قراءة في المنجز التربوي للأستاذ محمد صلاح اللملومي-ثقافة العنف و اللاعنف اللفظي

40320 مشاهدة

عزيز باكوش : قراءة في المنجز التربوي للأستاذ محمد صلاح اللملومي ” “ثقافة العنف و اللاعنف اللفظي في معاملة الأطفال في المجتمع التونسي – مشاهد و بدائل-

أصدر الأستاذ محمد صالح اللملومي الإطار التربوي والمتفقد للشباب والطفولة بتونس الشقيقة صيف هذه السنة كتابا موسوما ب”ثقافة العنف و اللاعنف اللفظي في معاملة الأطفال في المجتمع التونسي – مشاهد و بدائل- الإصدار المومأ إليه جاء في 179 صفحة من القطع المتوسط وهو الثالث ضمن الروبيرطوار الإبداعي للكاتب . وكان اللملومي قد نشر كتابين هما ” التبسيط في التنشيط” سنة 2006 و ” العلاقة التربوية ” سنة 2012. و ذ :اللملومي ليس دخيلا على مجال التربية والتعليم ، بل تشرب ثقافة التنشيط التربوي في طفولته و شبابه بنوادي الأطفال و دور الثقافة ودور الشباب والجمعيات الرياضية و الشبابية بتونس العاصمة والكاتب من مواليد سنة 1965، متخرّج من المعهد الأعلى للشباب ببئر الباي سنة 1990. شارك في تأطير الكثير من الملتقيات التكوينية الجهوية والوطنية في بيداغوجيا وتقنيات التنشيط ، كما ساهم فــي تسيير عدّة برامج وملتقيات للشّباب والطفولة، و قاد وفودا من الأطفال و الشباب و المنشّطين خارج تونس مثل ألمانيا وفرنسا و المغرب و كندا وسوريا . كما استفاد من تربّصات تكوينيــة في التربية و التنشيط و الإعلام الشبابي ضمن برامج التبادل مع الجزائر و فرنسا والمغرب.

كما يعد من مؤسسي مجلّة “إسهامات بيداغوجية ” التي فازت بجائزتين وطنيتيـــــن تونسيتين لأحسن دراسة تربوية سنتي 2002 و 2004 وهو عضو في اللجنة الوطنية البيداغوجية للشباب للفترة المتراوحة بين سنوات 2001 و2005. ويتضمن الإصدار ديباجة ومقدمة وسبعة فصول : ثقافة العنف – أثر العنف اللفظي على الأطفال – حتى لا نعرض أطفالنا لعنف لفظي مجاني – مشاهد من العنف اللفظي الموجّه للأطفال في المجتمع – بدائل عن العنف اللفظي الموجّه للأطفال في المجتمع – أنشطة تدريبية على خطاب اللاعنف مع خاتمة وقائمة بالمراجع

في ديباجة هذا المنجز التربوي الموسوم بثقافة العنف و اللاعنف اللفظي في معاملة الأطفال في المجتمع التونسي – مشاهد و بدائل – كتأصيل نظري نقرأ: عن حكاية طفل صغير وقف عند الشاطئ و هو ينظر إلى نجوم البحر التي تقذفها الأمواج الهائجة. وبعد ثوان من التأمّل سيقرّر الصبي بكل براءة الطفولة والمعنى الجري نحو كلّ نجمة ليعيدها إلى المحيط قبل أن تموت وكلّما أعاد واحدة إلى البحر، كلّما قذفت الأمواج بالعشرات منها . ولكنّ الطفل لم يكترث بذلك ، وراح يواصل نفس العمل . كان أحد الفلاسفة يتابع المشهد فقال له : يا بنيّ ، ألا ترى أنّ ملايين النجوم قد تناثرت على الشاطئ ؟ ألا ترى أنّ عملك هذا لن يغيّر من مصيرها شيئاً ؟ ابتسم الطفل و هو ينحني ليلتقط نجما آخر ليعيده إلى البحر ثم قال: لقد تغيّر على الأقلّ مصير نجم البحر هذا…أليس كذلك . ويعتمد الكاتب من خلال هذا الوصف تشبيه حال الأطفال اليوم في المجتمع التونسي بحال نجوم البحر هذه ، حيث تتقاذف أجسادها البريئة و نفسيّاتها الغضّة سياط ظاهرة العنف اللفظي الهادرة كالأمواج وهي من إفرازات المجتمع الراهن حيث ما فتئت تتعاظم وتتسارع ، و استشرت في كلّ مظاهر الحياة لدرجة أصبحت رديفا للحياة لارتباط الوثيق لهذا العنف بالطبيعة البشرية المتأثّرة بمختلف المغيّرات التاريخية والإيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية و غيرها …” ولتعزيز السياق التاريخي للظاهرة ، يورد المؤلف إقتران العنف عبر تاريخ الإنسانية في مجمله بالنزاعات بين الأمم والأفراد طيلة قرون و قرون. فلم تهدأ يوما الحروب و النّزاعات والعدوانيّة والاقتتال و التّباغض ، ويخلص إلى أن العنف حاضر في تاريخ البشريّة حضوراً يجعلنا نميل أحياناً إلى الاعتقاد بأنه متأصّل في قلب الإنسان نفسه إذ “حين يزدهر العنف تنبثق الدوافع بالأنانية ويضمحلّ المنطق السليم ” و كلّما كبرت مساحة العنف ، كلّما حمل تراكمات قديمة و مستحدثة و تناقضات سياسية واجتماعية تعمل على استهداف الإنسانية و لغة التسامح والأواصر الدينية الرّاسخة والفكر و الثقافة و الحضارة وتجرف في طريقها كل مسمّيات الفنّ و الأدب و العلم و التواصل” ويستدعي المؤلف أفكار وخلاصة تجارب عدد من كبار المفكرين والفلاسفة ليؤكد ” ارتكاز الحضارة أساسا على تقليص العنف ،فإذا كان العنف حاضرا في قلوب البشر و كأنّه قضاء محتوم ، ولدوا به و عاشوا عليه فإنّ الإنسان يعي في ذات الوقت لا إنسانية العنف و لا معقوليّته وعبثيّته ، إنّه يكتشف في إنسانيته لا عنفا يؤسّس لحياته و يشكّل بنيتها ، فثقافة اللاعنف هي تعبير عن إنسانية الإنسان”

ومادام السؤال جوهر القضية، وحيث من مهام الكاتب النبيلة تخصيب السؤال وكشف الحقيقة فإن السؤال هو : هل للمجتمع بكلّ مكوّناته الحقّ في البقاء صامتا عاجزا غير قادر على مواجهة استفحال هذا الأمر ؟ ولعل القارئ وهو يتوغل في أدغال المعنى ، سيتأكد حتما أن ما هدف إليه ذ اللملومي من خلال تأليف هذا الكتاب ليس هومجرد الكشف عن سياقات وأسباب تنامي ظاهرة العنف اللفظي في المجتمع التونسي ، بل في محاولته الجادة والمثمرة في أفق تقديم بدائل واقتراحات لمعالجة الظاهرة .

من هنا أهمية المؤلف ، ضمّنه كفاعل تربوي وأكاديمي مشاهد حقيقيّة من الواقع التربوي في تونس، حيث لم يكتف الكاتب بالرصد ، بل تجاوز ذلك ليقدّم جملة من البدائل العمليّة التي يرى أن من شأنها أن تسهم في جعل الخطاب الموجّه للطّفل يرى فيه خطابا ليّنا سليما مسهما في بناء الشخصية وفي بلورة التربية السليمة. ” وفي مقدمة الكتاب يروي ذ محمد صلاح اللملومي وقائع صدفة جمعته ذات يوم بأحد أصدقاء طفولته . حيث تجاذبا حديث الذكريات بحلوها واستحضر قائلا ” ما زلت أتذكّر صوت أمّي يلعلع في أذنيّ و هي تدعو عليّ بالعمى لأنّني فتحت بدافع حبّ الاطلاع باب الخزانة ذات الباب الخشبي المتهالك، فسقط بغتة كأس من كؤوس الشاي الفاخرة المعدّة للضيوف فتكسّر ، كانت عباراتها الجارحة تنهال عليّ كالسياط و أنا ابن الثامنة ، دعوات عليّ بكسر الأطراف وانتقام الجنّ ، كانت صرخاتها عالية يبلغ صداها مسامع الجيران و هي ترجو من الله أن يخلّصها منّي ومن مصائبي لأنّني حسب ظنّها منذ أن ولدت لم تر خيرا في حياتها … كان إخوتي الصغار خائفون مرتعشون مرعوبون من أن يلحقهم أذى سلسلة السب والشتائم، حدث كل ذلك من أجل كأس تكسّر… ” مرّت اليوم أربعون عاما على الحادثة و مثيلاتها كثر … يروي الكاتب بسرد ممتع ولذيذ فأربعة عقود لم تكن كافية لتمحو من ذاكرته تلك المواقف و كم كانت كثيرة ، بقيت جروحا لم تندمل بعد كلّ هذه السنوات الطويلة كلّما تذكر تفاصيلها المريرة إلّا و يقشعر بدنه من قسوتها ”

وفيما يشبه النضج الفكري والاعتدال المعرفي ، يخلص الكاتب إلى كرسي الاعتراف فيروي بحميمية مفرطة ” رغم أنّني اليوم بعد رحلة الحياة و النضج بتّ أعي و أدرك أن لا توجد أمّ في الدنيا تكره صغيرها أو تريد له الشرّ، و أن لا حنان يضاهي حنان الأبوين ،و أنّ كل ما قيل لنا في طفولتنا كان مجرّد سحابات و أمواج غضب عابر ، إلا أنّها مع ذلك فعلت فعلها في أمزجتنا و شخصياتنا، وظلت تفاصيلها كامنة في أنفسنا و كأنّ تلك الصور البائسة من طفولتنا قد حدثت بالأمس القريب…”

ويرى ذ اللملومي أن أغلب الأطفال في المجتمع التونسي شأنهم في ذلك شأن نظرائهم في مختلف المجتمعات العربيّة و الأجنبية الأخرى ،يتعرضون إلى عنف لفظي متزايد من يوم إلى آخر بشكل مخيف و نسق متسارع. وهو ما أصبح يهدّد جديا فرص عيش الناشئة في منظومة تربوية ناجعة تعدّ رجل الغد ضمن إطار من احترام الشخصية وسلامة التعامل و الخطاب.

و يستدل على ممارسة العنف اللفظي الموجّه للأطفال في سرد مواقف ومشاهد كثيرة يورد منها البعض منها ، وهي مشاهد نقلها من صميم الواقع المعاش في المجتمع التونسي بمختلف مكوّناته من أسر و شارع و مؤسسات و هياكل مختلفة .

ومن خلال قراءة متأملة للكتاب ، يتأكد أن المؤلف نجح تماما في تجسيد العنف اللفظي الذي يتعرّض إليه الأطفال في بيئته المعنية بالمقاربة والمتمثلة في كلمات جارحة و عبارات مهينة أو مستهزئة أو مهدّدة أو قاسية يستسهل أصحابها قولها معتقدين أن لا ضرر منها و أن لا مناص عنها في التربية ، في حين أن عواقبها وخيمة على النفس في المنظورين القريب و البعيد. لذلك ، إرتأى الكاتب في الجزء الثاني من الكتاب أن يقدّم البديل التربوي المتمثّل في اللاعنف كثقافة و كممارسة ، وذلك من خلال مجموعة من الأنشطة التطبيقيّة الموجّهة للكبار و الصّغار على حدّ السواء و التي من شأنها أن تسهم في بلورة وعي جماعي بضرورة التعامل مع الأطفال بخطاب خال من العنف ومفعم بالحبّ و الحنان و اللين و الصّبر و الاحترام.

ويأمل ذ اللملومي أن يسهم هذا الكتاب في الجهد المبذول ويرى أن من الواجب أن تشترك فيه مختلف الأطراف و المؤسسات و الهياكل ذات العلاقة بتربية الأطفال في سبيل إرساء منظومة تربوية سليمة و بنّاءة .”

وتؤكد مختلف المراجع والمصادر المعتمدة في البحث بما في ذلك القرآن الكريم أن الرغبة في نبذ العنف تبدو متأصّلة في الإنسان منذ الأزل عبر مختلف الأزمنة ، و ذلك بنفس تأصّل العنف في حدّ ذاته ، فالدعوات إلى حياة سلميّة قائمة على الاحترام والتعايش المشترك السليم ليست بالجديدة. المؤلف سيستشهد بما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى : وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (الآية 34، سورة فصلت). أمّا في العصر الحديث فالزعيم الهندي ” غاندي ” هو من قدَّم للغرب كلمةَ “لاعنف” بترجمته إلى الإنكليزية المصطلحَ السنسكريتي ahimsa الذي كان شائعاً في نصوص الأدب الهندوسي و الياني Jainiste ( ) و البوذي .ويتألف المصطلح من بادئة النفي a ومن الاسم himsa الذي يعني الرغبة في الأذى وفي القيام بالعنف بحق كائن حيّ فتصبح ثقافة اللاعنف عندها تطويعُ هذه الرغبة والسيطرةُ عليها وتحويلُها أي إرادة عدم إبعاد الآخر أو إقصائه أو إلغائه أو جَرحه.( ) كما بذلت منظمة اليونسكو جهودا كبيرة لإرساء ثقافة اللاعنف بين الشعوب ، فخلال الندوة الدولية حول ثقافةٍ للسلام والمنعقدة في مانيلاَّ في الفيلبين في نوفمبر 1995، قدَّمت المنظّمة عدةَ مقترحات تهدف إلى تعزيز ثقافةٍ للسلام من خلال التربية.

في الكتاب سيخصص المؤلف فصلا من 10 نصوص مقترحة للتماهي مع الظاهرة

1) لا يمكن لللاعنف أن يكون ثوباً نرتدي ونخلع كما نشاء. اللاعنف يسكن القلب، ويجب أن يكون جزءاً لا ينفصل عن كينونتنا. ” المهاتما غاندي ” 2) إنّ الاختبار الحقيقي لللاعنف يكمن في احتكاكه بمن يمقتونه.” ” المهاتما غاندي ” 3) اللاعنف سلاح قوي وعادل وهو يقطع دون أن يجرح ويجعل من الإنسان الذي يستخدمه نبيلاً “مارتن لوثر كنغ ”

4) العنف يؤذي هؤلاء الذين أوذوا من قبل ويبرّر وحشية الظالم بدلاً من أن يفضحها. “سيزار شافيز”

5) اللاعنف لا يعني لا عمل، ولا يعتبر نقاش، وهو ليس للخجول أو الضعيف… اللاعنف عمل جاد، فهو الرغبة في التضحية. وهو الصبر على الانتصار. “سيزار شافيز”

6) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (الآية 34، سورة فصلت)

7) إدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (الآية 96، سورة المؤمنون)

8) إن النجاحات العظيمة في مجال اللاعنف لم تأتي من أشخاص انتهجوا اللاعنف كغاية بحد ذاته، وإنما من أشخاص عملوا بجد وإخلاص من أجل تحرير أنفسهم من الظلم الاجتماعي. “ديڤ ديلينغر”

9) إصفح دائماً عن أعدائك، فلا يوجد أكثر من هذا إزعاجاً لهم. “أوسكار وايلد”

10) اللاعنف هو سلاح القوي. “المهاتما غاندي”

وبين دفتي الكتاب يقدم ذ اللملومي مقترَحين يوصيان بتجديد تعليم التاريخ، بحيث لا يعود العنفُ والحرب يَظهَران الوسيلتَينِ الوحيدتَين في حوزة البشر والشعوب للدفاع عن الحرية وبناء العدل، بل أن تنطوي ثقافةُ اللاعنف على بذل جهدٍ طويل منهجيٍّ وعقلاني شخصي و جماعي ، أي تنمية الملَكات النفسانية والروحية والفكرية التي تتيح للمجتمع تبنِّيَ مواقف لاعنفية في مختلف المواقف و الأماكن و الأزمنة من ناحية ، ومن ناحية ثانية العمل على تأسيس منظومة قيم تؤسِّس لاحترام حقوق الإنسان وتجسّها ضمن مؤسّسات تضمن هذا الاحترام أي في المحصّلة النهائيّة إيجاد جوّ فكريّ و روحيّ ملائم يشجّع ثقافةَ اللاعنف .”

2016-11-05 2016-11-05
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير