“حزب الله” .. الحقيقة التي أخفتها أكذوبة المقاومة

437690 مشاهدة

“حزب الله” .. الحقيقة التي أخفتها أكذوبة “المقاومة

الحسن أبـكاس

اتفق العرب –وقلما يتفقوا- على اعتبار حزب الله منظمة ارهابية. لماذا؟ أليس يتعلق الأمر بحزب داخل الدولة؟ فلم لا تسأل الدولة؟ هل الحزب دولة داخل الدولة؟ ما علاقة الحزب بالدولة اللبنانية وبالمحيط؟ من أين يستمد الحزب قوته؟ ما علاقته بقوة الممانعة والمقاومة؟؟؟ أسئلة وغيرها سأحاول بسط اجابات نسبية عنها.

إن دواعي الخوض في هذه المعضلة أو الظاهرة (ظاهرة “حزب الله” بين قوسين) تتأسس في مجملها على عنصرين أساسيين يؤطرانها: يتمثل أولهما في طبيعة المرحلة التي يجتازها المجتمع الدولي من جهة، وثانيهما موقع في حزب الله اللبناني، ومن وراءه النظام السياسي في طهران عبر دمشق –من قبل ومباشرة اليوم– داخل هذه المنظومة من الجهة الأخرى. وذلك قصد تنبيه الغافلين عن حقيقة حزب الله اللبناني وعن حاله ودوافعه وأسس عقيدته وماضيه الدموي المجهول، أسوة بأولئك الذين أبهرتهم الثورة الإيرانية في بدايتها قبل وقوفهم على الحقيقة المرة التي ترجمتها رغبة “آية الله” الخميني في إرساء دعائم دولة شيعية طائفية إمامية غايتها نشر التشيع في البلاد الإسلامية. ومن ثم إبراز حقيقة المد الصفوي الشيعي في المنطقة العربية الإسلامية السنية المذهب باسم “المقاومة الزائفة”!!

وهنا يحق لنا أن نتساءل عن تاريخ هذا “الحزب المعجزة” من حيث النشأة والتطور، فهو الذي ولد مرتين: الثانية، ولادة سياسية كانت سنة 1985م، لكن قبلها كانت الولادة الأولى الفعلية سنة 1982م. فحزب الله اللبناني خرج من رحم حركة “أمل” الشيعية، قبل أن تغير اسمها بالشكل الذي يضمن لها توسعاً أكبر، نحو مسمى آخر، وهو حركة “أمل الإسلامية”. ذلك أن الماضي الدموي للحركة في مراحل تكونها الأولى فرض إنشاء إطار جديد (وهو حزب الله) قصد مداراة ما يمكن مداراته من الضلوع الفاضح في مجازر صبرا وشـاتيلا.

وتأسست الحركة على يد السيد موسى الصدر، وهو إيراني الجنسية، إمـامي العقيدة، ومن مواليد سنة 1928م، تلقى تعليمه بإيران، ومن جامعة طهران تخرج قبل أن يلتحق بلبنان سنة 1958م، ليتجنس بجنسيته، وهو الذي تربطه علاقة قرابة ومصاهرة مع قائد الثورة الإيرانية ومرشدها (الخميني).

فبمجرد دخوله الأراضي اللبنانية واستقراره عليها، أسس النواة الأولى لحركة “أمل” الشيعية في الجنوب، ومن بعدها في البقاع ثم بيروت، فصار بذلك ظل الثورة الخمينية في لبنان، وسفير النصيريين داخله، حيث تآمر مع الموارنة والنظام السياسي اللبناني على الحركة الوطنية الفلسطينية (منظمة التحرير)، ثم دخل في تفاهم مع الكيان الإسرائيلي للقضاء على كل جيوب المقاومة الفلسطينية، فكان أن تزعم “الصدر” أعمال الذبح والتقتيل والتنكيل بسكان مخيمات صبرا وشـاتيلا، حيث خلفت تلك الأعمال العدوانية ما يناهز 80% من البيوت المهدمة، و3100 شخص ما بين قتيل وجريح، وتهجير أكثر من 40% مما تبقى من ساكني المخيمات (حوالي 15000 مهجر).

وفي هذا الصدد كتب المفكر التونسي، توفيق المديني، قائلا: “إن البرنامج الضمني لحركة “أمل” هو القضاء على الوجود الفلسطيني المسلّح؛ باعتباره يشكّل تهديداً رئيسياً لأمن المجتمع الشيعي ويعطي مبرّراً لإسرائيل للقيام بهجماتها على قرى الجنوب اللبناني”. أما السيد حيدر الدايخ، وهو أحد قيادات الحركة، فقد نطقها صراحة عندما قال: “كنا نحمل السلاح في وجه إسرائيل ولكن إسرائيل فتحت ذراعيها لنا وأحبت مساعدتنا. لقد ساعدتنا على اقتلاع الإرهاب الفلسطيني الوهابي من الجنوب”.

وقد نجح الحزب نفسه بشتى الوسائل من بسط نفوذه على كل جنوب لبنان وفرض ذاته عقب هذا النجاح بعد الصراع المرير الذي كان خاضه مع الحركة التي انبثق منها (أمل). وهو بصفته هذه، غدا فتنة شديدة على أبناء السنة والجماعة في العالم: فظاهره فيه “الجهاد” في سبيل الله ضد اليهود والنصارى، وباطنه فيه التسويق للمذهب الشيعي الاثنى عشري، بما يتطلبه من تصدير للثورة الخمينية الإيرانية نحو باقي العالم الإسلامي.

وكان “حسن نصر الله (الأمين العام الحالي للحزب) والملقب بـــ”خميني العرب” تقلد مراكز قيادية في الحزب قبل أن يتربع على عرش القيادة منذ سنة 1992م، مباشرة بعد اغتيال الامين العام المؤسس (عباس الموسوي)، حيث عايش خروج الحزب من رحم حركة “أمل” التي كان أحد الناشطين داخلها، قبل أن يغادرها نحو الوليد الجديد كمسؤول فيه عن منطقة بيروت سنة 1985م، ثم عضواً في قيادته المركزية وهيئته التنفيذية سنة 1987م. وهو شيعي جعفري يتخذ من لعن الصحابة وشتمهم(والعياذ بالله) قرباناً يتقرب بهما إلى الله سبحانه وتعالى.

ومن أهم الأسس التي تتأسس عليها عقيدة أتباع الإمامية الاثني عشرية، ومنهم مؤسسي وأتباع حزب الله اللبناني. يمكن الوقوف على عنصر غلوهم في “حب” الأئمة، على اعتبار أن هؤلاء الأئمة من آل البيت معصومون من الخطأ والزلل، ويعلمون الغيب، بل وهم على بينة من أمور موتهم عن طواعية ورغبة منهم، ورفعوهم مقاماً علياً فوق مقام النبوة والصديقية باستثناء مقامه صلى الله عليه وسلم. فهم –وفقاً للعقيدة ذاتها- يملكون إحياء الموتى، والأدهى أن الصفات الإلهية قالوا باتصاف الخليفة الراشدي الرابع (على ابن أبي طالب كرم الله وجهه) بها: فجعلوه مفجر الأنهار، ومورق الأشجار، والعليم بذات الصدور…والعياذ بالله.

ومن أسس هذه العقيدة أيضا، قولهم بأن القرآن الكريم الذي اليوم بين أيدينا ناله التحريف من لدن الصحابة بعد وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ولم تعرف البشرية قرآنا في نسخته الكاملة غير تلك التي جمعها علي ابن أبي طالب على حد زعمهم، وهي النسخة الوحيدة التي يحتفظ بها صاحب العصر والزمان (مهدي الشيعة)، وليست متاحة لعموم الناس قبل ظهور الإمام المنتظر.

فهذا أحد أقطاب العقيدة الشيعية، وأحد المحدثين الإماميين المعتبرين، وصاحب أهم الكتب الشيعية(الأنوار النعمانية) الشيخ نعمة الله الجزائري، يقول: “روي في الأخبار أنهم عليهم السلام (الأئمة) أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها، والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين فيقرأ ويعمل بأحكامه”.

أما أساس العقيدة الاثني عشرية الثالث فيتمثل في الاعتقاد بعصمة الأئمة الاثني عشر من آل البيت، ووجوب القول بكفر من خالفهم، وفي مقدمة هؤلاء المخالفين أبو بكر وعمر وعثمان، الذين –حسب زعمهم- اغتصبوا الخلافة من مستحقها (علي ابن ابي طالب). وفي هذا الصدد يقول عميد محدثيهم “المجلسي” في كتابه “بحار الأنوار”:”لا تقبل الأعمال إلا بالولاية”.

ومن الأسس كذلك، القول بردة الخلفاء الراشدين الثلاثة، ومن يسير في فلكهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، والتقرب بلعنهم ومعهم عائشة بنت ابي بكر وحفصة بنت عمر (زوجي رسول الله) إلى الله تعالى، بل إنهم اتهموا ام المؤمنين عائشة بالفاحشة، وهي التي برأها الله من فوق سبع سماوات في حادثة “الافك”، بل أبعد من ذلك قالوا بأنهما (عائشة وحفصة) من قتلتا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وخامس أسس العقيدة التي قامت عليها العقيدة الإمامية، تكفير كل الطوائف الإسلامية غير الشيعية، بل إن من أتباع الطائفة ومنظريها، من كفر حتى أولئك الشيعة الغير إماميين، وشبههم بالنصارى(محمد الشيرازي). فالشيخ المفيد، وهو من المراجع العظام لدى الإمامية يقول في هذا الصدد: “من أنكر إمامة أحد الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار”

ولا يمكن الوقوف عند العقائد التي تحكم سلوك حزب الله اللبناني دون معالجة النظرية المرجعية للشيعة (أو لغالبيتهم على الأقل)، وهي نظرية “ولاية الفقيه” ومدى انقياد حزب الله اللبناني في أعماله وأقواله ومبادئه بما جاءت به من مقتضيات.

فولاية الفقيه ما هي إلا عقيدة دينية ابتدعها الخميني، وبدعة سياسية شيعية، وتعني أن الأحق بالزعامة ورئاسة الدولة، نيابة عن الإمام المعصوم الغائب، هو الفقيه الديني على الأمة بصفته المرشد والمرجع الأعلى في كل القضايا الدينية والدنيوية.

فقد كتب الخميني نفسه قائلاً: “فالفقهاء اليوم هم الحجة على الناس كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم حجّة عليهم، وكل من يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك”. ولقوله يضيف المرجع اللبناني الشيعي الأعلى (محمد حسين فضل الله) قوله: “رأي الفقيه هو الرأي الذي يعطي للأشياء شرعية بصفته نائباً عن الإمام، والإمام هو نائب النبي صلى الله عليه وسلم”.

وعن الجهة الداعمة لحزب الله اللبناني، يمكن الوقوف، وبالأرقام، عند حجم المدفوعات الإيرانية لفائدة الحزب، حيث ارتفعت هذه المبالغ من ثلاثة ملايين ونصف المليون دولار سنة 1990م، إلى خمسين مليون دولار سنة 1991م، فمائة وعشرون مليون دولار سنة 1992م، لتبلغ سنة 1996م المائة وستون مليون دولار، قبل أن ترتفع صاروخياً في عهد رفسنجاني إلى حدود المائتين والثمانين مليون دولار، وأضعافها مع خاتمي ومن بعده أحمدي نجاد، قبل أن بلغ الكرم مداه مع الأزمة السورية التي يحارب فيها الحزب بالوكالة.

إن هذا الدعم المالي الخيالي لم يكن يوماً مجانياً، بل تٌرجى من وراءه خدمة أجندة إيرانية في المنطقة وفي باقي العالم الإسلامي من لبنان، عن طريق مساعدة الحزب على تلميع صورته في مواجهة الغير، ومن ثم انتزاع ود الناس وعطفهم من السنة كما الشيعة المخالفين. وما تعهد إيران بالتدخل لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية فوق الأراضي اللبنانية، بسبب العدوان الانتقامي السافر جراء إقدام حزب الله على أسر الجنديين الإسرائيليين، إلا صورة من صور تسويق صورة الحزب اجتماعياً ولأهداف سياسية.

و من أجل سبر أغوار حقيقة حزب الله اللبناني، لا بد من تخطي الإطار اللبناني لإبراز امتدادات الحزب فكراً وعقيدة ونشاطاً في المنطقة، والتوقف عند علاقات التأثير والتأثر بين حزب الله وغيره من الأحزاب والحركات ذوي التوجه العقدي ذاته، خاصة في كل من البحرين والسعودية فالكويت وأخيراً اليمن.

في البحرين

بالنسبة لحزب الله البحريني، والذي انبثق عن حركة الشيعي “هادي المدرسي” التي أطلق عليها اسم الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين”، والتي اتخذت طهران مأوى لها، فلم يخرج عن الأهداف الأولى للحركة الأم (الجبهة)، من إسقاط لحكم آل خليفة، إلى العمل على تشييع أسس النظام السياسي في البحرين، وصولا إلى نأي البحرين عن عالمها الخليجي نحو الارتباط بالحكومة الإيرانية وبنظام الولي الفقيه بطهران.

فالجبهة لم تتوانى يوماً عن إثارة القلاقل داخل البحرين، وتأجيج المعارضة الشيعية بمدها بالمال والسلاح، وزرع الفتن، واستهداف النظام والمؤسسات والمنشآت، وكل ذلك بدعم وإشراف من أجهزة التخابر الإيرانية.

وفي مرحلة لاحقة، تم إنشاء الجناح العسكري للجبهة تحت مسمى “حزب الله-البحرين” بزعامة عبد الأمير الجمري ومن بعده علي سلمان، حيث تم مباشرة بعد الإنشاء، تجنيد ما يناهز الثلاثة آلاف شيعي بحريني سبق تدريبهم في إيران ومعسكرات حزب الله اللبناني، قبل إطلاقهم للعمل المسلح ضد الدولة والنظام مدعومين بتغطية إعلامية من إيران تدعو إلى التمرد على الدولة والطعن في شرعية نظامها وقراراته، لا لشيء إلا لقلب النظام وتحويل البحرين إلى دولة صفوية شيعية. فالبحرين -في نظرهم- كما صرح بذلك المرجع الشيعي “آية الله” روحاني”تابعة لإيران، بل هي جزء من الجمهورية الإيرانية”.

وقد أشار الكاتب إلى أن حجم الخسائر التي ولدتها أنشطة الحزب ضد الدولة والمنشآت ما يناهز الخمس عشرة مليار دولار (وبالضبط 15.224.658 دولار/دون الأخذ بعين الاعتبار حجم الخسائر الفادحة في الأموال والأنفس عن أحداث البحرين – أحداث دوار اللؤلؤة 2011-2012.

وفي تخطيط ذي صلة، اكتشفت الحكومة البحرينية سنة 2006م المخطط الذي عزمت إيران تنفيذه داخل البحرين على المديين المتوسط والبعيد، بتسخير أتباع الحزب والمتعاطفين معه في شراء أكبر قدر من الأراضي في مختلف مناطق الدولة قصد إعادة تغيير التركيبة السكانية وإعادة توزيع الساكنة الشيعية داخل البحرين.

ومن باب العمل الجماعي لخدمة أهداف مشتركة، تعهد حسن نصر الله (أمين عام حزب الله-لبنان) بدعم القوى الشعبية البحرينية لمواصلة المشروع الذي يريدون الوصول إليه والعمل من أجله، باختلاف السبل ووحدة الهدف، على غرار العمل على تقوية الذراع الاقتصادي للشيعة البحرينيين ودفعهم إلى الإمساك بدواليب الاقتصاد البحريني وإقامة شراكات، واحتكار المواد الأساسية بدعم من طهران.

وأيضاً محاولات إيران – بشكل مباشر أو غير مباشر- النزول بكل ثقلها على العمليات الانتخابية البحرينية لغاية التأثير في الخارطة السياسية، وبالشكل الذي من شأنه ضمان تبوؤ الشيعة مكانة متقدمة في مراكز التشريع والتقرير، ومن ثم إفراز ترسانة قانونية وتنظيمية تخدم الطائفة الشيعية البحرينية في المنظور القريب، وتقوي النفوذ الصفوي الإيراني الفارسي على البحرين فمنطقة الخليج العربية وصولاً إلى مجموع العالم الإسلامي في المنظور البعيد.

في المملكة العربية السعودية

إن التحريض الشيعي الإيراني ضد الدولة السعودية انطلق مباشرة بعد “نجاح” الثورة الإيرانية، وذلك بقيام ما سمي حينها بثورة الشيعة في منطقة القطيف، حيث تكونت منظمة تبنت تلك الثورة من إيران لتنتقل فيما بعد إلى سوريا قبل أن تستقر بشكل نهائي في لندن، وهي المنظمة التي اختارت لها كإسم “منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية” في البداية قبل أن يتم تلطيف الاسم ليصبح “منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية” سنة (1990-1991م) بقيادة الشيخ الشيعي حسن الصفار.

ومن جملة أهداف المنظمة يمكن إيراد: التسويق للثورة الخمينية في منطقة الجزيرة العربية ثم في العالم، و”تحرير” السعودية من قبضة الحكم “السني الوهابي” لفائدة نظام شيعي اثنى عشري يأتمر بأوامر الولي الفقيه من طهران. حيث كانت الحركة، ومن أجل تلك الغايات، تتبنى العمل المسلح بدعم من إيران، وبتعاون مع العديد من المنظمات الغربية المعادية، والعاملة على الانتقام من النظام الإسلامي السني، وخلخلة الأمن، وإثارة الفتن والقلاقل داخل السعودية.

وفي مرحلة لاحقة من نشاطها، عملت المنظمة على خلق وإنشاء تنظيمات فرعية أرادتها ذراعاً يمنى لها للنيل من النظام السعودي ومن معتقده السني، عن طريق مراقبة حقوق الإنسان وإعداد تقارير زائفة عن خروقات وهمية لغرض حشد الدعم الغربي ضد النظام السعودي، والقول بعنصريته في مواجهة الأقلية الشيعية.

ولم تستطع الحركة، ومن باب طغيان “التقية” السياسية والدينية على فكرها ونشاطها، أن تفي بالتزاماتها المتفق عليها مع الدولة السعودية سنة 1993- 1994م، بخصوص تجميد أنشطتها في الخارج كما الداخل، والانخراط في المجتمع السعودي والنضال من داخله بعيداً عن أية اعتبارات طائفية، وذلك بسبب الضغط الذي تتلقاه من مصادر تمويلها الإيرانية. حيث ما لبثت أن استأنفت تهديداتها بالعودة إلى لغة الفتنة وأسلوب القلاقل على غرار ما كانت مكة مسرحاً له في حج 1407هـ.

ولم تخرج المنظمة عن الخط التطوري الذي مرت منه نظيراتها بلبنان والبحرين، بل أخلصت لذلك الخط، فأوجدت لها هي الأخرى جناحاً عسكرياً سنة 1987م، تولاه الوليد الجديد المسمى “حزب الله-الحجاز” للاضطلاع بالعمل المسلح ضد السعودية ومصالحها في الداخل والخارج، وباستقواء من المخابرات والحرس الثوري الإيرانيين؛ فتم تجنيد بعض العناصر الشيعية السعودية الذين كانوا تلقوا مبادئ العقيدة الإمامية في حوزات “قم” الإيرانية.

وقد كلل الحزب نشاطه بإشعال الفتن في موسم حج 1407هـ، قبل أن يتم كشف المخطط الذي يستهدف قتل الحجاج، وتدمير المنشآت العامة، وإثارة الفوضى داخل الحرم والأماكن المقدسة، بل وصل به الحد، وبتنسيق مع حزب الله-الكويت، إلى إطلاق الغازات السامة داخل أحد أنفاق مكة (نفق المعيصم)، وهو الحادث الذي خلف العديد من القتلى، وتلته العديد من العمليات الأخرى بأماكن متفرقة (تفجير الخُبر…)، وبدعم من إيران المساند المادي والتكتيكي واللوجيستي للحزب.

في الكويــــت

لم تسلم الكويت هي الأخرى من هذا المد الشيعي، حيث تغلغلت إيران بكل ما أوتيت من قوة، سندها في ذلك كان هو الطائفة الشيعية التي لم تتوان في الاستقواء بطهران في مواجهة الحكومات المحلية. فكانت الانطلاقة في بداية الثمانينات عندما رأى النور حزب الله-الكويت تحت مسميات تمويهية عديدة، تكتلت في إطاره تلك الطائفة التي تلقت بعض عناصرها دروساً وتدريبات في حوزات وقواعد إيران.

ولم ينفرد الحزب بأهداف خاصة، بل لازم نفس الأهداف التي تبناها نظراؤه في الدول المجاورة كالسعي إلى إثارة الفتن، وإسقاط حكم “آل الصباح” وإيجاد نظام شيعي بديل عنه، وتعبيد الطريق أمام النفوذ الإيراني في المنطقة، وغيرها من الأهداف التي عمل الحزب جاداً على الوصول إليها بالمحاولات الانقلابية التي لم يحالفها الحظ يوماً، ناهيك عن العديد من التفجيرات التي استهدفت عديداً من المواقع والمنشآت وحتى التمثيليات الأجنبية بالكويت (سفارتي فرنسا وأمريكا)، وعن محاولات خطف الطائرات التي قاد إحداها القائد العسكري في حزب الله اللبناني (المغتال عماد مغنية).

ووحدة الهدف والوسيلة بين تلك الأحزاب إن دل على شيء فإنما يدل على وحدة مركز التخطيط والتدبير (إيران). وتأكد ذلك أيضاً في المحاولات الرامية إلى الاستيلاء على الحقلين الاقتصادي والسياسي (الائتلاف الإسلامي الوطني)بنفس الأسلوب ونفس الوتيرة(احتكار اقتصادي-انتخابات…)، على ضوء التقية السياسية في مهادنة السلطة السياسية في الظاهر، وطعنها في الباطن بما يخدم الأجندة الإيرانية البعيدة المدى.

ويبقى التحدي الصعب اليوم أمام سلطات الكويت السنية يتمثل في كيفية الحيلولة دون الوقوع أسيرة هذه المخططات، خاصة وأن الوضع في العراق يفتح الباب على مصراعيه أمام إيران عن طريق ممثليها في الجنوب العراقي(السيستاني، والحكيم، والصدر وغيرهم)، وبواسطة أجهزتها الاستخباراتية التي تصول وتجول في العراق طولا وعرضاً، مما يطرح تخوفاً من تسرب تلك العناصر ومعها الأسلحة وإقامة معسكرات التدريب على الحدود العراقية الكويتية، ومن ثم تهديد الوجود الكويتي في أصله.

في اليمـــن

ودائماً في المنطقة، وفي إطار مواصلة الحديث عن حقيقة حزب الله اللبناني لا بد من الوقوف عند امتداده نحو جنوب الجزيرة العربية، وبالضبط في اليمن، الذي سخرت فيه إيران إحدى الطوائف (الزيدية) بالتغرير بعناصرها للانضمام إلى حزب الله-اليمن (الذي سيعرف فيما بعد باسم تنظيم “الشباب المؤمن” بزعامة بدر الدين الحوثي، ومن بعده خلفه حسين بدر الدين الحوثي.

ومن جملة أهداف التنظيم السهر على الاختراق الشيعي الاثنى عشري للمجتمع اليمني السني، وتوفير الظروف للمد الإيراني في خليج عدن قصد استكمال بناء دولة الهلال الشيعي، ومن هنا جاءت أسباب الدعم اللامشروط الذي يتلقاه الحزب من طهران فكريا وماديا وعسكريا، في صورة تدريبات وتكوينات عسكرية لفائدة الحوثيين من لدن شيعة العراق(فيلق بدر-جيش المهدي…) وعناصر الحرس الثوري الإيراني.

فقد تجاوز مجموع ما حولته حكومة طهران لفائدة الحوثي وتنظيمه عن طريق سفارتها في صنعاء ملايين الريالات اليمنية ، ناهيك عن الدعم المادي غير الرسمي القادم من المؤسسات المدنية الشيعية في لبنان والكويت وإيران ولندن وغيرها.

لماذا تم تأسيس حزب الله اللبناني؟

الجواب عن هذا السؤال يستدعي التوقف عند سببين اثنين، أولهما ظاهري والآخر باطني.

فأما السبب المعلن فيتمثل في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي المحتل للأراضي اللبنانية، والدود عن المقدسات الإسلامية في فلسطين.

وأما السبب الحقيقي، والذي ساعد الدعم المادي الإيراني الضخم للحزب في إخفاءه عن طريق تضليل العامة وصرفه عن سبرها، فهذا السبب يتمثل في العمل على تصدير الثورة الإيرانية وإيجاد موطئ قدم لطهران في المنطقة عن طريق ضمان استمرارية الأزمة اللبنانية، ومن ثم سهولة التغلغل في المنطقة ككل من أجل تحقيق حلم دولة الهلال الشيعي الممتدة.

وعن علاقة حزب الله اللبناني بالمرشد الأعلى للثورة الإيرانيةالسابق (آية الله الخميني)، فهذا الأخير يعتبر المرشد الروحي والسياسي لمجموع نشاط وخطط وبرامج الحزب. بل إن الخميني –وفي تصرف نادر- وكَّل عنه أمين الحزب (حسن نصر الله) وكالة شرعية وأجازه إجازة “شرعية” في الاضطلاع بمهام الولي الفقيه على الأراضي اللبنانية دوناً عن المرجع اللبناني الراحل (محمد حسين فضل الله).

ويعتبر الخميني صاحب نظرية “ولاية القفيه” التي تعطيه، ولمن سيأتي من بعده، صلاحية القيام مقام الإمام الشيعي الغائب إلى حين ظهوره. فهو الذي قال–في مؤلفه “الحكومة الإسلامية”- بأن “لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل”، وهو الذي قال بوحدة الوجود عندما صرح بأن “لنا مع الله حالات هو نحن، ونحن هو، وهو هو، ونحن نحن”، بل إنه لا يتوانى –والعياذ بالله- من التبرؤ من الله عز وجل عندما آخذه على السماح بحكم عثمان ومعاوية ويزيد.

وحسب العقيدة التي نظر لها الخميني، فـــ”صحائف أعمال بني البشر تعرض مرتين في الأسبوع على الإمام الغائب ليقرر فيها في غيبته”، وهو بذلك ينازع (=الإمام الغائب) الله تعالى في ملكه وملكوتــه.

وبالمقابل اتهم الخميني الرسول صلى الله عليه وسلم بالفشل في إحقاق الحق عكس ما سيكون عليه الأمر حين الظهور. كما لا يتوانى (=الخميني) على الجهر بكفر الصحابة الراشدين ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة الذين اعتبرهم ناصبوا العداء للرسول وآل بيته، وهو الذي طعن في الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، ومس بآل بيته الطاهرين عن قصد وعن غير قصد، حتى إنه استباح أموال أهل السنة وأدرجها في خانة غنائم الحرب التي تحل لمن غنمها.

فما هي إذن طبيعة العلاقة التي تربط ما بين حزب الله اللبناني ودولة إيران “الإسلامية”؟

إن إيران هي بمثابة الشريان الذي يغذي حزب الله، وهي مركز قراراته الحاسمة والمصيرية، وقائده من بعيد استناداً على مجموعة من القيم والمبادئ، وعلى ضوء خارطة طريق الحزب مدعو لوضعها موضع التفعيل.

وطبيعة هذه العلاقة لم تعد في جملة الأسرار الواجب كتمانها. فهذا إبراهيم الأمين (وهو الناطق الرسمي باسم الحزب) أقرها صراحة عندما قال: “نحن لا نقول إننا جزء من إيران؛ نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران”. وعلى هذا الأساس، فحزب الله يتحرك على ضوء القرارات الصادرة عن المراجع في إيران، وما تستتبعه “ولاية الفقيه” من هناك، وهو (=الولي الفقيه) الذي”بيده قرار السلم والحرب” -كما أشار إلى ذلك نائب الأمين العام للحزب (نعيم قاسم). ذلك أنه يفتقر لبرنامج سياسي ورؤية فكرية واضحة ومستقلة عن طهران منذ أن رأى النور وحتى يومنا هذا، رغم ما تتشدق به زعاماته وقياداته من لبنانية هويته واستقلالية قراراته. بل إن للحزب ممثلية خاصة في العاصمة الإيرانية يمكن اعتبارها حلقة وصل بينه وبين قيادته الفعلية هناك.

ويكفي في هذا الصدد التذكير بأن النواة الأولى لقيام حزب الله في لبنان تشكلت من ثلاثة آلاف عنصر من الحرس الثوري الإيراني، رافقتهم العديد من المشاريع والأعمال التي قادتها حكومة طهران لفائدة أهل الجنوب في شكل مدارس ومستشفيات ودور رعاية ومؤسسات اجتماعية لا لشيء إلا لذر الرماد في العيون بناء على لعبة “العصا والجزرة”. ولدى الحزب مقر خاص في طهران بمثابة حلقة وصل بين الحزب في لبنان والقيادة الفعلية من هناك.

بل إن الحزب، ,كما جاء على لسان الوزير والسفير السابق علي أكبر محتشمي (وهو الأب الشرعي للحزب) أن عديداً من عناصر الحزب شاركت –إلى جانب الحرس الثوري الإيراني- في الحرب العراقية الايرانية، وفي قمع انتفاضة الطلبة الأحواز سنة 1999م.

وعن مبدأ “التقية” في عمل وخطابات وسياسة الحزب، فهذا الأخير ينطلق من القاعدة التي تقول بأن “دين الشيعة دين باطني”، ومن ثم فعقيدة الامامية تجيز للشيعي الكذب من باب التقية بل تجيز له الحلف بالله كاذباً إذا كان من ذلك الباب. وبسبب هذا المبدأ قال الامام الشافعي : “لم أر أحداً أشهر بالزور من الرافضة”.

إن مناقشة أهم الشعارات التي رفعها الحزب، وهو “الجهاد في سبيل الله”، والانطلاق من أجل تكييف ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم بأن “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”. متسائلاً: أليس الدفاع عن أرض فلسطين (بكل ما تحمله من رمزية دينية) ومقدساتها المحتلة أولى من القتال في لبنان من أجل تحقيق الاطماع والاهداف السياسية الايرانية والسورية؟

يقول الباحث علي عبد الباقي: “لاحظت أن الاداء الشيعي، سواء في إيران أو العراق أو أفغانستان أو غيرها كان أداء طائفيا، ولا ينطلق من منطلقات خدمة الامة ومصالحها، وإنما ينطلق من منطلقات طائفية ضيقة حتى وإن كانت تتعارض مع مصالح الأمة”.

وبالرجوع إلى مرتكزات العقيدة الإمامية، نجد أن الجهاد في أساسه تم تعطيله إلى حين خروج الامام في فترة الظهور الكبرى، والذي سوف يتولى أمور الجهاد، والحكم بحكم آل داوود، وهدم الكعبة، فقتال أهل السنة ثم إخراج أبو بكر وعمر ابن الخطاب من قبريهما وصلبهما قبل حرقهما.

تلكم بإيجاز حقيقة حزب الله التي اختفت منذ ردح من الزمان، وغيبتها الادعاءات المغلفة بالتقية، راكبة على العاطفة التي غالبا ما تعمي الأبصار وتعطل المنطق

ع. بلبشير

2016-03-06 2016-03-06
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير