قبائل الريف وجبالة .. ملحمة المقاومة المسلحة

189768 مشاهدة
أحمد المريني

يبرز التواصل والتفاعل القوي بين قبائل شمال المغرب منذ فترة مبكرة؛ في مواجهة الاحتلال الإسباني والإبيري عموما. حدث ذلك منذ أواخر القرن الخامس عشر، خصوصا بعد سقوط غرناطة سنة 1492 ونهاية الوجود الإسلامي بالأندلس. فكان قرار الملكة إيزابيلا الكاثوليكية لغزو المسلمين المغاربة الكفار؛ والتغلغل حتى جبال الأطلس باعتبارها الحدود الطبيعية للدولة الاسبانية المسيحية. هذا التصور المعادي للمغرب ظل قائما، ليأخذ أبعادا أخرى بعد احتلال إيزابيلا مدينة مليلية سنة 1497 . إذ انطلقت لغزو شمال المغرب؛ لكن قبائل شمال المغرب قاوموا طيلة قرون الغزو الإسباني؛ لتعطيله على الغزو أو على الأقل تأخيره.

وقد تبنى موقف العداء عدد من المثقفين والسياسيين الإسبان في القرن التاسع عشر، ينتمون للتيار اليميني المتشدد. ومن أبرزهم ” كنوفاس ديلكاستيو”، الذي ألف كتابا يحمل عنوان ” معطيات حول تاريخ المغرب” يعتبر فيه أن الحدود الطبيعية لإسبانيا هي جبال الأطلس، ويدعو إلى تعزيز دور الدين المسيحي كمرجعية للممارسة السياسية بهدف ترسيخ عظمة اسبانيا.. وقد تأثر به العديد من المفكرين والمثقفين والسياسيين الإسبان في فترات لاحقة؛ كما يؤكد الباحث والجامعي خوسي ” أنتونيو بيكيراس” في كتابه “كانوفس واليمين الإسباني”.

لكن المؤرخ” أنتونيو تورسياس بيلاسكو” والخبير في المجال العسكري؛ يقر في كتابه “مواجهة بين حضارتين” ، بصعوبة التغلغل في المغرب بحكم المقاومة الشرسة لسكانه شمالا وخاصة الريف. ويقدم الكتاب المذكور محطات عديدة من المواجهة العسكرية ومعارك كثيرة شمال البلاد . عرقلت التغلغل الاسباني في فترة لاحقة من الاستعمار الاسباني لسبتة ومليلية.

وتشير المصادر التاريخية المغربية والأجنبية، أن احتلال المغرب عسكريا تطلب من المستعمر الفرنسي والإسباني اثنان وعشرون سنة من الجهد العسكري الكبير؛ من 1912الى 1934 ، لضراوة المقاومة المسلحة التي اندلعت في مختلف مناطق المغرب، حيث تميزت بحسن تنظيمها. رغم استعمالها لوسائل وأسلحة تقليدية بسيطة؛ وارتفاع الروح القتالية للقبائل والتفافها حول زعماء المقاومة. وعملت السلطات الاستعمارية على ضرب هذه الوحدة؛ بخلق التفرقة بين القبائل شمال المغرب..

وقد حاولت المقاومة المسلحة في شمال المغرب جلب التأييد العالمي للثورة؛ عبر إرسال بعثتين إلى فرنسا وإنجلترا في سنة 1923. لكنها لم تفلح، في بسبب النظرة الأوربية الاحتقارية للأقطار المستعمرة. ومن ثم اتجهت المقاومة إلى توحيد صفوف القبائل في شمال المغرب، وتبنت القبائل الريفية الثماني عشر نظامها الخاص ؛ كما ضمت إليها قبائل أخرى.1 كاستراتيجية وأولوية لتقوية الجبهة الداخلية في شمال المغرب للتصدي للمستعمر الإسباني رغم عدم التكافؤ في مجال القوى والعتاد.

ولم تتم عملية الوحدة بين القبائل الريفية والجبلية ببساطة، فقد وجدت عراقيل حتى داخل قبيلة بني ورياغل وقبائل ورغة؛ حين اصطدم محمد بن عبد الكريم بزعيمها عمر اجمد، واستمرت المناوشات حتى كادت تؤدي إلى الفتنة، لكنه استطاع أن يذلل المصاعب بين زعماء بني ورياغل وابقيوة، و بني عمارت و تاركيست.2 مما خلق نوعا من التماسك بين القبائل ودفعها للانخراط في أعمال المقاومة المسلحة، سرعان ما تطورت وامتدت إلى قبائل أخرى في غرب شمال المغرب إلى أن وصل مدينة تطوان.

وتنقل الباحثة الإسبانية ” ماريا روسا مادرياغا” في كتابها ” محمد بن عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال” ما أورده ” الملازم سانث” الذي يحكي أثناء سجنه في قبيلة بني بوغفار في 30 يوليو من سنة 1921، طابع الحماس الذي عرفه سكان قبائل الريف، حين جعلهم يلتزمون بتنفيذ أوامره. ومضامين رسائل الزعيم التي نقلت استعداد قبائل تطوان والعرائش وسبتة للقيام بما أنجزه أخوه في قليعة.3

وفي ذات السياق يكتب ” العربي اللوه ” شهادات حية في كتابه ” المنهال في كفاح ابطال الشمال” . حول وفد من القبائل الجبلية بني مصور وجبل الحبيب وواد راس وبني يدر؛ توجه لشفشاون لمقابلة أخ الزعيم. فاجتمع معهم وفد من الشرفاء والفقهاء والشيوخ للتعبير عن التأييد لأبطال المقاومة؛ في نضالهم ضد المستعمر الإسباني. 4

ونتيجة هذا التحالف بين القبائل الجبلية والريفية، كان الاستعمار الإسباني في الشمال يتقدم بصعوبة لاكتساح الأراضي المغربية. لكنهم لم يقتحموا تطوان إلا في فبراير 1913؛ وظل وجودهم محصورا داخل أسوار المدنية لمدة، ولم يستطيعوا الوصول إلى فندق ” العين الجديدة ” على الطريق بين تطوان وطنجة؛ الذي يبعد عن تطوان ب25 كلم . إلا في سنة 1919 بعد سبع سنوات من فرض الحماية اسميا؛ على منطقة نفوذهم في شمال المغرب.

ويعود الفضل في ذلك إلى مناعة المقاومة، وإلى زعيم الثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي تميز بنمط جديد من السلوك في تدبير العلاقة مع المحيط، محترما الميكانزمات المعهودة التي تضبط العلاقات بين الأفراد والمجموعات. فحينما يقبل انضمام قبيلة من القبائل لصفه، يحترم زعامتها المحلية ويزكيها في مركزها القيادي… 5

وتعد قبيلة غمارة من الروافد الأولى من قبائل جبالة التي انصهرت في نسيج الثورة. وقد حدث ذلك على مرتين الأولى سنة 1921 وانتهت في ظروف مضطربة، ومرحلة ثانية حينما استقرت الثورة نهائيا في الجبهة الغربية، فامتدت رقعة العمليات حتى الشاون ومشارف تطوان، حيث كانت منطقة جبالة برمتها تحت لواء الثورة. وهذه تجربة تستحق أكثر من وقفة يقول الكاتب والباحث ” محمد العربي المساري”. 6

ويضيف العربي اللوه صاحب كتاب المنهال في كفاح ابطال الشمال ، ما دار من حوار مع ” امحمد الخطابي” وأخيه ” عبد الكريم اللوه” ؛ والدور الذي يقوم به في إغراء قبائل جبالة وتحريض رجالها على توحيد الصف والنضال ضد المستعمر، مؤكدا أن أبطال المنطقة عرفوا عموما بشجاعتهم وتمرنهم على الكفاح والنضال وصبرهم على تحمل الشدائد، وأقصى المصائب وأفدح الأزمات. مضيفا أن أبطال المقاومة أنشأوا الثورة ضد الاستعمار وبذروها في جميع أنحاء العالم رغم عوزهم وفقره ، وفقدهم لجميع الامكانيات. 7..

واشتهرت القبائل الريفية في تلك الفترة بالتطاحن الداخلي، حيث استمر في الخيال الشعبي في شمال المغرب محكيا بين الأجيال. وقد نجح محمد بن عبد الكريم الخطابي في تحويل الانقسام والتناحر عبر دعاية نشيطة من أجل الوحدة داخل قبيلته و القبائل المجاورة عن طريق اللجوء إلى سياسة التعبئة والتحشيد في المداشر والأسواق مباشرة. وعن طريق دعوة القبائل لنسيان الأحقاد وتنبيهها والتوجه لمواجهة إسبانيا، التي تسعى الدوس على ديانتهم واستباحة أملاكهم وانتهاك حرمات عائلاتهم. 8

وقد تواصلت المقاومة المسلحة في منطقتي جبالة والريف بقيادة رؤساء آخرين، من أبرزهم أحمد بن محمد الخريرو الذي ينتمي لقبيلة بني حزمار في جبالة. فرغم استسلام ابن عبد الكريم للفرنسيين في 27 مايو 1926 . انخرط الخريرو منذ البداية ضمن مقاتلي أحمد الريسوني. لكن في سنة 1923 ابتعد عنه. وشارك بقوة في انتفاضة قبائل جبالة وغمارة حيت تقوت علاقته بابن عبد الكريم منذ سنة 1924. وكان الخريرو من ألقى القبض على الريسوني في تازروت يناير من سنة 1925، وواصل القتال إلى أن اغتاله الإسبان في أرض المعركة بقبلية بني يدر بجبالة يوم الثالث من نوفمبر سنة 1926.

هذا التحالف القوي بين قبائل الريف وجبالة، حدث رغم أن عبد الكريم الخطابي لم يتمتع في الريف في بداية المقاومة سوى بنفوذ منازع فيه داخل قبيلتين أو ثلاث قبائل؛ تدير أمورها على شكل منفصل عن الأخرى. هذا في الوقت الذي كان فيه الريسوني يحكم قبضته على جل القبائل التي تتكون منها مجموعة جبالة الكبرى، لذلك شكل في حد ذاته قوة حقيقية عسكرية وسياسية على حد سواء..

وقد كان قبول الريسوني لسياسة الهدنة والمفاوضات من جديد، مثارا للخلاف ما بينه وبين محمد بن عبد الكريم. مع الاشارة إلى أن جل القبائل الجبلية وزعمائها ، انضموا تباعا خلال هذه الحقبة للزعيم الريفي، مما يشرح عزلة حركة أحمد الريسوني وسهولة القضاء عليها، أمام قوات محمد بن عبد الكريم في أوائل سنة 1925. وعلى إثر ذلك نقل الريسوني إلى قرية تامسنت بقبيلة بني ورياغل، وبقي هناك إلى وفاته في الثالث من أبريل 1925.

وعلى سبيل الختم ، يعترف المؤرخون الأجانب والإسبان خصوصا؛ أن التحام المقاومة في شمال المغرب، بين قبائل جبالة والريف اعتبرت امتحانا عسيرا للقوى الاستعمارية الفرنسية والإسبانية. حيث واجهت حركة من نوع جديد؛ ذات تنظيم محكم واستراتيجية محددة توجد على رأسها شخصية قوية ذات تأثير. توفقت في مختلف مراحل الكفاح بين المواجهة العسكرية والتحرك السياسي التكتيكي . وهذه الخصائص التي تميزت بها المقاومة في شمال المغرب أثرت في غيرها من الحركات التحررية في العالم…9

وعلى امتداد تاريخ المقاومة المسلحة، تبرز العلاقة الوطيدة بين قبائل جبالة والريف في صد العدوان الإسباني؛ قبل وبعد توقيع الحماية على المغرب . وقد تشكلت صورة من التواصل والتفاعل والتشارك بين قبائل شمال المغرب التي بصمت في أكثر من موقعة حربية ولقنت دروسا للمستعمر ، جعلت العالم الغربي يتحالف ضدها للقضاء عليها، وهكذا اجتمعت فرنسا وألمانيا وإسبانيا.. وتصدت للمقاومة المسلحة في شمال المغرب..

1- حرب الريف التحريرية و مراحل و مراحل النضال البوعياشي أحمد ج1

2- حرب الغازات السامة، روبيرت كونز–رولف ديبيتير مولير: – ترجمة : عبد العالي المراني

3 -محمد بن عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال ، ماريا روسا دي مادارياغا ترجمة محمد أونيا وعبد المجيد عزوزي وعبد الحميد الرايس، هذا الكتاب الكتاب يضم 632 صفحة ويشمل عشرة فصول وملحق الوثائق والصور.

4- المنهال في كفاح ابطال الشمال العربي اللوه تطوان في 1982

5 -عبد الكريم الخطابي من القبيلة إلى القرية محمد العربي المساري

6 -عبد الكريم الخطابي من القبيلة إلى القرية محمد العربي المساري

7- المنهال في كفاح ابطال الشمال العربي اللوه تطوان في 1982

8- محمد بن عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال، للمؤلفة ماريا روسا ذي مادارياﯖا

9- المقاومة الريفية محمد خرشيش سلسلة شراع العدد 22

ع. بلبشير

2017-04-01 2017-04-01
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير