بين تجارة الضمائر وتجارة الدين: الديمقراطية في مهب الريح

123313 مشاهدةآخر تحديث : الخميس 24 نوفمبر 2016 - 6:08 مساءً
2016 11 24
2016 11 24

وجدة البوابة: محمد الحنفي

بمناسبة انتخابات 07 أكتوبر 2016، صار كل شيء قابلا للبيع: بيع الضمائر من أجل الحصول على المال، إلى درجة أنه لا يهم الناخب، إن كان المال المدفوع مقابل الضمائر في الانتخابات مشروعا، أو غير مشروع، وبالمناسبة: هناك تجارة أخرى صارت رائجة، ولا زالت، وستبقى إلى حين تجريمها، إنها تجارة الدين، الذي يسوق أوهام ما بعد الموت، بما في ذلك عذاب القبور، ودخول الجنة، أو النار، والحور العين، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، ولا يد للإنسان فيه.

فتجارة الضمائر التي ترتبط بالانتخابات المتعلقة بالجماعات الترابية، أو بالبرلمان، سواء تعلق الأمر بالناخبين الصغار، أو الكبار، تنشط، وبشكل مكثف، كلما كانت هناك انتخابات يقود فيها المترشحون إدارة أسواق النخاسة، عن طريق سماسرتهم، من أجل الحصول على الكم المناسب من الضمائر، مهما كانت القيمة المصروفة من أجل ذلك.

وطرق الحصول على الضمائر المعروضة للبيع، تتخذ طابعين:

1) طابع الاستئجار من أجل النيابة عن المترشح، في القيام بالحملة الانتخابية، بأجر يومي محدد، يتسلمه المستأجر في آخر كل يوم، يقوم فيه بالحملة الانتخابية، لصالح مترشح لا يعرف عنه شيئا، كما لا يعرف شيئا عن حزبه، وعن برنامج حزبه، ولا عن مضامين الوريقات، والصور التي يوزعها، على المفترض فيهم أن يكونوا ناخبين. ومع مرور الحملة، يتحول المستأجر إلى وسيط بين المترشح، وبين باقي افراد أسرته، الذين يبيعون ضمائرهم إلى أي مترشح يدفع أكثر، وبينه وبين باقي الأقارب، والقريبات، والأصدقاء، والصديقات، وبينه وبين عامة الناس، القابلين ببيع ضمائرهم في سوق النخاسة: أي أن المستأجر يتحول إلى سمسار لبيع الضمائر، بعد العقارات، أو إلى برغاز للاتجار في الحمير، في مختلف الأسواق، أو إلى شناق يبيع، ويشتري الخراف، في مختلف الأسواق، مع العلم أن العديد من المترشحين، يشترطون ضمان صوت المستأجر، وضمان أصوات أسرته، إن كانوا مسجلين في اللوائح الانتخابية، وإن لم يكونوا كذلك، فإنهم يعملون بأجر يومي، ولا يضمنون حتى أنفسهم، إن لم يقوموا بالدعاية لمترشح آخر.

2) طابع التسوق المباشر، من سوق عرض الضمائر للبيع، بحيث يقوم المترشحون بتسخير أشخاص معينين، لشراء ضمائر الناخبين. وهؤلاء الأشخاص، يستعينون بمجموعة من الوسطاء، الذين يقومون بالاتصال بالأسر، والعائلات، التي تعودت على عرض ضمائرها للبيع، منذ سنة 1962، وإلى يومنا هذا، نظرا لطبيعة التربية التي يتلقاها أفراد الأسر، جيلا عن جيل، مما يجعل الاتجار في الضمائر تربية، تنشأ عليها الأجيال المتعاقبة، التي تنتظر خمس سنوات، أو ست سنوات، أو حتى أربع سنوات، من أجل البحث، والتعرف على المترشحين، الذين يبحثون عن شراء ضمائر الناخبين، في سوق نخاسة بيع الضمائر، التي يصير بائعوها مفتقدين لها، في حياتهم اليومية، التي تتحول إلى بحث مستمر عن القيام بالأعمال التي لا تحتاج إلى استئصال الضمير.

والوسيط بين المترشح، وبين العارضين ضمائرهم للبيع، يعتبر:

1) من بائعي الضمائر للمترشح، ومن المصوتين عليه، ومن الحريصين على فوزه.

2) وسيطا بين المترشح، وبين بائعي الضمائر، مما يجعله يتسلم عمولته من المترشح، ومن البائع في نفس الوقت. الأمر الذي يجعل الوساطة مدرة للدخل، أكثر من مجرد بيع الضمير، في أي انتخابات. والوسيط عندما يكون وسيطا فعلا، فإنه يصير متحكما في دواوير بأكملها، وفي قبائل بأكملها، مما يجعله يجني ملايين صحيحة، من عمولته بين المترشحين، وبين بائعي الضمائر.

والمترشح الذي يعتمد شراء الضمائر، للوصول إلى البرلمان، أو إلى المجالس الترابية، لا يمكنه أن يعمل على:

1) إبلاغ برنامجه إلى الناخبين ( المواطنين)، والعمل على إقناعهم بذلك البرنامج، والتصويت عليه، انطلاقا من الاقتناع به.

2) توعية الناخبين بأوضاعهم المادية، والمعنوية، من أجل الارتقاء بهم إلى مستوى الممارسة التنظيمية، والسياسية، ليصيروا، بذلك، فاعلين، انطلاقا من وعيهم بالأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، من أجل جعلها في خدمة الجماهير الشعبية الكادحة.

3) وضع نفسه في خدمة الشعب المغربي، ولا في خدمة الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، بقدر ما يتفرغ لخدمة مصالحه الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، لإعداد نفسه للانتخابات القادمة، انطلاقا مما كدسه من ثروات.

4) يهتم بمصالح الشعب المغربي: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، إلا إذا كان ذلك ادعاء، من أجل تضليل المواطنين، حتى يتوهموا أنه يمثلهم، فعلا، في المجلس الجماعي، أو في البرلمان، مع أنه لا يمثل إلا نفسه. والأصوات التي اشتراها من سوق نخاسة الضمائر، لا تعطيه شرعية التمثيل، كما يحاول أن يوهم المواطنين بذلك.

5) يهتم بمصالح الوطن، وبضرورة حمايته من كافة الأخطار المحدقة به، بما في ذلك ما يقوم به البوليزاريو، على حدود الصحراء المغربية، وعلى المستوى الدولي، وفي مختلف المنتديات الدولية، كما لا يهتم باستمرار سبتة، وامليلية، والجزر الجعفرية، تحت الاحتلال الإسباني. وما يهتم به، هو تنمية مصالحه التي يرجع إليها، عندما تلوح في الأفق انتخابات جماعية ترابية، أو برلمانية، لشراء ضمائر الناخبين، ومن يتاجر في ضمائر الناخبين. ولذلك لا نستغرب إن وجدناه يبيع شعبه، ووطنه، ويهرب الأموال إلى حسابات الأبناك الخارجية.

وهذه السمات التي يتسم بها من يشتري ضمائر الناخبين، تبعده، كليا، عن أن يكون إنسانا، وعن أن ينتمي إلى هذا الشعب، وإلى هذا الوطن، وتصنفه عنصرا فاسدا، يعيش على الفساد، وعلى اعتبار نفسه من المفسدين، مهما كانت الشروط التي تحاول أن تعتبره إنسانا، له مكانته في المجتمع.

والشكل الاخر من شراء الضمائر، الذي يعتمده تجار الضمائر، هو إقامة الولائم للناخبين، قبل، وبعد إعلان النتائج؛ لأن قيمة البيع هنا، لا تتجاوز ما يملأ بطون المدعوين، بين الذين يتم إقناع بطونهم، بالتصويت على المترشح، بدل إقناع عقولهم بالبرامج الانتخابية، وتوعيتهم بمضامينها.

وبالإضافة إلى ما ذكرنا، فإن من يشتري ضمائر الناخبين، للوصول إلى المجلس الجماعي، أو إلى البرلمان، يعمل على إفساد الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية؛ لأن تفكيره في شراء ضمائر الناخبين، لا يتأتى إلا في مجال فاسد، والمغرب كله يعتبر مجالا فاسدا، نظرا لسيادة الفساد الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والإداري، في جميع قطاعات الدولة، وخاصة في مناسبة الإقبال على إجراء الانتخابات، حيث يتحرك الفساد بكل تشكيلاته، وخاصة تشكيلة الفساد السياسي، ومنه ما صار يسمى بالفساد الانتخابي، الذي صار وسيلة للتحكم، في صناعة الخريطة السياسية، أو إعادة صناعتها.

ومن الفساد السياسي، الذي يجب التنصيص عليه، في مختلف وسائل الإعلام: المرئية، والمسموعة، والمقروءة، والإليكترونية، استغلال الدين أيديولوجية، وسياسة، وتوهيم الناس بزعامة الحزب، للتعبير عن حقيقة الدين الإسلامي، من خلال ممارسة الحزب اليومية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بإجراء انتخابات معينة، حيث يلجأ الحزب المؤدلج للدين الإسلامي، والمضلل لقطاع عريض من المومنين بالدين الإسلامي، الذين صاروا يعتقدون، أن ما يمارسه الحزب المؤدلج للدين الإسلامي، هو حقيقة الدين الإسلامي، لتبرير التصويت عليه، وبكثافة، في أي انتخابات يعرفها المغرب، سواء كانت جماعية، أو برلمانية، لإكساب الحزب المؤدلج للدين الإسلامي، أغلبية المقاعد الجماعية، وخاصة في المدن الكبرى، أو ياتي في الدرجة الأولى، من حيث عدد المقاعد بالنسبة للبرلمان.

وإذا كان تجار الضمائر، يوزعون الثروات الهائلة، على عارضي ضمائرهم للبيع، في سوق النخاسة، فإن الأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي، أو المرشحين باسمها، الذين يستغلون ما كانت توزعه جمعياتهم على المعوزين، وما تقوم به من شراء الأكباش، بمناسبة عيد الأضحى، ويزيدون على ذلك، توزيع الأوهام يمينا، وشمالا، ولا باس من شراء بعض الضمائر، من قبل المترشحات، والمترشحين، اللواتي، أو الذين يختزن، أو يختزنون الأموال، من ممارسة التجارة في الممنوعات، حتى تتمكمن من شراء الضمائر، من أجل أن يؤدي كل ذلك، إلى تحقيق السيطرة على المجالس الترابية، وعلى البرلمان.

فتجار الدين يبيعون الأوهام باستمرار، يشتغلون ليل نهار، من أجل حشر من يعتقدون أنه يومن بالدين الإسلامي، وراء أدلجتهم للدين الإسلامي، في أفق أن تصير أدلجة الدين الإسلامي، هي عين الدين الإسلامي، الذي يصير فيه الارتباط بين الدين، والسياسة، عضويا، وجزءا لا يتجزأ منه. وهو ما يترتب عنه اعتبار المسلمين، من يترشح باسم أي حزب مؤدلج للدين الإسلامي، مترشحا عن المومنين بالدين الإسلامي، مما يجعل معظم المسلمين، معنيين بالتصويت عليهم؛ لأن اختيارهم، اختيار للدين الإسلامي، ولأن وصولهم إلى المجالس الجماعية الترابية، وإلى البرلمان، وصول للمسلمين، ولأن ترأسهم للحكومة، يجعل هذه الحكومة، حكومة للمسلمين، التي تقوم ببناء الدولة الإسلامية، وتعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية.

وينسى من ينحشر وراء مؤدلجي الدين الإسلامي، والتصويت عليهم، من أجل السيطرة على المجالس الجماعية، وعلى البرلمان، والحكومة، كما حصل في المغرب، أن هؤلاء المؤدلجين:

1) يحرفون الدين الإسلامي، من أجل أن يصير في خدمة مصالحهم: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، جاعلين تحريفاتهم هي الأصل في الدين الإسلامي، ومعرضين عن الأصل فيه، ومضللين للمسلمين، من أجل أن يعتبروا: أن تحريفاتهم هي الأصل في الدين الإسلامي.

2) أن الغاية من إقدامهم على ممارسة التحريف، في حق النصوص الدينية المختلفة، هي إيجاد المدخل الذي يمكنهم من الوصول إلى المومنين بالدين الإسلامي، وجعلهم في خدمتهم، ومنحشرين وراءهم، من أجل إيصالهم إلى المؤسسات المنتخبة، وإلى الحكومة، للتمكن من تطبيق برنامج مؤدلجي الدين الإسلامي.

3) أن مؤدلجي الدين الإسلامي، يستغلون كثرة الأتباع، المنخدعين بأو هام أدلجة الدين الإسلامي، وخاصة تلك المتعلقة بالحياة الأخرى، وبدخول الجنة، وبالتمتع بالحور العين، ويستغلون التواجد في المؤسسات المنتخبة، وفي الحكومة، لتضخيم أوهامهم الأيديولوجية، والسياسية، لصرف الناس عن استخدام عقولهم في الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى لا ينشغلوا بخلاصات تجعلهم ينصرفون عن مؤدلجي الدين الإسلامي، وممارسة النقد في حقهم، انطلاقا مما يقومون به من ممارسات تتنافى مع احترام عقيدة المسلمين، التي تحولت على أيديهم إلى ممارسة أيديولوجية، وسياسية.

4) أن هؤلاء المومنين المحرفين للدين الإسلامي، يستغلون تواجدهم في المؤسسات المنتخبة، وفي البرلمان، بصفة خاصة، وفي الحكومة، لتوطيد العلاقة مع التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، وعلى المستوى العالمي، من أجل المساهمة الفعلية، في تقوية التنظيم الدولي لهؤلاء المؤدلجين، وصولا إلى جعله يصل إلى السلطة، في جميع بلدان المسلمين، والالتفاف على مصالح الشعب المغربي: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والتراجع على المكاسب المتحققة لصالح الشعب المغربي، كما حصل في حكومة مؤدلجي الدين الإسلامي الأولى، وسيضاعف ذلك التراجع في حكومة مؤدلجي الدين الإسلامي الثانية، كما ننتظر ذلك في الخمس سنوات القادمة.

5) أن مؤدلجي الدين الإسلامي، عندما يسيطرون على الوؤسسات، وعلى الحكومة، وحتى على الدولة، إن تمكنوا من ذلك، لا يضعون في اعتبارهم خدمة مصالح الكادحين المضللين، الذين قدموا أصواتهم إلى مؤدلجي الدين الإسلامي، على صحن من ذهب، باعتبارهم بورجوازيين صغارا، يسعون إلى تحقيق تطلعاتهم الطبقية. وفي أفق ذلك، يضعون أنفسهم في خدمة الطبقة الحاكمة، والبورجوازية، والإقطاع، والتحالف البورجوازي الإقطاعي المتخلف، والنظام الرأسمالي التبعي، والنظام الرأسمالي العالمي، حتى يرضى المستغلون بكل أصنافهم، والرأسمالية التابعة، والرأسمالية العالمية، عن مؤدلجي الدين الإسلامي، الذين يعملون على اعتبار أنفسهم، بديلا لمختلف نظم الحكم القائمة في البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، وما على الغرب إلا أن يقدم الدعم اللازم، لهؤلاء المؤدلجين للدين الإسلامي، ما داموا ينجزون ما ينجزونه لصالح الرأسمالية، ما لم تستطع أي جهة إنجازه في التاريخ.

6) أن مؤدلجي الدين الإسلامي، لا يعملون على التمسك بالتاريخ العربي، الذي يعادونه، حتى وإن كانوا يستغلون الدين الإسلامي، الآتي منه؛ لأنهم لا يقولون بالقومية العربية، بقدر ما يقولون بالقومية الإسلامية، مع العلم، أن أي معتقد، كيفما كان نوعه، لا يصلح تعبيرا عن قومية معينة، ولا أن يصير قومية، حتى وإن كان هذا المعتقد، هو الدين الإسلامي.

ومع ذلك، فإن مؤدلجي الدين الإسلامي، حولوا الدين الإسلامي، حسب فهمهم له، إلى قومية إسلامية؛ لأن هذا الاعتبار، يصير مدخلا للأممية الإسلامية، التي تمكنهم من الانخراط في التنظيمات الدولية، المعبرة عن تلك الأممية، بما فيها ما صار يعرف بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي يقدم الدعم المادي، والمعنوي، للأحزاب، والتنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، بمن فيهم مؤدلجو الدين الإسلامي هنا في المغرب، كما هو الشأن بالنسبة لحزب العدالة والتنمية في المغرب.

7) أن مؤدلجي الدين الإسلامي، يعتبرون أنفسهم، دائما، على حق، وغيرهم على باطل، يكتسبون شرعيتهم من تطاولهم على توظيف الدين الإسلامي أيديولوجيا، وسياسيا، ومن اعتبار أنفسهم مكتسبين لشرعية الكلام باسم الدين الإسلامي، وباسم الله، وباسم التراث. وهم وحدهم الذين يمتلكون حق إصدار الفتاوى، ولا أحد ينازعهم في ذلك، يكفرون من شاءوا، ويلحدون من شاءوا، ويفسقون من شاءوا، وما سوى ذلك، هو لعامة الناس، الذين عليهم أن يشتروا منهم صكوك الغفران، يعتبرون العلاقات الجنسية بين نسائهم، ورجالهم، حلالا، وبين الذكور، والإناث، في المجتمع، من المحرمات. وهم إذا كانوا يدعون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، فإنهم يعتبرون أنفسهم فوق الشريعة، وإذا كان القانون له من يتحكم في تطبيقه، فإنه يعتبر نفسه فوق القانون، وخارج نطاقه، وعلى غراره يتصرف مؤدلجو الدين الإسلامي، الذين يعتبرون أنفسهم فوق الشريعة الإسلامية. والفرق يصير واضحا، في أن واضع القانون، هو الذي يعتبر فوق القانون، ولكن الشريعة مصدرها الكتاب، والسنة، ومؤدلجو الدين الإسلامي إنما يدعون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، التي ليست إلا مأخوذة من الكتاب، والسنة. وهؤلاء عندما اعتبروا أنفسهم فوق الخضوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية، التي يسعون إلى تطبيقها على المجتمع، فإنهم، كذلك، يعتبرون أن مصدر شريعتهم، هو أدلجتهم للدين الإسلامي، لتصير شريعة أدلجة الدين الإسلامي، من وضعهم. وإلا، فلماذا يطالبون بتطبيق حكم الزنى، المنصوص عليه في سورة الإفك: (الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر)، وفي قراءة ابن مسعود المعتمدة عند الوهابيين، وحتى عند الإخوان المسلمين، حتى وإن لم تكن موجودة في المصحف المعتمد: (والشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما).

فلماذا لا يسعون إلى تطبيق هذه الأحكام على حالة الشيخ الإسلامي، وعلى حالة الشيخة الإسلامية، القياديين في حركة التوحيد، والإصلاح؟

لماذا نصطدم في كتابات مؤدلجي الدين الإسلامي المتنوعة، بالدفاع عنهما؟

ألأنهما فوق الشريعة الإسلامية؟

أم أن ما يطبق على عامة الناس، من المسلمين، لا يطبق على الدعاة الذين يمارسون التحرش على الداعيات، أو أن الداعيات هن اللواتي يمارسن التحرش على الدعاة؟

وكيفما كان الأمر، فإن المساواة بين البشر أمام القانون، وليس أمام الشريعة، التي دخلت في ذمة التاريخ غير الوهابي، وغير الإخواني، غير واردة، وحتى النص الديني الذي نستمد منه قيمنا النبيلة، نجد فيه (لا فرق بين عربي وعجمي، ولا بين أبيض، وأسود، إلا بالتقوى).

8) أن مؤدلجي الدين الإسلامي، يعتبرون أنفسهم أحق بالحلم؛ لا لأنهم كذلك، بل لأن وصايتهم على الدين الإسلامي، تفرض ذلك، ويعتبرون أنفسهم حسب ادعائهم الأحقية بالحكم، معنيين بإقامة الحكم الإسلامي، المتجسد في إقامة (الدولة الإسلامية)، التي تعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية، وينسون الرسول محمد بن عبد الله، كان رسولا يتلقى الوحي من عند الله، ولم يكن ملكا، يورث عنه الحكم، وأنه حين حضرته الوفاة، لم يوص لأحد، وأنه آخر الأنبياء، وآخر الرسل، وان رسالته انتهت بنزول الآية الكريمة: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الاسلام دينا).

وإذا كانت الرسالة انتهت، وكان محمد بن عبد الله آخر الأنبياء، والرسل، وكان رسول الله، ولم يكن ملكا. وهو القائل: (نحن معشر الأنبياء، لا نرث، ولا نورث). فكيف يطلب منا مؤدلجو الدين الإسلامي، أن نصدق أنهم أحق بحكم المسلمين، لا لشيء، إلا لأنهم يدعون وصايتهم على الدين الإسلامي، بحكم أدلجتهم له، وتعودهم على توظيفه أيديولوجيا، وسياسيا، حتى اعتقدوا أنهم هم الأولى بحكم المسلمين.

وادعاء مؤدلجي الدين الإسلامي هذا، إنما هو نتيجة لعمالتهم للولايات المتحدة الأمريكية، ولإسرائيل، التي تعتبر نفسها دولة دينية. وهو ادعاء باطل، لا أساس له من الصحة، لعدة اعتبارات، نذكر منها:

الاعتبار الأول: أن الأمر الدنيوي فيما بين المسلمين، وفيما بين المسلمين، وغيرهم، شورى، بنص القرءان: (وأمرهم شورى بينهم)، والشورى، تقتضي إعمال الممارسة الديمقراطية، والاحتكام إلى الشعب، تجنبا لترك الأمور كلها بيد النخبة، التي غالبا ما تسير في اتجاه الاحتكام إلى القوة، التي توظف الدين الإسلامي: أيديولوجيا، وسياسيا.

الاعتبار الثاني: أن محمد بن عبد الله، كان نبيا رسولا، ولم يكن ملكا، أو حاكما، يورث عنه الحكم، حتى لا يدعي من يأتي بعده، ممن يؤدلج الدين الإسلامي، ويعتبر نفسه أحق من غيره بالحكم، وبتدبير أمر المسلمين، فلا شأن لأي كان بعد موت محمد، الذي قال فيه الله في كتابه: ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) فقيمة الرسالة، في نزول الوحي، وفي تبليغه إلى كافة المسلمين، وإذا كان الرسول قد قام في حياته مقام الحاكم، أو مقام الملك، فلأن الضرورة التي تقتضي حماية الدين الإسلامي من الأعداء، هي التي فرضت ذلك، لتثبيت قيام المسلمين بأمرهم بأنفسهم، حتى لا يتدبر أمرهم غيرهم. وهو ما يمكن اعتباره تأسيسا لحكم المسلمين أنفسهم بأنفسهم، وليس لحكم الإسلام على المسلمين، الذين كانوا قاصرين عن ضبط أمورهم، بناء على وضع قوانين محددة.

الاعتبار الثالث: أن حكم المسلمين أنفسهم بأنفسهم، تقتضي قيام دستور ديمقراطي شعبي، يقر سيادة الشعب على نفسه، حتى يتمكن من تقرير مصيره بنفسه: اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، ويضمن إجراء انتخابات حرة، ونزيهة، كما يقتضي الاحتكام إلى القوانين المعمول بها، في جميع المجالات، والمتلائمة مع الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وأن يتم التعامل مع الدين الإسلامي، كمعتقد يومن به من يشاء، بكامل الحرية، ويغير الإيمان به من يشاء كذلك، بكامل الحرية، كما نص القرءان على ذلك (فمن شاء فليومن، ومن شاء فليكفر)، ولا داعي لإكراه الناس بقوة الحديد والنار، من أجل فرض الإيمان بالدين الإسلامي بالقوة، كما كان يحصل في تاريخ المسلمين.

الاعتبار الرابع: أن الأصل في الإيمان بالدين الإسلامي، هو الحرية، فإذا انتفت فإن الإيمان به يكون بالقوة، والاعتقاد على أساس التمتع بالحرية، يضمن شيئين أساسيين:

الأول: ان الإيمان يتم بالاقتناع بالدين الإسلامي. والاقتناع إذا ترسخ في الفكر، والوجدان، فإنه يضمن استمرار الإيمان، وارتباطه بحياة المومنين.

الثاني: أن اختيار الإيمان بالدين الإسلامي على أساس الاقتناع به، يكسبه قيمة إنسانية، ويجعل الرغبة في الإيمان به، قائمة على أساس إنسانيته، التي تقف وراء تخليصه من كل ما يسيء إلى إنسانية الإنسان، مما علق بنصوصه، منذ ظهوره، إلى الآن، مما يحوله من دين معد للروح الإنسانية، إلى دين للإرهاب، كما هو حاصل في العديد من البلدان العربية، باسم الدين الإسلامي، وباسم الله أكبر، مع أن الإرهابيين، من عملاء أمريكا، وإسرائيل، والرجعية العربية، الذين يتلقون دعما بدون حدود، من العرب بصفة عامة، ومن الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، ودول الخليج بصفة خاصة.

وإذا كان هذان الشيئان الأساسيان واضحين، فإن مؤدلجي الدين الإسلامي، عندما يستغلون الدين الإسلامي أيديولوجيا، وسياسيا، لا يقيمون علاقتهم بالمومنين بالدين الإسلامي، على أساس الوضوح، بل لأنهم يعملون، باستمرار، على تضليلهم، وجعلهم يعتقدون أن ما يروج له مؤدلجو الدين الإسلامي، هو التعبير الحقيقي عن الدين الإسلامي، إيغالا في التضليل، وترسيخا للوهم، بأن هؤلاء المؤدلجين، ينوبون عن الله في الأرض، أي أنهم من خلال النيابة، يرتبطون بالله مباشرة، ودون واسطة، وبشكل يومي، وآني، في نفس الوقت، ليصيروا أكثر درجة من كليم الله موسى، ومن محمد، الذي اختصه الله بالإسراء، والمعراج، ليطلع على ما لم يطلع عليه غيره من الأنبياء، والرسل، وهو ما لا علاقة له بالواقع، ولا يتناسب أبدا مع ما عليه مؤدلجو الدين الإسلامي، الذين يمارسون كافة اشكال الكذب، لتحقيق أهداف دنيوية منحطة، على أساس استغلال الدين الإسلامي.

وهذه الاعتبارات، التي وقفنا عليها، كلها تثبت: أن مؤدلجي الدين الإسلامي، إنما يضللون المومنين بالدين الإسلامي، وأن ما يمارسونه ليس هو الدين الإسلامي، بقدر ما هو مجرد ايديولوجية، وشعارات سياسية، يستقطبون بها المغفلين إلى صفوفهم.

فمؤدلجو الدين الإسلامي، إذن، هم مجرد محرفين للدين الإسلامي، مستغلين لكثرة الأتباع، ولتواجدهم في المؤسسات المنتخبة، وللسيطرة على المؤسسة الحكومية، ويتمسكون بالتاريخ العربي، الذي يعادونه، ولا يقولون بالقومية العربية، كما لا يقولون بأية قومية أخرى، التي يعوضونها بالقومية الإسلامية، ويعتبرون أنفسهم، دائما، على حق، ومن سواهم على باطل، وهم الأحق بالحكم من غيرهم، وهي سمات لا تتوفر إلا فيمن ينغلق على نفسه، ولا ينفتح على غيره، ومن يعتبر نفسه واجب التمكن من كل شيء في هذا الكون، باعتباره هو الذي يتمتع بحق التفويض من الله، من أجل حكم البشر، مسلمين، وغير مسلمين، من أجل تطويع الجميع، وإعدادهم لممارسة عبادة الله، وتكريس تقديسهم إلى جانب تقديس الله، باعتباره تعبيرا عن أحقيتهم في الحكم، بعد الله، الذي يتكلمون، ويحكمون باسمه، باعتبارهم مالكين للتفويض الإلاهي، فكأن العلاقة لا زالت قائمة بين السماء، والأرض، ولم تنته بموت محمد رسول الله، بعد انقطاع الوحي.

وهذه السمات المشار إليها، هي التي تجعل تجارة الدين في نفس مستوى تجارة الضمائر، لأنهم يعتبرون أن توزيعهم للأموال، عن طريق جمعياتهم اللا إنسانية، وشرائهم لأكباش عيد الأضحى، وتقديمها للمعوزين، إنما هو تسخير من الله لهم، من أجل فعل الخير، والعمل على التصويت لهم في الانتخابات الجماعية، أو البرلمانية، من أجل تمكينهم من فعل الخير، وحماية ذلك الخير، المعبر عن الإسلام، والمسلمين. وهو ما يؤكد أن تجارة الدين، وخاصة تجارة الدين الإسلامي، لا تقل أهمية عن تجارة الضمائر؛ لأن الغاية من كل منهما: هي الوصول إلى المؤسسات، وإلى السلطة، للانكباب على خدمة المصالح الخاصة، التي تحقق التطلعات الطبقية: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، بالنسبة لذوي الطبيعة البورجوازية الصغرى، كما هو الشأن بالنسبة لمؤدلجي الدين الإسلامي، المشتغلين بتجارة الدين الإسلامي، وإنماء الثروات الهائلة، على حساب إفقار الشعب المغربي، بالنسبة للمتاجرين في الدين، وفي ضمائر الناخبين.

فما العمل من أجل تجاوز تجارة الدين، وتجارة الضمائر، في مختلف المحطات الانتخابية في المغرب؟

إن العملية السياسية، هي عملية معقدة، وخاصة في البلدان ذات الأنظمة الرأسمالية التابعة، ومنها المغرب، التي لم تحسم في عملية الفصل بين الدين، والسياسة، ولم تدقق في الحدود التي تتحرك فيها مختلف الأحزاب، ومختلف المترشحين، مهما كان الفهم السياسي. ومن وجهة نظرنا، فإن على الجميع أن يلتزم ب:

1) تجريم عملية الربط بين الدين، والسياسة، وتوظيف الدين، أي دين، أيديولوجيا، وسياسيا.

2) تجريم قيام أحزاب سياسية على أساس ديني؛ لأن الدين، لمن يومن به، ولس لممارسة السياسة، وجلب الأصوات في الانتخابات؟

3) إشاعة حقوق الإنسان، كما هي في الإعلانات، والمواثيق، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

4) التوعية السياسية، عن طريق مختلف المنابر الإعلامية، التي ترى ضرورة جعلها رهن إشارة الأحزاب، والجمعيات، والنقابات، سواء كانت مرئية، أو مسموعة، أو مقروءة، أو إليكترونية.

5) تجريم الاتجار في الضمائر، سواء تعلق الأمر بالوسطاء، أو تعلق بالمعنيين الذين يعرضون ضمائرهم للبيع، أو تعلق بالمترشحين.

6) تجريم الولائم المختلفة، التي يقيمها المترشحون، أو من ينوب عنهم من الوسطاء، لصالح الناخبين، قبل، أو أثناء الحملة الانتخابية، وبعد إعلان النتائج.

7) إنضاج الشروط الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، لإجراء أي انتخابات، حتى تكون حرة، ونزيهة، بعيدة عن أي مؤثر.

8) اعتبار كل حامل للبطاقة الوطنية، مسجلا في اللوائح الانتخابية، ما لم يحل مانع قانوني دون ممارسته لحق التصويت.

9) اعتماد التصويت بالبصمة، بدل الرمز، أو بدل الورقة الفريدة.

10) اعتماد إلزامية التصويت، بدل ممارسة اللا مبالاة، في الوقت الذي يمارس فيه نهب الثروات الوطنية، باسم تمثيل الشعب المغربي.

11) إخضاع المنتمين، أنى كان مستواهم، للتصريح بمستوياتهم، بعد انتخابهم مباشرة، وإخضاعهم للمحاسبة الصارمة.

12) تشديد العقوبات في حق من يثبت أنه ارتشى، أومارس نهب ثروات الشعب المغربي.

13) تجريم كل من يكتري من ينوب عنه في الحملة الانتخابية، من غير المقتنعين بتوجهه السياسي، الذين يجب أن يخضعوا بدورهم، للمساءلة أمام القانون.

14) جعل جلسات المجالس المنتخبة، مفتوحة أمام الرأي العام، وأمام وسائل الإعلام، وأمام الناخبين، حتى يكون الجميع على اطلاع واسع، على ممارسة المنتخبين، في علاقتهم بالمؤسسات المنتخبة، وفي علاقتهم بمشاكل المواطنين: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية.

فهل يعمل المسؤولون على إعادة النظر في مجمل الممارسة الانتخابية، من خلال إعادة النظر في القوانين الانتخابية؟

هل يعملون على تكريس الفصل بين الدين، والسياسة؟

هل يعملون على تجريم تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني؟

هل يعملون على وضع حد لتجارة الدين، ولتجارة الضمائر، في نفس الوقت؟

هل يجرمون قيام غير الحزبيين، أو المتعاطفين مع الحزب، بالقيام بالحملات الانتخابية؟

هل يلزمون المنتخبين بالتصريح بممتلكاتهم؟

هل يحاسبون المنتخبين على ما تجمع لديهم من ثروات، بسبب الارتشاء، وبسبب نهب ثروات الشعب المغربي؟

هل يعملون على رفع المستوى السياسي للمواطنين؟

هل يعتمدون البطائق الوطنية للتسجيل في اللوائح الانتخابية؟

هل يعتمدون إلزامية التصويت؟

هل يعتمدون يوم التصويت، يوم عطلة وطنية؟

إن التجارة في الضمائر، وفي الدين، إذا لم تتخذ إجراءات صارمة في حق ممارسيهما، وفي تجريمهما، فإنهما سيقفان ضد تكريس ديمقراطية حقيقية من الشعب، وإلى الشعب، وستبقى العملية الانتخابية تراوح مكانها، وسيبقى تجار الدين، أو تجار الضمائر، هم الذين يحكمون الشعب، أغلبية، ومعارضة.

فلا ديمقراطية أبدا، في ظل تجارة الدين، وفي ظل تجارة الضمائر.

بين ابن جرير والمحمدية في 16 / 10 / 2016

محمد الحنفي.

وجدة البوابة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي وجدة البوابة