القصة التي أبكت الملايين: ذكريات صديق عائد من سفر

54371 مشاهدة

وجدة البوابة: عبد الكريم سالمي

منذ أن ركب القطار و هو ينظر من النافذة فلا يرى من وراء زجاجها سوى الأيام تحمل نعش سعادته و تمضي به في بطء شديد على طول مسافة الطريق في جنازة رهيبة ﻻ يصاحبها سوى سكون أبدي يقتل في صمت ما بقي له من آخر أنفاس الشوق و الحنين . لقد عاد من السفر بعد غياب طويل ؛ كان كلما آقترب من منزل عائلته كلما تثاقلت خطواته و تسارعت نبضات قلبه المكلوم ، طرق الباب فآستقبله أهله بدموع ذارفة و عناق حار يكاد يحبس الأنفاس ؛ غلبته الدموع هو الآخر فأجهش بالبكاء حتى تقطعت نبرات صوته الحزين ؛ فما عادوا يفهمون من كﻻمه سوى كلمة أمي تنساب من لسانه دون غيرها من الكلمات . كل الذكريات ينساها الزمن إﻻ ذكريات أمه التي عاد و لم يجدها في آنتظاره . وقف على باب حجرتها أسند ظهره إلى الحائط و أطلق العنان لعينيه الدامعتين تتجوﻻن في كل ركن من أركان المكان و كأنهما تبحثان عن كنز نفيس كان هناك يوما فرحل من دون أن يستأذن رحيﻻ ﻻ يرتقب من بعده رجوع . جلس على سريرها و بدأ يتحسس بيديه المرتجفتين فراشها الدافئ الذي أنعش ذاكرته حتى عادت به إلى أيام الطفولة فتذكر يوم كان يدخل إلى البيت مسرعا و يرتمي في حضن أمه الذي ﻻ يشبه في دفئه كل الأحضان ، تذكر تلك الأيام التي كبر فيها و كبرت معه متطلباته يوم كان يفقد أعصابه و يصرخ في وجهها ثم يعود بعد ذلك ليقبل رأسها و هو يدغدغ مشاعر الأمومة فيها قائﻻ سامحيني يا أمي . لقد آنتهى كل شيء بعدما ماتت التي كان وجودها في حياته هو الفاصل الوحيد بين السعادة و الشقاء . لقد حرمه غيابه و موتها المفاجئ من ضمها إلى صدره و معانقتها عناق الوداع الأخير ، فلم يبق له الآن سوى أن يزور قبرها و يطوف من حوله لعله يستطيع أن يشم رائحتها من فوق التراب . لقد كان يظن أن السنين هي التي تمضي دون رجعة لكن عبارات العزاء كشفت له أن الزمن الجميل هو الشيء الوحيد الذي يمضي و ﻻ يعود أبدا ، فﻻ أمل له اليوم في آنتظار رسالة ترسلها له من تحت التراب و ﻻ أمل له في رؤية الهدهد يطوف بجناحيه بالقرب منه حامﻻ له أخبارها . ترك أهله و توجه نحو المقبرة حيث ترقد أمه سلام ؛ أسند رأسه إلى قبرها و بكى بكاء شديدا على فراقها، بقي هناك على تلك الحال مدة طويلة من الزمن إلى أن آنتاب كيانه شعور بقشعريرة الإيمان بقضاء الله وقدره ؛ شعور نزل على قلبه بردا و سﻻما فهدأ من روعه حتى راح يتخيل كأنه يرى أمه من بعيد في أبهى حلة و أجمل مقام تلوح له بيديها و هي تهمس في أذنه و تقول له إذهب يا بني عد إلى البيت و ﻻ تحزن علي فأنا الآن في ضيافة الرحمن . نهض من مقامه على وقع ذلك الشعور الدافئ ، إستغفر الله و دعا لأمه كثيرا ثم توجه نحو باب المقبرة ؛ هناك آستدار خلفه ليلقي عليها نظرته الأخيرة قبل الرحيل ؛ وقف برهة من الزمن أحس فيها بالندم على كل صباح من حياته خرج من البيت دون أن يقبل رأسها و يديها . حز في نفسه كثيرا أن يتركها في ذلك المكان الخالي و يرجع وحده إلى البيت الذي عاشا فيه معا سنين طويلة ، إستجمع قواه و آستغفر الله ثم هم بالرجوع إلى من بقي له من أهله و هو يردد على طول الطريق في قرارة نفسه أمي ليتك تقبلين آعتذاري .

2016-11-21 2016-11-21
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير