قوى أجنبية تستبيح بلاد الوطن العربي بذرائع تخفي وراءها حقيقة الاستباحة

226787 مشاهدة

قوى أجنبية تستبيح بلاد الوطن العربي بذرائع تخفي وراءها حقيقة الاستباحة

وجدة البوابة: محمد شركي

لا توجد أرض على سطح هذا الكوكب استبيحت كما استبيحت بلاد الوطن العربي من قبل قوات أجنبية تخوض فيما بينها حرب مصالح اقتصادية بالدرجة الأولى ،وذلك بسبب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي بدأت سنة 2008 والتي لا يعرف لحد الساعة متى ستنتهي . ومعلوم أن استباحة الأوطان لا تكون إلا إذا ضعف أهلها ،والمثل العامي  عندنا في المغرب يقول : ” المال السائب يعلم السرقة أو يشجع عليها ” . ولقد بلغت الأمة العربية درجة من الضعف غير المسبوقة، الشيء الذي أغرى القوى الأجنبية باستباحة أراضيها . ومعلوم أن بلاد الوطن العربي تزخر بموارد الطاقة التي تسيل لعاب القوى الأجنبية، فضلا عن كون هذه البلاد تمثل أسواقا مربحة بالنسبة لها، ومجالات خصبة للاستثمارات، لهذا يقع عليها التهافت . ولقد كانت أول استباحة لبلاد الوطن العربي خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين حيث وزعت دول أوروبية محتلة هذه البلاد فيما بينها طمعا في خيراتها . وكانت ثانية استباحة ،وهي الأخطر اقتطاع أرض فلسطين من الوطن العربي وتسليمها هدية للكيان الصهيوني الذي يمثل اليوم سرطانا في جسم الوطن العربي ، وهو السر وراء كل الويلات التي يعاني منها هذا الوطن البائس . ولم يحد جلاء الاحتلال الغربي عن الوطن العربي من استباحة بلدانه حيث ظلت هذه البلدان  عبارة عن مناطق نفوذ تتقاسمها القوى التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية . ومن أجل تكريس استباحة بلاد الوطن العربي وقع تقسيمها أولا  ثم نشأت فيها أنظمة  خاضعة للدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية . ومن أساليب استباحة بلاد الوطن العربي سياسة التفريق التي تنهجها القوى العظمى بين الأنظمة العربية عملا بالقاعدة المعروفة : ” فرق تسد ” وعن طريق سياسة التفريق نشأت الولاءات الإيديولوجية لدى الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي فانحاز كل منها إلى معسكر للدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، علما بأن العالم بعد الحرب توزعه قطبان متنافسان  بسبب الرغبة في التوسع على حساب البلاد الضعيفة لأغراض اقتصادية بالدرجة الأولى بحثا عن الموارد والأسواق والاستثمارات . وبعد انهيار أحد القطبين لأسباب اقتصادية  تحول ولاء الأنظمة العربية التي كانت تدين له بالتبعية إلى ولاء للقطب الذي ظل قائما ومهيمنا، ودخل الوطن العربي بسبب ذلك مرحلة جديدة يمكن تسميتها بمرحلة تصفية الأنظمة التي كان لها ولاء للقطب المنهار. ومما تميزت به  هذه المرحلة لجوء القطب الغالب أو المهيمن إلى  سياسة الفوضى الخلاقة في الوطن العربي ، وهي فوضى بدأت من غزو العراق حيث تم التخلص من نظام كان يدين بالولاء للقطب المنهار ، واستبيحت أرض العراق من خلال نفخ المحتل الغربي في النعرات الطائفية . وأخذت الفوضى الخلاقة بمنظور الغرب ،والهدامة بالمنظور العربي أشكالا متعددة من خلال ثورات الربيع العربي ، وهي في الحقيقة ثورات حقيقية لأن الشعوب الغربية المغلوب على أمرها والتي تجرعت مرارة الاحتلال الغربي والاحتلال الصهيوني والغزو الغربي الجديد ،وعاشت النكبة والنكسات ومآسي الشعب الفلسطيني واستبداد أنظمتها، وجدت الفرصة سانحة في الثورات الشعبية التي أطاحت ببعض الأنظمة الشمولية . وحقيقة هذه الثورات لا تنفي دور القوى الغربية في إضرام نيران الفتن في البلاد العربية في سياق الفوضى الخلاقة تمهيدا لتقسيم جديد للبلاد العربية، والذي من شأنه أن يضمن مصالح القوى العظمى لفترة زمنية كما ظلت مضمونة لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى بداية الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية . ومعلوم أن القوى العظمى تدخلت بشكل مباشر في ثورات  ربيع الشعوب العربية، وحولت اتجاهاتها وفق ما يخدم مصالحها الاستراتيجية . ففي مصر تمت مواجهة ثورة الشعب المصري بثورة مضادة قادها العسكر فانقلب على الشرعية والديمقراطية بمباركة القوى العظمى وبواسطة أنظمة عربية سخرت لذلك .  وفي تونس أعيد تشكيل نظام يسد مسد النظام الذي أسقطته الثورة التونسية والمكون من فلول النظام المنهار . وفي ليبيا حاولت القوى العظمى تطبيق ما طبقته في تونس إلا أن الفوضى الخلاقة هناك لم تسعفها لأن ليبيا كانت في عهد النظام الزائل تعيش وضعية خاصة مخالفة لما كانت عليه مصر وتونس، لهذا لم تسد مسد استبداد النظام فيها فلوله كما حصل فيهما ، وطرح ذلك مشكل أمام القوى العظمى لتصفية ثورة الشعب الليبي بالطريقة التي صفيت بها ثورتي الشعب التونسي والمصري .وفي اليمن حاولت القوى العظمى تصفية ثورة الشعب اليمني على غرار ما حدث في مصر وتونس إلا أن وضع اليمن كان أشبه ما يكون بوضع ليبيا، فلم تفرز الفوضى الخلاقة حلا كما أرادت القوى العظمى ،ونشأت حربا أهلية فيه كما نشبت في ليبيا خصوصا بعدما ظهرت الأطماع الإيرانية في اليمن عن طريق تصدير الطائفية إليها بعد نجاح الطائفية في العراق إثر الغزو الغربي ، والطائفية  من نتائج الفوضى الخلاقة الممهددة لإعادة تقسيم البلاد العربية . ومعلوم أن الحروب الأهلية التي أفرزتها الفوضى الخلاقة تعطي القوى العظمى فرصة التأكد من موازين قوى الأطراف المتصارعة التي تحاول  ترجيح كفتها لدى هذه القوى العظمى ميدانيا خلال الصراعات الدموية لتكون مؤهلة للحصول على دور شريك  في الحوارات التي تقررها القوى العظمى بخصوص وضعية البلاد العربية التي تعرف حروبا أهلية تذكيها النعرات الطائفية . وفي سوريا ظل النظام المستبد متشبثا لم يسقط بسبب تدخل دولة إيران والتي كانت القوى العظمى تفاوضها من أجل أمن الكيان الصهيوني المستنبت في قلب الوطن العربي، وهي مفاوضات انتهت بتفاهم بين الطرفين سمح بموجبه بإطلاق يد إيران في اليمن والعراق وسوريا . ودخلت على خط الصراع في سوريا روسيا التي كانت تواجه حصارا اقتصاديا من طرف القوى الغربية بسبب طموحاتها التوسعية من خلال  ضمها لشبه جزيرة القرم . ولقد ساهم التدخل الإيراني والروسي في بقاء النظام السوري متشبثا ولم يسقط . ومعلوم أن الغرب يريد بديلا عن هذا النظام كما فعل في العراق و مصر وتونس ،وكما يريد ذلك في اليمن ، ولهذا طرحت فكرة رحيل النظام السوري، وهي نقطة خلاف بين روسيا والدول الغربية . فالروس يريدون نصيبهم في منطقة الشرق الأوسط انطلاقا من سوريا ، والإيرانيون ومن خلال التحالف مع الروس يريدون نصيبهم أيضا انطلاقا من محور العراق  ومحور اليمن ، وهذا ما يطبع اليوم الصراع في سوريا والعراق . ومعلوم أن القوى العظمى التي خططت للفوضى الخلاقة تبرر استباحتها لبلاد الوطن العربي بتبريرات تخفي ما وراء هذه الاستباحة من صراع  بسبب مصالحها الاستراتيجية ، وهي مصالح اقتصادية بالدرجة الأولى . ومعلوم أيضا أن الإجهاز على ثورات الشعوب العربية كان بواسطة ذريعة محاربة الإرهاب، ذلك أن الفوضى الخلاقة التي أطاحت بأنظمة، فسحت المجال للعمل المخابراتي الذي تمخضت عنه عصابات إجرامية للمرتزقة الذين حجوا من كل صوب وحدب إلى العراق وسوريا ، واستخدمت هذه العصابات مخابراتيا من أجل تشويه ثورات الشعوب العربية ، وهي تقدم للقوى العظمى خدمة كبرى حيث تصفي هذه القوى ثورات الشعبين العراقي والسوري بذريعة مواجهة عصابات إجرامية إرهابية من صنع مخابراتي مكشوف ، ذلك أن الروس يضربون قوات المعارضة السورية  والجيش الحر السوري، ويزعمون أنهم يحاربون عصابات داعش الإجرامية ، كما أن القوى الغربية  لا تهاجم النظام السوري، وهي على علم تام  بتعامله مع تلك العصابات الإجرامية التي تضرب بدورها المعارضة السورية والجيش الحر من خلال صفقات البترول المهرب كما كشفت عن ذلك تركيا  بعد اتهام الروس لها بالتعامل مع داعش .ولقد جمعت المصالح بين الروس والإيرانيين والقوى الغربية في بلاد الوطن العربي  المستباحة ، وتعيش الشعوب العربية اليوم حالة ذهول كبير أمام استباحة أراضيها من طرق قوى خارجية ، وقد خاب أملها في ربيعها الذي احترق قبل أن يزهر .

ع. بلبشير

2015-12-15 2015-12-15
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير