية الإقطاعيين للأرض إلى اقتصاد قائم على الصناعة و على ملكية البورجوازيين لوسائل الإنتاج الصناعية و الزراعية، بالإضافة إلى ملكية العقارات المختلفة، بما فيها الأراضي الزراعية التي تتحول فيها الزراعة من زراعة تقليدية إلى زراعة عصرية ممكننة إلى زراعة صناعية و ترتبط بالصناعة. و البورجوازية التي تحول المجتمع من التشكيلة الإقطاعية إلى التشكيلة الرأسمالية، و بما أنها تعتمد على الإنتاج الصناعي، فإنها تقف وراء وجود الطبقة العاملة بدل الاقنان الذين كان يعتمد عليهم الإقطاع في الإنتاج الزراعي، و في الرعي. و حتى تتميز البورجوازية عن الإقطاع فقد أنتجت إيديولوجيتها الخاصة بها و المعبرة عن مصالحها، و التي توهم بواسطتها الطبقة العاملة و سائر الكادحين بأن النظام البورجوازي هو الصالح لجميع الطبقات الاجتماعية التي يتوهم كل فرد منها ، و طبقا للإيديولوجية البورجوازية الليبرالية، انه سيصير في يوم من الأيام بورجوازيا بانتقاله من طبقته الدنيا إلى الطبقة البورجوازية العليا. و بما أن هذه الإيديولوجية ليبرالية و ترفع شعار “دعه يعمل دعه يمر”، فإن هذه البورجوازية  تحاول أن تظهر بأنها ديمقراطية، و توهم جميع أفراد المجتمع بإمكانية تحقق الديمقراطية التي لا ترقى إلى أن تتحقق بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و بما أنها ليست كذلك ، فإنها تسعى إلى جعل الجميع يصير في خدمة البورجوازية  بوصوله إلى المؤسسات المنتخبة التي تنتج تشريعات تتجاوب مع رغبة البورجوازية في امتصاص الصراع الديمقراطي لصالحها. و لتأكيد ما نذهب إليه، فإن البورجوازية رفعت منذ البداية شعار حقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، للزيادة في الإيهام. و لتستقطب لصالحها كل شرائح المجتمع الذين يصيرون متوهمين جميعا انهم يتمتعون بتلك الحقوق في إطار المجتمع البورجوازي. كما أنها توهم الجميع بأن من  يحكمهم يكون من اختيارهم هم الذين من حقهم أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم. و هي لأجل ذلك كله تنشئ حزبها السياسي الذي يقودها في أفق السيطرة على أجهزة السلطة التي تسخر المجتمع كله لصالح البورجوازية على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى يزداد تراكم البورجوازية الرأسمالية. غير أن هذه البورجوازية في مثل حالتنا في بلدان المسلمين و في المغرب، و نظرا لأنها بورجوازية الامتيازات الاستعمارية، و امتيازات الحكم الذي جاء بعد الاستعمار. فإنها لم تقطع مع الإقطاع و مع إيديولوجية الإقطاع، و مع الاستبداد الإقطاعي لأن كل ذلك يبقى حاضرا في سلوكها. و لذلك فنحن نطلق التسمية العلمية التي أبدعها الفكر الاشتراكي العلمي “البورجوازية التابعة” التي تستعير الثروة من الامتيازات و تستعير الإيديولوجية من البورجوازية الأوربية و الأمريكية. و تحتفظ في نفس الوقت بالإيديولوجية الإقطاعية و بالاستبداد الإقطاعي، و أحزاب هذه البورجوازية لا تناضل من اجل الديمقراطية، و لا تعمل على تحقيقها، و لو بمفهومها الليبرالي الأوربي. و لا تحرص على قيام دستور ديمقراطي. و لا على إجراء انتخابات حرة و نزيهة و لا على خدمة مصالح الشعب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و تراهن على تزوير إرادة الشعب لصالحها كامتداد للامتيازات التي تتمتع بها حتى تكرس الاستبداد باسم الديمقراطية و تساهم بشكل كبير في إنتاج التخلف الإقطاعي لأنها لا تستطيع أن تتحرر من التركة الإقطاعية على المستوى الإيديولوجي و السياسي.

أما البورجوازية الصغرى التي لا تستطيع أن تنتج إيديولوجية خاصة بها. فإنها تستعير من إيديولوجية الإقطاع و البورجوازية ما يناسب طبيعتها التوفيقية و التلفيقية، و ما يخدم تطلعاتها، و لا بأس أن تستعير إيديولوجية الطبقة العاملة أو منها ما يناسبها، و لا بأس أن تؤدلج الدين الإسلامي أو تستعير من ادلجة الدين الإسلامي ما يناسب تحقيق تطلعاتها الطبقية، فتنشئ حزبها أو أحزابها على أساس تلك الإيديولوجية، من اجل أن يسعى ذلك الحزب أو تلك الأحزاب البورجوازية الصغرى إلى ممارسة الضغط على الطبقة الحاكمة و على سائر الأحزاب في أفق تحقيق التطلعات الطبقية للبورجوازية الصغرى أو لجزء يسير منها على الأقل، كما حصل في المغرب في عهد ما صار يعرف بحكومة التناوب و التوافق.

و  بالنسبة للطبقة العاملة، فإن إيديولوجيتها “الاشتراكية العلمية” واضحة، و هي بالتالي إيديولوجية جميع الكادحين. و هذه الإيديولوجية لها قوانين في إطار فلسفتها المعروفة بالمادية الجدلية و المادية التاريخية. و بهذه القوانين قام منظروا الاشتراكية العلمية بقراءة التاريخ البشري، و وقفوا على تمرحل التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية، و استشرفوا آفاق التغيير الذي يمكن أن تصل إليه البشرية، و إيديولوجية الطبقة العاملة توظف باستمرار في قراءة الواقع، أي واقع في تحولاته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية من اجل الوقوف على قوانين التحول تلك، و صياغة برنامج نضالي من اجل التسريع بتلك التحولات في أفق تحقيق الأهداف المرحلية و الأهداف الاستراتيجية المتمثلة في تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

و حزب الطبقة العاملة هو الوحيد الذي يتخذ مواقف سياسية واضحة تجاه سائر الطبقات الاجتماعية، و تجاه الطبقة الحاكمة، و تجاه مؤدلجي الدين الإسلامي الذين يمارسون السطو على هذا الدين و يعملون على توظيفه إيديولوجيا و سياسيا بتأويلاتهم المغرضة، و يعتبر أن مؤدلجي الدين الإسلامي غير ديمقراطيين، و لا يمكن أن يكونوا ديمقراطيين أبدا. و لذلك فأي حوار يفتحه حزب الطبقة العاملة معهم لا يمكن أن يصل إلى أي نتيجة خاصة و أن هؤلاء المؤدلجين  يعتبرون المنتمين إلى حزب الطبقة العاملة كفرة و ملحدين. و هذه النقطة وحدها كافية لقطع الطريق أمامهم. ثم إن أي حوار معهم لا يمكن أن يعطي إلا نتيجة واحدة و هي القبول بأدلجة الدين الإسلامي، و بتأسيس أحزاب على أساس أنها أحزاب إسلامية، و كل من قبل الحوار معهم يعتبر نفسه غير مسلم، و انه كافر، لأن هؤلاء المؤدلجين يعتبرون أنفسهم حزب الله، و يعتبرون غيرهم حزب الشيطان و الفرق كبير حسب هذا المنطق بين حزب الله و حزب الشيطان. و لذلك فلا داعي لأن يقبل حزب الطبقة العاملة فتح الحوار مع من يعتبره حزب الشيطان.

و إذا كانت تلك الأحزاب جميعا تقوم على أساس إيديولوجي من إنتاج البشر، و ليس تأويلا مغرضا للنص الديني، و كانت تناضل من اجل تحقيق مصالح طبقية معينة معروفة و واضحة لا وجود فيها لأي ادعاء أو أي التباس، أو أي تضليل.

و عندما يتعلق الأمر بالحزبوسلامي، فإننا نجد أن مؤدلجي الدين الإسلامي المنتمين إليه سواء كان (عدالة و تنمية) أو غيره، يمارسون السطو على الدين الإسلامي الذي يعتبر مرجعا إيديولوجيا بالنسبة إليهم. فيعملون فيه تأويلاتهم المغرضة، و يطوعون ما استعصى منه، و يحولون الله إلى رئيس لحزبهم، و زعيم الحزب وليا لله في ذلك الحزب، و هو الواسطة بين الله و بين الحزبيين و الحزبيون وسطاء بين ولي الله زعيم الحزب و بين سائر الناس. لأن الحزبوسلاميين يعتبرون حزبهم حزب الله مشوهين بذلك ما ورد في القرءان “أولئك  حزب ألا إن حزب الله هم المفلحون” فكأن الله قرر في الأزل، قبل نزول القرءان، و قبل بعثة الرسول محمد بن عبد الله، أن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) أو غيره من الاحزابوسلامية سواء داخل المغرب أو خارجه هو حزب الله. و هذا الادعاء هو اكبر مغالطة إيديولوجية مارسها و يمارسها الحزبوسلاميون على الكرة الأرضية، و في بلاد المسلمين، و في المغرب بالخصوص.

و انطلاقا من ممارسة السطو على الدين الإسلامي، و حرمان المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها من سلامة دينهم من الادلجة، و من الفهم الصحيح لهذا الدين الذي يمد البشرية ، مسلمين و غير مسلمين بالقيم النبيلة التي تحقق كرامة الإنسان مهما كان هذا الإنسان سواء كان في حزب “الله” أو في حزب الشيطان الذي يشمل حزب الإقطاع و حزب البورجوازية و حزب البورجوازية الصغرى و حزب الطبقة العاملة لا لشيء إلا لأن هذه الأحزاب لا تؤدلج الدين الإسلامي و لا تسعى إلى ادلجته.

و لجوء الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) أو غيره إلى ادلجة الدين الإسلامي إنما هو عمل منحط و خسيس لكونه يتناقض تناقضا مطلقا مع الأهداف و المقاصد التي جاء الإسلام إلى تحقيقها. و أهمها و في مقدمتها حفظ كرامة الإنسان عن طريق مده بالقيم الروحية النبيلة التي تجعله يتجنب كل ما يسيء إلى كرامته. فأدلجة الدين الإسلامي، لا تسعى إلى تحقيق ما جاء من أجله الدين الاسلامي بقدر ما تسعى إلى تجييش الناس وراء المؤدلجين الذين يجعلونهم مطية للوصول إلى مراكز القرار ثم السيطرة على أجهزة السلطة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لفرض الاستبداد على المجتمع الذي يجب أن يخضع للحزبوسلاميين، و أن يخدم مصالحهم المختلفة حتى ينجو كل فرد من أفراد المجتمع من غضب الحزبوسلاميين (العدالة و التنمية) و في غيره من الاحزابوسلامية الأخرى.

و الحزبوسلامي عندما يؤدلج الدين الإسلامي إنما يمارس التضليل على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هذا التضليل يستهدف :

1) العقيدة التي تختلط بالإيديولوجية، فلا يدري الناس ما هو الدين و ما هي الإيديولوجية، لأن مؤدلجي الدين الإسلامي يجعلون ادلجتهم لهذا الدين تتطابق مع الدين الإسلامي. و الإنسان المسلم البسيط و خاصة عندما تكون معرفته بالدين الإسلامي ضعيفة أو منعدمة أو كان لا يعمل عقله في النصوص فإنه يعتقد أن ادلجة الدين الإسلامي هي عينها الدين الإسلامي. و لذلك يكون الدين الإسلامي هو أول مستهدف بالتضليل.

2) المسلمين الذين ينشغلون بأدلجة الدين الإسلامي عن الدين الإسلامي نفسه الذي لا يعرفون عنه إلا ما يريده مؤدلجو الدين الإسلامي نظرا لعدم وجود وعي ديني متطور من جهة، و لعدم الاهتمام بالتكوين الذاتي من جهة أخرى. و لانتشار الأمية الأبجدية في صفوف الشعب، و لعدم اهتمام المتعلمين بالقراءة و المواكبة، كما ينشغلون بأدلجة الدين الإسلامي عن الواقع و ما يجري فيه من كوارث تستهدف مختلف الأجيال. و ما يمارسه المستغلون على الكادحين من استغلال اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و سياسي، مما يجعل المواطنين يقفون موقفا يتسم باللامبالاة وعدم الاهتمام بما يجري، مما يؤدي إلى نتيجة واحدة و هي اطمئنان المستغلين على استغلالهم للكادحين، و على تأبيد ذلك الاستغلال، فكأن المؤدلجين ابتدعوا ادلجة الدين الإسلامي لخدمة مصالح المستغلين من الإقطاعيين و أشباه الإقطاعيين و البورجوازيين و المرتشين من ذوي النفوذ في أجهزة الدولة، و هؤلاء جميعا يدعمون مؤدلجي الدين الإسلامي، و يشجعونهم على ادلجته حتى يستمر تضليل الكادحين.

3) الطبقة العاملة المشغلة لوسائل الإنتاج و التي من مصلحتها تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و التي تلعب دورها الكامل في تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية إذا امتلكت وعيها الطبقي و أدركت موقعها من الإنتاج، و ساهمت بشكل إيجابي في بناء حزبها الثوري. و في قيام هذا الحزب بدوره في قيادة نضالاتها المريرة لتحقيق أهدافها المرحلية و الاستراتيجية. لأن التضليل يصرفها عن التفكير في امتلاك وعيها الطبقي و يحولها إلى عدوة لمصلحتها الطبقية، و عدوة لجميع مصالح الكادحين، أي عدوة لنفسها، و لحزبها الثوري الذي يبقى مجرد تسمية لا مضمون لها ، و تصبح إيديولوجيتها كفرا و إلحادا بسبب إصابة الطبقة العاملة بالتضليل.

4) الشباب الذين تستهويهم تلك الادلجة فيلهثون وراءها، و يسعون إلى استيعاب مستجداتها، و يعملون على تمثلها، و يتجيشون وراء مؤدلجي الدين الإسلامي و يعربون عن استعدادهم لتنفيذ جميع الأوامر التي يتلقونها من أمراء المؤدلجين. الذين يوظفون الشباب توظيفات شتى يأتي على رأسها ملاحقة الشباب المتنور أو الديمقراطي أو اليساري في المدارس، و في الجامعات و في الجمعيات، و في المنظمات الشبابية حتى يتحول جميع الشباب إلى اتباع لمؤدلجي الدين الإسلامي. و عندما يتمكن التضليل من بعضهم إلى درجة العمى، فإن أمراء مؤدلجي الدين الإسلامي يحولونهم إلى متفجرات للانتقام من مناهضيهم من جهة، و للشروع في فرض الاستبداد بالمجتمع من جهة أخرى.

و لذلك فالتضليل الذي يلجأ إليه الحزبوسلامي يسعى إلى تحقيق الأهداف الآتية :

1) تشويه صورة الإسلام الحقيقي حتى لا يتحول إلى وسيلة للتنوير، و حتى لا يصير المسلمون حاملين للوعي بحقيقة الإسلام.

2) تضليل المسلمين الذين يختلط عليهم الأمر فلا يدرون ما هو الدين الإسلامي ؟ و لا ما هي ادلجة الدين الإسلامي ؟

3) تضليل العمال حتى يرضخوا للاستغلال الممارس عليهم، و حتى لا يمتلكوا وعيهم الطبقي الحقيقي الذي يؤهلهم لخوض الصراع ضد الاستغلال.

4) تضليل الشباب حتى يقبل التجييش وراء المؤدلجين، و يستعد لتنفيذ الأوامر مهما كانت قساوتها.

و كنتيجة لهذا التضليل، فإن جزاء المؤدلجين هو الوصول إلى مراكز القرار لتحقيق تطلعاتهم الطبقية على جميع المستويات حتى يلتحقوا بالطبقات العليا من المجتمع و يوظفوا الدين الإسلامي و السلطة في نفس الوقت لحماية مصالحهم الطبقية. و لا بأس و هم “يجاهدون” في سبيل تحقيق أهدافهم أن يقدموا بعض الضحايا، لا بأس أن يجعلوا المجتمع يقدم المزيد من الضحايا الذين يضعهم “القدر” في طريق مؤدلجي الدين الإسلامي أثناء ممارسة “فريضة الجهاد”.

و السؤال الذي يضايقنا و نحن نتناول هذه الفقرة هو :

ألم يحن الوقت لتخلي مؤلجي الدين الإسلامي عن ادلجة الدين الإسلامي، و ممارسة السياسية، و في واضحة النهار، و بعيدا عن الدين الإسلامي ؟

إنني و أنا أتتبع ما يقوم به مؤدلجو الدين الإسلامي داخل المغرب و خارجه أن هؤلاء المؤدلجين الذين يدعون الإسلام لا يستحييون من الله. و لذلك يفعلون ما يشاءون فتصدق عليهم القولة المأثورة ” فإن لم تستحي فافعل ما شئت”. و نظرا لاستفادتهم التي لا حدود لها، فإن هؤلاء لا يمكنهم التخلي عن ادلجتهم للدين الإسلامي كما أشرنا إلى ذلك سابقا، إلا إذا تعرضوا لضغط ، و من نوع معين يفرض عليهم التقيد كما حصل بعد 16 ماي 2003 في المغرب حيث تساقطت آلاف اللحى، و اختفى من الشوارع الملتحون إلا من كان زعيما، أو مفتيا، أو إطارا صحيحا، و حتى هؤلاء قليلون، و ما على المناضلين الأوفياء و المفكرين إلا أن يعملوا على إكساب الجماهير الشعبية الكادحة القدرة على مواجهة مؤدلجي الدين الإسلامي حتى يتخلى المؤدلجون عن ادلجتهم للدين الإسلامي كما فعل العديد من المؤدلجين له بعد 16 ماي 2003. و بعد ذلك، فأرض الله واسعة، و الأحزاب كثيرة، و إمكانية تأسيس أحزاب انطلاقا من إيديولوجية معينة تبقى واردة، و بعيدا عن الدين الإسلامي الذي يبقى بريئا من كل ما يمارسه هؤلاء المؤدلجون في المغرب و خارج المغرب باسم الدين الإسلامي. فهل يصل هؤلاء المؤدلجون للدين الإسلامي في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) و في غيره من الاحزابوسلامية إلى الاقتناع بضرورة التخلي عن ادلجة الدين الإسلامي و ممارسة السياسة في واضحة النهار و بعيدا عن الدين الإسلامي، حياء من الله و من المسلمين، و من العمال و الكادحين و من الشباب ؟

إننا نتمنى أن نصل في مستقبلنا القريب إلى هذه المرحلة حتى يتطهر الدين الإسلامي من ادلجة الدين. و يخلو المغرب من المؤدلجين، رغبة في إيجاد علاقة جديدة و من نوع جديد بين المسلمين و الواقع الذي يعيشونه. و بين الأحزاب السياسية فيما بينها، و بين الواقع. طلبا للأمل في قيام نهضة سياسية حقيقية متطورة و مطورة للواقع حتى تكون في بلادنا نهضة اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و سياسية تنقل المغرب إلى مستوى الدول التي تسعى فعلا إلى التقدم.

الحزبوسلاميون و قول الله ” و تلك الأيام نداولها بين الناس ” :

و إذا ثبت لدينا أن سلامة الممارسة السياسية تقتضي الابتعاد عن ادلجة الدين الإسلامي، فإن الممارسة السياسية في مثل هذه الحالة لا تكون مخالفة للدين الإسلامي، لأن الله باعتباره علام الغيوب، فإن علمه يشمل ما يصير إليه البشر من انقسام طبقي، و من انقسام المجتمع إلى طبقات، و بانتقال التشكيلة العبودية إلى التشكيلة الإقطاعية، ثم إلى التشكيلة الرأسمالية ثم إلى التشكيلة الاشتراكية. و هو لا يخفى عليه أن يجعل الناس سواسية أمام الله، و أمام الشريعة و أمام القانون، كما لا يخفى عليه أن يسوي بينهم على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و أن يجعل كل فرد يعرف ما له و ما عليه منذ البداية أي منذ ولادته. و أن يصير عارفا بكل شيء بما في ذلك العلوم و الآداب و الفنون و علوم الشريعة و القرءان و الحديث و الفيزياء و الكيمياء و الرياضيات و البيولوجية و الجيولوجية، وغيرها من العلوم الدقيقة وغير الدقيقة حتى تتحقق المساواة في كل شيء، بل في اللباس و المأكل و المشرب و السكن و الأولاد و مستوى المعيشة. حتى تتجنب البشرية كل هذا الجهد، و كل هذه الأموال التي يصرفها من اجل الحصول على ضروريات الحياة و كمالياتها. و إذا كان الأمر كذلك . فلماذا نجد قول الله ” و الله فضل بعضكم على بعض في الرزق” ألم تكن هذه الآية إقرارا بأن المجتمع منقسم إلى طبقات، و أن هذا الانقسام يجر إلى قيام  صراع بين الطبقات، و أن هذا الصراع يتخذ أبعادا اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية و قد يتحول إلى صراع تناحري. و أن اعتبار الدين الإسلامي هو دين السلام، فلأنه يحرص على أن تتجاوز مستويات الصراع المختلفة المستوى الديمقراطي الذي يجعل كل طبقة تصل إلى مركز القرار دون أن نلجأ إلى إسالة الدماء. و إذا كان الأمر كذلك فلماذا يلجأ الحزبوسلاميون على اختلاف مذاهبهم ، و على اختلاف الغاية من ادلجة الدين الإسلامي إلى العمل على تنميط المجتمع ؟ لماذا يحددون  كيف يكون اللباس، و كيف تكون اللحية ؟ و كيف يكون الأكل و الشرب و السكن ؟ لماذا يعملون على تنميط الأفكار ؟ لماذا يحددون ألفاظ التعامل في مقولات معينة ؟ أليس ما يفعلونه متناقضا مع طبيعة الإنسان ؟ أليس متناقضا مع حقه في ممارسة الحرية ؟ أليس متناقضا مع ما جاء به الإسلام نفسه ؟ ألم يعلموا قول الله تعالى ” و تلك الأيام نداولها بين الناس ” ؟ ألا تعتبر هذه الآية دعوة غير مباشرة إلى ممارسة الديمقراطية بكل أبعادها الصراعية في المجتمع حتى يتحقق التداول على السلطة الذي هو مبعث الحرص على تحقيق السلام الذي ينسجم مع روح الدين الإسلامي ؟ هل يمكن أن يكون هنا الإسلام بدون أن تكون هناك ديمقراطية ؟ هل يمكن أن نعتبر أن الاستبداد الذي يسعى الحزبوسلاميون في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) و في غيره من الاحزابوسلامية إلى فرضه على شعوب المسلمين هو عينه السلام ؟ و إذا كان الأمر كذلك، فما ضرورة الآية الكريمة ” و تلك الأيام نداولها بين الناس” ؟

إن الخلاصة التي يمكن أن ننطلق منها هي خلاصة ذات دلالة، و قد وردت في القرءان الكريم لانتقاد اليهود و النصارى في تعاملهم مع النص الديني في التوراة  و الإنجيل فقد قال الله واصفا ما هم عليه في تعاملهم مع النص الديني الذي فقد قدسيته في نظرهم ” يومنون ببعض و يكفرون ببعض”. و هذه الآية هي الخلاصة التي تضمنت حكما قاسيا في حق اليهود و النصارى بأنهم لا على دين موسى، و لا على دين عيسى. و هذه الخلاصة هي نفسها التي تنطبق على الحزبوسلاميين في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) أو في غيره من الاحزابوسلامية، داخل المغرب و خارجه. لأنهم هم بدورهم يتعاملون مع النص الديني القرءان نفس التعامل، فهم لا يأخذون منه إلا ما يخدم ادلجتهم للدين الإسلامي،  و ما يدعمون به سعيهم إلى تنميط المجتمع، و فرض الاستبداد في أنسجته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، وصولا إلى جعل هذا المجتمع الذي يعتبر أفراده مسلمين أو يفترض فيهم كذلك منمنطا ، و بما انه هؤلا المؤدلجين لا يختارون من القرءان لا ما يخدم مصلحتهم في ادلجة الدين الإسلامي. فإن قول الله تعالى “يومنون ببعض و يكفرون ببعض” يشملهم هم أيضا إلى جانب اليهود و النصارى بحكم القياس كما يقول الأصوليون. و لذلك ليسوا على دين الإسلام، لأن الدين الإسلامي كل لا يتجزأ. فلا معنى لأن يهملوا قول الله تعالى “و تلك الأيام نداولها بين الناس” لأن ما تفيده هذه الآية، و سواء شاء ذلك مؤدلجو الدين الإسلامي في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) أو غيره، أم لم يشاءوا هو التداول على السلطة، و التداول على السلطة حسب منطق العصر لا يكون إلا بالممارسة الديمقراطية و لا يكون بممارسة العنف. و إذا أراد هؤلاء الوصول إلى السلطة بالاعتماد على العنف، فإن ذلك ناتج عن اقتناعهم بأن السلطة التي يصلون إليها  سيحرصون عليها و بنفس القوة التي أوصلتهم إليها وسيعملون على تأبيدها بين أيديهم. و التأبيد الذي يسعون إلى فرضه بالقوة يسمونه “الدولة الإسلامية” و القوة التي يوظفونها هي التي يسمونها ظلما “الشريعة الإسلامية” ومن خلال سعيهم إلى إقامة “الدولة الإسلامية”  و تطبيق “الشريعة الإسلامية” فهم يعملون على فرض الاستبداد و المستبد لا يكون ديمقراطيا، و لا يمكن أن يكون ديمقراطيا. و هذا هو السر في اعتبارهم الديمقراطية كفرا و إلحادا لأنها تسعى إلى تمتيع جميع الناس بجميع الحقوق بما فيها حق تقرير المصير على مستوى السلطة التي يختارونها. و ما داموا هم لا يمثلون إلا أنفسهم، و ما داموا يعتبرون أن الله اختارهم لإقامة الدولة الإسلامية، فإنهم لابد أن يكونوا مستبدين، و إذا كانوا مستبدين لابد أن يعادوا الديمقراطية التي تقر مبدأ تداول السلطة على المستوى السياسي. لأن الديمقراطية لا تتناسب مع طبيعة الدين الإسلامي، بل لأنها تتناقض مع الاستبداد الذي يفرضه مؤدلجوا الدين الإسلامي في كل الاحزابوسلامية، أو يسعون إلى فرضه على مجتمعات المسلمين حتى يتغير مفهوم الآية الكريمة “فأينما تولوا فتم وجه الله” ليفيد معنى فأينما تولوا فتم استبداد الحزبوسلامي الذي ينوب عن الله في الأرض، و يمثله في المسلمين. فلماذا لا يتعامل الحزبوسلاميون المؤدلجون للدين الإسلامي مع النص الديني ككل ؟

إن من سمات المحرفين تفكيك النص إلى أجزاء صغيرة و بسيطة حتى يفقد ذلك النص قيمته الكلية و القدسية في نفس الوقت، ثم يشرعون في إعادة تركيب أجزاء معينة لانتاج نص يتناسب مع الأهداف التي يسعى الحزبوسلاميون إلى تحقيقها. و إعادة التركيب تلك هي التي تؤدي إلى التحريف الذي انتقده الله في القرءان بقوله ” يومنون ببعض و يكفرون ببعض” و نحن لا ننتظر من هؤلاء الحزبوسلاميين المؤدلجين للدين الإسلامي أن يعبروا عن ذلك صراحة، لأنهم لا يفعلون ذلك و لن يفعلوه أبدا. لأنهم لو عبروا عن ذلك صراحة لنالهم غضب الجماهير الشعبية التي تحرص على سلامة الدين الإسلامي اكثر منهم. بل يمكن أن نستشفه من خلال ما يقومون به من تأويل مغرض للنصوص التي لا تتناسب مع ما يذهبون إليه.

و لذلك نرى من الضروري العمل على تفكيك خطاب المؤدلجين للكشف عن المغالطات التحريفية التي يبثها بين الناس على أنها هي الدين الإسلامي، و القيام بالقراءة العلمية و الموضوعية للنص الديني، و مقارنة ما ورد فيه بتأويلات هؤلاء المؤدلجين، و هذه المقارنة هي الكفيلة بالكشف عن الممارسات التحريفية التي يعمل هؤلاء على بثها بين الناس على أنها هي الدين الإسلامي. و هذه المهمة لا يمكن أن يقوم بها شخص واحد فقط، و إنما هي مهمة هيأة بكاملها ذات بعد وطني، و جهوي، و إقليمي و محلي. و يمكن أن نقول إن ما تسميه السلطة القائمة ب”المجالس العلمية” لو لم يكن دورها ادلجة الدين الإسلامي لصالح الطبقة الحاكمة، لقلنا إنها هي التي تقوم بتلك المهمة لو كان أعضاؤها محايدين فعلا، و كانوا حريصين على سلامة الدين من الادلجة و من التحريف في نفس الوقت. و لكن شرط الحياد غير وارد في هذه المجالس، و شرط النزاهة و الحرص على حماية الدين الإسلامي من التحريف و من الادلجة غير وارد أيضا بالنسبة لأعضاء هذه المجالس. و لذلك فقد يكون هؤلاء حزبوسلاميين في(العدالة و التنمية) او في غيره من الاحزابوسلامية الأخرى. و انطلاقا من واقع هذه المجالس. و نظرا لطبيعة الوظيفة الموكولة إليها، فإننا لا نثق في نزاهتها، و لا في ادعائها بأنها تعمل على حماية الدين الإسلامي من التحريف لأنها هي نفسها قد تحرفه لحاجة في نفس يعقوب. و قد ثبت بالملموس أن من تسميهم الطبقة الحاكمة ب “العلماء” يؤولون النصوص حسب ما تقتضيه مصلحة الطبقة الحاكمة، و تختار من النص الديني ما يناسب تلك المصلحة، و يتجنبون ما لا يناسبها فينطبق عليهم ما جاء في القرءان ” يومنون ببعض  و يكفرون ببعض” فيصيرون كاليهود و النصارى الذين حرفوا التوراة و الإنجيل و يصنفون كذلك إلى جانب الحزبوسلاميين الذين يومنون فعلا ببعض، و يكفرون ببعض.

و بما أن “المجالس العلمية” غير صالحة، و غير نزيهة، فإن الجهة التي تكون مؤهلة للعمل على حماية الدين الإسلامي من الادلجة هي كل التنظيمات الثقافية و الاجتماعية و السياسية. فالتنظيمات الثقافية تكون مهمتها سلامة القيم الدينية من التحريف عن طريق مراقبة التأويلات التي تقوم بها هذه الجهة أو تلك حتى يبقى النص الديني منتجا للقيم الإيجابية عن طريق محاربة كل القيم التحريفية و خاصة تلك التي تؤدي إلى تنميط مسلكية المسلم و مظهره كتعبير عن انتمائه إلى حزبوسلامي معين. و التنظيمات الاجتماعية تكون مهمتها جعل النص الديني مرنا في تعاطيه مع الوقائع الاجتماعية المستحدثة بحكم الانتقال من تشكيلة اجتماعية إلى تشكيلة اجتماعية أخرى حتى يكون الدين الإسلامي فعلا صالحا لكل زمان و مكان, و تحارب كل أشكال التنميط التي يعمل مؤدلجو الدين الإسلامي على  فرضها على المجتمع في مختلف المناسبات الاجتماعية و الدينية حتى لا يتنمط المسلمون في نمط حزبوسلامي معين، أو في أي مجموعة من الأنماط الحزبوسلامية كما يحصل الآن في المغرب حتى لا يتحول المجتمع إلى مجتمع طائفي. و التنظيمات المدنية التي يتمثل دورها في تمكن الناس من تمتعهم بمختلف الحقوق المدنية كما هي في القرءان، و كما تقتضيها شروط التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و كما تقتضيها المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و التي تفرض شروط  التطور أخذها بعين الاعتبار من قبل جميع الناس بمن فيهم المسلمون حتى تتكرس المساواة بين الجنسين و أمام القانون، و بواسطة القانون. و معلوم أن هذه المساواة، و من هذا النوع تم التنصيص عليه في الأثر ” لا فرق بين عربي و عجمي و لا بين ابيض و اسود إلا بالتقوى” و “الناس كأسنان المشط” و “النساء شقائق الرجال”، لأن الناس جميعا في حاجة إلى بعضهم البعض كما قال الشاعر :

الناس للناس من بدو و حاضرة                 بعض لبعض و إن لم يشعروا خدم

و أما التنظيمات السياسية، فتكون مهمتها الحرص على عدم ادلجة الدين الإسلامي، و عدم تسييسه، لأنها هي وحدها التي تميز بين الدين و السياسة، و حتى إذا كانت هناك آيات في القرءان تعطي إمكانية الفهم بجواز ممارسة الإيديولوجية بواسطة الدين الإسلامي. و بإمكانية ممارسة السياسة بواسطة هذا الدين، فإن ذلك يجب أن يعتبر من خصوصيات المرحلة التي ظهر فيها الدين الإسلامي، و في صراع المسلمين الأوائل مع المشركين، و مع الدول الأجنبية التي كانت تسعى إلى منع انتشار الإسلام. لأنها كانت تخاف منه، و لا يجوز سحبها على عصرنا هذا، لأنها لا يمكن أن تقود إلى صراع غير مشروع. لأنه في عصرنا لا يمكن أن نتكلم  عن المشركين، و لا عن الدول التي تحاصر الدين الإسلامي حتى لا ينتشر بين مواطنيها، لأنه لم يعد للحدود معنى. فالفضائيات و “شبكة الانترنيت” قد اخترقت جميع الحدود، و حولت العالم إلى قرية ، و قربت كل ما هو بعيد ، وجعلت كل الناس يتكلمون في كل شيء بما في ذلك المحرم الكلام فيه. بالإضافة إلى عمل هذه التنظيمات على منع قيام أحزاب على أساس ديني، و منع قيام دولة على أساس ديني أيضا و لا شيء اسمه الشريعة الإسلامية هناك قانون يعتمد في وجوده على النص الديني كمصدر من مصادر التشريع بالإضافة إلى مصادر أخرى.

و من هذه التنظيمات، في أبعادها المختلفة، يمكن أن نكون هيئات وطنية و جهوية و إقليمية و محلية تكون مهمتها العمل على حفظ النص الديني من التحريف، و حفظ الدين الإسلامي من الادلجة، و منع تكوين أحزاب سياسية و تنظيمات جماهيرية على أساس عقائدي. و بالخصوص على أساس ادلجة الدين الإسلامي الذي يجب أن يبقى منزها عن تلويثه بالإيديولوجية و السياسة، و النضال من اجل تطهير الكتب الدينية من الأفكار المؤدلجة للدين الإسلامي. و إيجاد برنامج للتوعية بحقيقة هذا الدين حتى يتم التفريق بين ادلجة الدين و بين حقيقته، سعيا إلى بناء مجتمع للمسلمين على أسس لا علاقة لها بأدلجة الدين الإسلامي، حتى يتطهر المجتمع من التمظهرات المؤدلجة للدين الإسلامي.

فهل يمكن أن تعمل التنظيمات الثقافية و المدنية و الاجتماعية و السياسية على إنشاء هيأة خاصة بالمحافظة على سلامة النص الديني من التحريف و منع ادلجة الدين الإسلامي و إنشاء تنظيمات على أساس تلك الادلجة ؟

إن على هذه التنظيمات المتنورة و المناضلة – و لاشك – و انطلاقا من قناعاتها المتنوعة مادامت غير مؤدلجة للدين الإسلامي، أن تتحرر من عقدة الجهل بالدين الإسلامي و أن تلتمس معرفته بالرجوع إلى النصوص الأصلية و الثابتة، إلى الكتب التي لا علاقة لها بأدلجة الدين و التي تسعى إلى تنوير المسلمين بدينهم. و إلى كل ما يجعل العقل هو الحاضر في فهم النصوص الدينية الثابتة، و إلى المعرفة النقدية بأدلجة الدين، و بأصولها، و أهدافها، و ببرامج مؤدلجي الدين الإسلامي حتى تمتلك هذه التنظيمات الكفايات المعرفية و المنهجية و الميدانية و التنظيمية في عملية مواجهة ادلجة الدين الإسلامي، و في طلب كل ما يمكن أن يعتبر وسيلة لمواجهة تلك الادلجة حتى تتكون جبهة جماهيرية عريضة ضد ادلجة الدين الإسلامي. و تحرير المجتمع من تلك الادلجة سعيا إلى قيام مجتمع للمسلمين في المغرب خال من ادلجة الدين الإسلامي التي تقف سدا منيعا بسبب ممارسة التضليل على المسلمين ضد كل أشكال الوعي الديني الحقيقي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي الذي يجعل المجتمع يتفاعل مع مختلف التنظيمات غير المؤدلجة للدين الإسلامي.

و بتكوين تلك الهيئات في بعدها الوطني،  الجهوي و الإقليمي و المحلي يكون المجتمع قد خطا خطوة هامة في أفق وضع حد لأدلجة الدين الإسلامي، من اجل حماية الدين الإسلامي فعلا، و حماية المسلمين من التضليل حتى يصيروا مستعيدين للتنوير الذي يجعلهم مستعدين لبناء مجتمع حر و ديمقراطي و من منطلق إجراء انتخابات حرة و نزيهة لاختيار من يتحمل مسؤولية السلطة و يقيم دولة الحق و القانون كعمل إجرائي لقوله تعالى ” و تلك الأيام نداولها بين الناس” فإذا كنا كمسلمين نومن بأن الإسلام صالح لكل زمان و مكان، فإن علينا أن نفصل الواقع لإدخاله في القوالب الجاهزة التي يعدها مؤدلجو الدين الإسلامي انطلاقا من ادلجتهم للدين الإسلامي. بل علينا أن نطور فهمنا للنص الديني حتى يتلاءم مع مستحدثات العصر الذي نعيشه حتى لا نعتبر أن تلك المستحدثات تتناقض مع الدين الإسلامي، بل نعتبرها مساهمة في تطوير فهمنا للنص الديني. و لذلك فالديمقراطية التي تؤدي إلى قيام تداول السلطة يجب أن تؤدي إلى تطوير فهمنا للنص الديني، “و تلك الأيام نداولها بين الناس”التي تعطينا أن لا شيء دائم في الواقع بما في ذلك الأيام، و ما يقع فيها بما فيه التداول على السلطة. و إذا كان التداول على السلطة بالطرق التقليدية يتم على أساس اعتماد القوة. فإنه في عصرنا هذا يتم على أساس اعتماد الممارسة الديمقراطية التي تجنب البشرية بصفة عامة و المسلمين بصفة خاصة سفك الدماء التي تشيع العداوة بين الناس. و بناء على هذا الفهم المتطور نرى أن على المسلمين في كل بلد من بلدانهم أن يحرصوا على أن يكون لهم دستور ديمقراطي من الشعب و إلى الشعب، و أن يكون ذلك الدستور متلائما مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان كآخر ما أبدعته البشرية، و أن يعملوا على إيجاد قانون انتخابي بضمانات كافية لمنع اللجوء إلى أشكال التزوير التي تعرفها الانتخابات في العديد من بلدان المسلمين و منها المغرب الذي وصل فيه الحزبوسلامي ( العدالة و التنمية) إلى البرلمان عن طريق انتخابات عرفت تزويرا. و القيام بإجراء انتخابات حرة و نزيهة لإفراز مؤسسات تمثيلية محلية و إقليمية و وطنية. و تكوين حكومة من الأغلبية من اجل تنفيذ برنامج تلك الأغلبية الذي ينال رضا الجماهير و تعمل على ملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان حتى تضمن الحكومة بذلك تمتع جميع المواطنين بجميع الحقوق، و على أساس المساواة فيما بينهم ، و بموجب القانون، من اجل وضع حد للمشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية التي يعاني منها المسلمون، و عانوا منها كثيرا في مختلف العقود السابقة. و يتم بذلك وضع حد لأدلجة الدين الإسلامي التي تعادي الديمقراطية، بسقوط المبررات الواقعية لتلك الادلجة،  ليصير بذلك المؤدلجون يتامى الممارسة الديمقراطية التي يجب أن تعمل الحركة الديمقراطية و التقدمية و الإنسانية على توعية شعوب المسلمين بها. لأن هذه الشعوب وحدها تستعصي على احتضان الممارسة الديمقراطية بسبب شيوع ادلجة الدين الإسلامي بين المسلمين ليصيروا مضللين بتلك الادلجة التي يشيعها الحزبوسلاميون بمن فيهم حزبوسلاميي (العدالة و التنمية) الذي يسعى بأدلجته للدين الإسلامي إلى إقبار العدالة و وضع حد للتنمية بمفهومها المتطور الذي يتناسب مع هذا العصر الذي نعيشه.

فما الذي يجعل الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) و في غيره يغمضون أعينهم عن قوله تعالى “و تلك الأيام نداولها بين الناس” ؟

إننا في الواقع نقف أمام إشكالية القراءة التي يتعرض لها النص الديني، فهذه القراءة إما أن تكون موضوعية، و إما أن تكون اختزالية/انتقائية.

فالقراءة الموضوعية تتعامل مع النص ككل و بالشروط الموضوعية التي جاء فيها . و بالشروط الذاتية للمجتمع الذي استقبل ذلك النص، و كيف تعامل معه الناس وما هي رؤياهم لمضامينه ؟ و هل كانوا يتوقفون عند حدود الفهم ؟ و هل كان ذلك الفهم محدودا أم انه كان ينحو إلى التأويل ؟ و هل ظهرت فرق دينية أثناء التنزيل ؟ أم أن ذلك التأويل كان في حدود خدمة الموقف السياسي العابر ؟

أما القراءة الاختزالية الانتقائية، و اسميها أيضا بالانتهازية فهي قراءة تفرض اختيار الفقرات التي تخدم مصلحة معينة و تحقق غرضا معينا، أما الفقرات الأخرى فيتم إهمالها لدرجة أن المتلقي للقراءة الانتقائية يعتقد أن النص الديني يختصر في تلك الفقرات المقروءة من منطلق مصلحة الجهة التي تقوم بالقراءة.

و معلوم ان كل قراءة سعت إلى أن تكون موضوعية تلقى العداوة من قبل العاملين بالقراءة الاختزالية. و بالتالي فإن الكثير من التفاسير التي تتوخى استخدام العقل و التماس الموضوعية في التعامل مع النص الديني (القرءان)، تصير مهمشة و يتم التشهير بها و بأصحابها حتى لا يلجأ الناس إلى قراءتها.

و الناس يقعون في حيرة من أمرهم فلا يدرون أي القراءة يتبعون، إلى أن ظهرت الاحزابوسلامية و منها الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) فعملت على إشاعة ادلجة الدين الإسلامي القائمة على القراءة الانتقائية، فصار الناس يعتقدون أن القراءة الانتقائية هي القراءة السليمة. و هذه القراءة في الواقع لا يمكن اعتبارها إلا قراءة إيديولوجية.

و إشكالية قراءة النص الديني هذه هي التي تقضي بجعل المسلمين يعيشون حالة التيهان التي تجعلهم  لا يدرون ما هي حقيقة الدين الإسلامي ؟ هل هي حقيقة إسلام الشيعة ؟ أم حقيقة إسلام السنة ؟ أم حقيقة إسلام الخوارج ؟ و ما هو المذهب الاصلح ؟ هل هو المذهب المالكي ؟ أم المذهب الحنفي ؟ أم المذهب الشافعي ؟ أم المذهب الحنبلي ؟ و ما هو النظام الذي يمثل الدولة الإسلامية ؟ هل هو النظام السعودي أم النظام المصري؟ أم النظام الجزائري ؟ أم النظام المغربي ؟ أم النظام الأردني ؟ أم النظام الإيراني ؟ … و من هو الحزب السياسي الديني الحزبوسلامي الذي يسعى إلى فرض الالتزام بالإسلام الصحيح ؟ و هل هو الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) ؟ و هل هو الحزبوسلامي (جبهة الإنقاذ الجزائرية) و هل هو الحزبوسلامي (الإخوان المسلمون) أم الحزبوسلامي (القاعدة) أم الحزبوسلامي (حركة الطالبان) ؟ أو الحزبوسلامي الكويتي؟

إننا بتتبعنا لهذا الخضم من الأحزابوسلامية التي تعم الكرة الأرضية، و التي جاءت نتيجة لتعدد قراءة النص الديني المتناسبة مع ، والمختلفةمع الحزبوسلاميين المنتمين إلى الاحزابوسلامية المختلفة. لابد أن نقع في التيه، و لابد أن نفقد بوصلة التوجيه نحو الإسلام الصحيح، و لابد أن نصل إلى نتيجة أن الدين الإسلامي الحقيقي يقتضي طرح كل تلك القراءات الانتقائية/الانتهازية القائمة على أساس توظيف الدين الإسلامي لخدمة المصالح الفردية و الجماعية للحزبوسلامي أنى كان جنسه أو لونه أو لغته. كما يقتضي الرجوع إلى القراءة الموضوعية السليمة من التوظيف الإيديولوجي للنص الديني حتى يتوحد فهم المسلمين للنص الديني؟، و حتى تتوحد القيم  الإسلامية الدينية لدى جميع المسلمين، و التي لا تكون إلا منفتحة على العصر و مستوعبة لكل مستجداته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية ما لم تتناقض مع القيم الإنسانية النبيلة. لأن القيم في الدين الإسلامي لا تتناقض مع القيم الإنسانية النبيلة. لأن الدين الإسلامي لا يسعى إلا إلى تحقيق كرامة الإنسان، و كل ما سوى ذلك مما تنتجه القراءة الانتقائية/الانتهازية لا علاقة له بالدين الإسلامي.

و الذي يجعل الاحزابوسلاميين و منها الحزبوسلاميين في (العدالة و التنمية) يغمضون أعينهم عن قوله تعالى ” و تلك الأيام نداولها بين الناس” هو أن هؤلاء الحزبوسلاميين يرون :

1) أن أي ارتباط بالدين الإسلامي يجب أن يكون ارتباطا إيديولوجيا و سياسيا سعيا إلى خدمة مصالحهم الفردية و الجماعية و الطبقية. و هذه المصالح هي التي توجه فهمهم للنص الديني، و تفرض عليهم أن يغمضوا أعينهم عن الفقرات التي تتناقض مع ادلجتهم للدين الإسلامي.

2) انهم يسعون إلى تكريس ادلجة الدين الإسلامي التي تجعل المسلمين يعتقدون أن الاصلح لهم هو عودة “الحكم الإسلامي” المتمثل في إقامة “الدولة الإسلامية” التي تعمل على تطبيق “الشريعة الإسلامية” في المغرب، و في غير المغرب حتى يتكرس حكم “الدولة الإسلامية” في كل بلد من بلدان المسلمين الذي لا يمكن اعتباره إلا حكما بيد مؤدلجي الدين الإسلامي الذين لا يومنون لا بالديمقراطية و لا بحقوق الإنسان، و لا بالتداول على السلطة، و لا بأي شيء من الأشياء التي تؤدي إلى حفظ كرامة الإنسان، و سعيهم هذا يتناقض جملة و تفصيلا مع مفهوم قوله تعالى “و تلك الأيام نداولها بين الناس”.

3) استغلال “الدولة الإسلامية” لفرض خدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و كل من رفض من المسلمين الرضوخ إلى حكم مؤدلجي الدين الإسلامي و العمل على خدمة مصالحهم الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية يعتبر كافرا و ملحدا حتى و إن كان مسلما و يقام عليه الحد الذي لا يكون إلا حد القتل بواسطة قطع الرأس أو الرجم أو الشنق من اجل جعل باقي المسلمين يخضعون حتى لا يقعوا تحت طائلة القتل، باسم الدين الإسلامي. و الدين الإسلامي براء من ذلك.

4) إقامة الحدود التي تعتبر وسيلة لإرهاب المواطنين إرهابا جسديا باسم الدين الإسلامي. لأن المسلمين جميعا سيصيرون مهتمين بالسرقة، و بالزنا، و بكل ما يمكن أن يصير إليه المسلم من اتهامات تقتضي إقامة الحدود إلى أن يثبت العكس. و لذلك فإقامة الحدود في وضع مترد على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لا يمكن أن يعتبر إلا وسيلة قمعية للشعوب التي يصل الحزبوسلاميون المؤدلجون للدين الإسلامي إلى حكمها. لأن هؤلاء لا يهمهم إلا الاستبداد بالشعوب و ليس تطبيق الشريعة الإسلامية، لأنه لم تكلفهم أي جهة غيبية بذلك، و ليسوا أولياء الله في الأرض، انهم مجرد محرفين للدين الإسلامي بالتأويلات المغرضة التي يلجأون إليها تبعا لمصحتهم الطبقية ، الإيديولوجية و السياسية.

5) الإيحاء بأن الحكم الاصلح هو “الحكم الإسلامي” و “الحكم الإسلامي” غير محدد  البرامج و الوسائل  و الأهداف, لأنه هو نفسه البرنامج ، و الوسيلة و الهدف. و المرجعية التي يسمونها ” المرجعية الإسلامية” التي ليست في عمقها و في طبيعتها إلا مرجعية إيديولوجية قائمة على ادلجة الدين الإسلامي، و مرجعية ادلجة الدين الإسلامي، هي من وضع البشر، و من صياغته، لأن التأويلات هي للبشر و ليست من النص الديني في شيء.

و لذلك “فالحكم الإسلامي” هو مجرد  وهم إيديولوجي يعمل مؤدلجو الدين الإسلامي على إشاعته بين الناس، و العمل على إقناعهم به، و جعلهم يرتبطون بالعمل على تحقيقه باعتباره هو النظام الاصلح للمسلمين استعدادا للقاء الله، و ليس لنشر الحرية و الديمقراطية و العدالة  الاجتماعية. لأن الحرية ليست قائمة في “الحكم الإسلامي” ، و الديمقراطية هي “ديمقراطية” الكفار و الملحدين، و العلمانيين كما يروج ذلك الحزبوسلاميون. أما العدالة الاجتماعية، فهي تدخل في أمر الله الذي ورد في كتابه القرءان “و الله فضل بعضكم على بعض في الرزق” لأن الله يغني من يشاء و يفقر من يشاء، و ما قدر شاء، و لا علاقة للفوارق الطبقية في نظر هؤلاء ب”الحكم الإسلامي” الذي تتجسد مهمته في “تطبيق الشريعة الإسلامية” و لا يمكنه أبدا أن يخالف إرادة الله و لا أن يشكك فيها، و انطلاقا من هذا التأويل الذي يلجأ إليه الحزبوسلاميون.

6) إيهام المسلمين بأن الله اختار هؤلاء المؤدلجين للوصاية على الدين الإسلامي، و العمل على حمايته من “التحريف” و السعي إلى إقامة “النظام الإسلامي” المتمثل في إقامة “الدولة الإسلامية” التي تعمل على “تطبيق الشريعة الإسلامية” إرضاء لله، و إعداد المسلمين للقيام بالإعداد و الاستعداد ليوم القيامة عن طريق إقامة العبادات المختلفة و القبول ب”تطبيق الشريعة الإسلامية”. و الواقع أن هؤلاء إنما يسعون  إلى تضليل المسلمين. وفي ذلك التضليل تتحرك ادلجة الدين الإسلامي، لأن ادلجة الدين الإسلامي إذا لم تقم بدور التضليل لا معنى لها جملة و تفصيلا، و لا داعي إلى اللجوء إليها. و من نتائج تضليل المسلمين اعتقادهم أن هؤلاء إنما يقومون بذلك لأن الله اختارهم لهذه المهمة الدينية، و الذي نعلمه انه لا أفضلية للعلماء على غيرهم من المسلمون إلا في كونهم يخشون الله كما جاء في القرءان “إنما يخشى الله من عباده العلماء” و على المسلمين إذا أرادوا اكتساب المعرفة الدينية ، و أن يكون لهم بها أن يسألوا أهل الذكر، كما جاء في القرءان “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”. و نحن عندما نقرأ النص الديني سوف لا نجد انه لا يوجد من بين المسلمين من يختاره الله ليكون وليا عليهم. لأن الله في هذه الحالة سيكون هو الذي فرض المستبدين على المسلمين في جميع بلدان المسلمين، و الله تعالى منزه عن ذلك، و سيكون غير عادل، و هو العادل و تعالى على أن يكون غير عادل. و سيكون متحيزا إلى هؤلاء الذين يدعون أن الله تعالى اختارهم  و حاشا أن يختارهم الله و أن يكون متحيزا إليهم. و لكنها الإيديولوجية التي تستبيح الكذب على الله خدمة للمصالح الطبقية المختلفة.

و بذلك يتلخص لنا أن أي ارتباط بالدين الإسلامي يجب أن يكون ارتباطا إيديولوجيا و سياسيا، و أن السعي إلى تكريس ادلجة الدين الإسلامي، و أن استغلال “الدولة الاسلامية” لخدمة مصالح مؤدلجي الدين الإسلامي، و أن إقامة الحدود لإرهاب المواطنين، و أن الإيحاء بأن الاصلح هو الحكم الإسلامي، و أن إيهام المسلمين بأن الله اختار هؤلاء المؤدلجين للوصاية على الدين الإسلامي لا يلتفتون إلى قول الله تعالى ” و تلك الأيام نداولها بين الناس” و لا يحاولون أن يفهموا دلالتها على أن الاستبداد الذي يسعون إلى تكريسه أو فرض استبداد بديل صار غير وارد في هذا العصر الذي نعيش فيه. و أن الممارسة الديمقراطية بمضامينها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية هي الاصلح، و هي المعبر الفعلي عن معنى قوله تعالى ” و تلك الأيام نداولها بين الناس”.

فهل يعيد مؤدلجو الدين الإسلامي النظر في تأويلاتهم الإيديولوجية، و في قراءتهم الانتقائية/الانتهازية للنص الديني ؟ أم انهم سيستمرون في غيهم ؟ و في ادعاء وصايتهم على الدين الإسلامي؟

و نحن لا نملك إلا أن نتمنى للحركة الديمقراطية و التقدمية أن تنهض، و أن يعتبر نهوضها وسيلة لاعادة الاعتبار إلى الفهم الصحيح للدين الإسلامي عن طريق القراءة الموضوعية للنص الديني التي لا تتوخى إلا امتلاك الفهم الصحيح للدين الإسلامي.

خاتمة :

و إذا  كان في إمكاننا أن نستخلص ما يجب أن نستخلصه من معالجتنا لموضوع “لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية” فإننا نستخلص أن ادلجة الدين الإسلامي كانت وبالا على المجتمعات البشرية، و كانت كارثة على فهم الناس المشوه للدين الإسلامي، و كانت تحريفا للدين الإسلامي و صارت تحريفا أمام انبثاق وعي علمي متطور بالأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و أمام قيام صراع طبقي حقيقي، و أن هذا الصراع القائم في الواقع الذي يراد له التأثر بادلجة الدين الإسلامي ليصير صراعا بين الإيمان و الإلحاد، و بين الإسلام و الغرب، و بين الأصالة و المعاصرة، و بين التقليد و التجديد. و تبعا لذلك بين المومنين و الكفار و بين المسلمين و العلمانيين و بين دعاة التقليد و دعاة التجديد و بين …الخ. و هذه الأشكال من الصراع تلغي و بصفة نهائية أشكال الصراع الطبقي في مستوياته الإيديولوجية و السياسية و التنظيمية و الثقافية و الاقتصادية و الاجتماعية. و أن تغييب الصراع الطبقي هو نتيجة للتضليل الذي يمارسه الحزبوسلاميون في العدالة و التنمية و في غيره من الاحزابوسلامية، و أن العمل من اجل إزالة ذلك التضليل  يقتضي أن تتحمل الجمعيات و النقابات و الأحزاب الديمقراطية مسؤوليتها في إقامة جبهة وطنية للنضال من اجل الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي انطلاقا من برنامج الحد الأدنى الذي يكون من بين أولوياته الحرص على سلامة الدين الإسلامي من الادلجة، و العمل على تفكيك ادلجة الدين الإسلامي، و بيان ما تحمله من مغالطات، و ما هي جوانب التضليل التي تعمي أبصار الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة بالخصوص. و ما هي الأهداف الحقيقية التي يسعى الحزبوسلاميون في (العدالة و التنمية) و في غيره من الاحزابوسلامية من اجل إزالة التضليل، و إزالة الغشاوة عن أعين الكادحين، و من اجل استعادة الوعي الطبقي الحقيقي الذي بدونه لا يمكن للكادحين أن يناضلوا من اجل الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

و للوصول إلى هذه الخلاصة تناولنا في معالجة موضوع “لا عدالة و تنمية في خطاب العدالة و التنمية” مفهوم العدالة، و مفهوم التنمية، و خطاب العدالة و خطاب التضليل، و خطاب التنمية و خطاب التخلف. و هل من العدالة استغلال الدين  في الأمور الإيديولوجية و السياسية ؟ و هل من التنمية إنتاج خطاب التخلف؟ و ماذا لو امسك مؤدلجو الدين الإسلامي في العدالة و التنمية عن ادلجتهم للدين الإسلامي ؟ و هل يمسك مؤدلجو الدين الإسلامي في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) عن إنتاج خطاب التخلف ؟ و هل من العدالة و التنمية اعتبار المغرب ماخورا ؟ و ألا يمكن اعتبار تفاقم المشاكل الأسرية هو نتاج خطاب تخلف (العدالة و التنمية) و ألم يحن الوقت للامساك عن ادلجة الدين الإسلامي و توظيفه في الأمور السياسية؟ و ألم يحن الوقت لتجريم الممارسة الإيديولوجية الدينية ؟ و ألم يحن الوقت لممارسة السياسة، و في واضحة النهار بعيدا عن الدين ؟ و ألم يتعرف هؤلاء على قول الله ” و تلك الأيام نداولها بين الناس” ؟

و بتناولنا لهذه الأفكار نكون قد وصلنا إلى أن الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) كغيره من الاحزابوسلامية لا ينتج إلا خطاب التخلف، لأن تفكير الحزبوسلاميين و مهما كان معبرا عن ادلجة الدين الإسلامي لا يمكن أن يكون إلا تفكيرا للتخلف. و التخلف ليس إلا خطابا يجر المجتمعات إلى الرجوع إلى الوراء، و إلى العمل على إقبار كل تفكير يمكن أن يجر إلى استنهاض كيان المسلمين الكادحين، و مهما كانت الشروط التي يعيشونها إلى امتلاك الوعي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، حتى يطمئن الحزبوسلاميون في الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) على أن الشعب المغربي لم تعد فيه قلوب تنبض بالرغبة في تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية خدمة للذات الحزبوسلامية التي لا تعيش إلا في مستنقع التخلف من جهة، و خدمة للطبقة الحاكمة التي وقفت و لازالت تقف وراء تكريس تخلف المسلمين في المغرب من جهة ثانية، و خدمة للإمبريالية العالمية الموجهة لتكريس تخلف المسلمين.

فهل يتخلى الحزبوسلامي (العدالة و التنمية) عن إنتاج خطاب التخلف بتخليه عن ادلجة الدين الإسلامي ؟

محمد الحنفي

2016-07-03 2016-07-03
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير