القصة التي أبكت الملايين: ذكريات صديق عائد من سفر

53063 مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 21 نوفمبر 2016 - 11:42 صباحًا
2016 11 21
2016 11 21

وجدة البوابة: عبد الكريم سالمي

منذ أن ركب القطار و هو ينظر من النافذة فلا يرى من وراء زجاجها سوى الأيام تحمل نعش سعادته و تمضي به في بطء شديد على طول مسافة الطريق في جنازة رهيبة ﻻ يصاحبها سوى سكون أبدي يقتل في صمت ما بقي له من آخر أنفاس الشوق و الحنين . لقد عاد من السفر بعد غياب طويل ؛ كان كلما آقترب من منزل عائلته كلما تثاقلت خطواته و تسارعت نبضات قلبه المكلوم ، طرق الباب فآستقبله أهله بدموع ذارفة و عناق حار يكاد يحبس الأنفاس ؛ غلبته الدموع هو الآخر فأجهش بالبكاء حتى تقطعت نبرات صوته الحزين ؛ فما عادوا يفهمون من كﻻمه سوى كلمة أمي تنساب من لسانه دون غيرها من الكلمات . كل الذكريات ينساها الزمن إﻻ ذكريات أمه التي عاد و لم يجدها في آنتظاره . وقف على باب حجرتها أسند ظهره إلى الحائط و أطلق العنان لعينيه الدامعتين تتجوﻻن في كل ركن من أركان المكان و كأنهما تبحثان عن كنز نفيس كان هناك يوما فرحل من دون أن يستأذن رحيﻻ ﻻ يرتقب من بعده رجوع . جلس على سريرها و بدأ يتحسس بيديه المرتجفتين فراشها الدافئ الذي أنعش ذاكرته حتى عادت به إلى أيام الطفولة فتذكر يوم كان يدخل إلى البيت مسرعا و يرتمي في حضن أمه الذي ﻻ يشبه في دفئه كل الأحضان ، تذكر تلك الأيام التي كبر فيها و كبرت معه متطلباته يوم كان يفقد أعصابه و يصرخ في وجهها ثم يعود بعد ذلك ليقبل رأسها و هو يدغدغ مشاعر الأمومة فيها قائﻻ سامحيني يا أمي . لقد آنتهى كل شيء بعدما ماتت التي كان وجودها في حياته هو الفاصل الوحيد بين السعادة و الشقاء . لقد حرمه غيابه و موتها المفاجئ من ضمها إلى صدره و معانقتها عناق الوداع الأخير ، فلم يبق له الآن سوى أن يزور قبرها و يطوف من حوله لعله يستطيع أن يشم رائحتها من فوق التراب . لقد كان يظن أن السنين هي التي تمضي دون رجعة لكن عبارات العزاء كشفت له أن الزمن الجميل هو الشيء الوحيد الذي يمضي و ﻻ يعود أبدا ، فﻻ أمل له اليوم في آنتظار رسالة ترسلها له من تحت التراب و ﻻ أمل له في رؤية الهدهد يطوف بجناحيه بالقرب منه حامﻻ له أخبارها . ترك أهله و توجه نحو المقبرة حيث ترقد أمه سلام ؛ أسند رأسه إلى قبرها و بكى بكاء شديدا على فراقها، بقي هناك على تلك الحال مدة طويلة من الزمن إلى أن آنتاب كيانه شعور بقشعريرة الإيمان بقضاء الله وقدره ؛ شعور نزل على قلبه بردا و سﻻما فهدأ من روعه حتى راح يتخيل كأنه يرى أمه من بعيد في أبهى حلة و أجمل مقام تلوح له بيديها و هي تهمس في أذنه و تقول له إذهب يا بني عد إلى البيت و ﻻ تحزن علي فأنا الآن في ضيافة الرحمن . نهض من مقامه على وقع ذلك الشعور الدافئ ، إستغفر الله و دعا لأمه كثيرا ثم توجه نحو باب المقبرة ؛ هناك آستدار خلفه ليلقي عليها نظرته الأخيرة قبل الرحيل ؛ وقف برهة من الزمن أحس فيها بالندم على كل صباح من حياته خرج من البيت دون أن يقبل رأسها و يديها . حز في نفسه كثيرا أن يتركها في ذلك المكان الخالي و يرجع وحده إلى البيت الذي عاشا فيه معا سنين طويلة ، إستجمع قواه و آستغفر الله ثم هم بالرجوع إلى من بقي له من أهله و هو يردد على طول الطريق في قرارة نفسه أمي ليتك تقبلين آعتذاري .

وجدة البوابة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي وجدة البوابة