الاستئناس بالفساد والتطبيع معه يفضي لا محالة إلى التطبع عليه

13036 مشاهدةآخر تحديث : الأحد 25 نوفمبر 2012 - 12:04 صباحًا
2012 11 25
2012 11 25
الاستئناس بالفساد والتطبيع معه يفضي لا محالة إلى التطبع عليه
الاستئناس بالفساد والتطبيع معه يفضي لا محالة إلى التطبع عليه

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 24 نونبر 2012، ما حدث يوم أمس في أرض الكنانة أكد حقيقة ظهرت منذ تداعي الفساد في بعض البلاد العربية التي أزهر ربيعها. وهذه الحقيقة مفادها أن الفساد الذي نشأ في الوطن العربي بعد مرحلة الاحتلال الغربي ، وهو من بقايا الأمراض التي خلفها وباء هذا الاحتلال البغيض حيث واصل وجوده بأشكال مختلفة بعد رحيله عسكريا من خلال التمكين لأنظمة انتقاها بمكر ودهاء لتبقي على أوضاع فترة الاحتلال كما كانت ولفائدة المحتل ، وهي أوضاع فاسدة . ومع مرور الزمن استأنست الشعوب العربية بفساد الأنظمة التي خلفت الاحتلال الغربي في فساده وزيادة . وكما تجرعت الشعوب العربية مرارة فساد الاحتلال الغربي ، تجرعت أيضا مرارة فساد أنظمة فاسدة جاءت بعده ، فحصلت حالة التطبيع مع الفساد عن إكراه نظرا لاعتماد الأنظمة الفاسدة نفس أساليب الاحتلال الغربي العسكرية والبوليسية . ومع طول مدة التطبيع مع الفساد حصلت حالات تطبع عليه لدى فئات من الناس صارت فلسفتها في الحياة المصالح قبل المبادىء . فالجموع التي اجتمعت يوم أمس في ساحة التحرير هي نموذج الفئات التي تطبعت على الفساد ، لهذا خرجت من أجل الدفاع عما تطبعت عليه، لأنها لم تعرف الإصلاح منذ زمن بعيد ، لأنه مباشرة بعد فترة فساد الاحتلال البريطاني لمصر، جاءت فترة فساد العسكر. وعندما قرر رئيس مدني منتخب بطريقة ديمقراطية لأول مرة في تاريخ مصر العمل على صيانة الثورة التي أطاحت بالفساد ، ثارت ثائرة المتطبعين على الفساد من أجل تمديد عمره أطول مدة ممكنة من خلال الإبقاء على رموزه كفسائل قابلة للاستنبات من جديد، والدفاع عنها . وبدت ذريعة المتطبعين على الفساد واهية وهم يختلقون التوجس من رئيسهم المنتخب ديمقراطيا ، ويرجمون بالغيب من أجل إقناع غيرهم بأنه سيتحول إلى ديكتاتور ،لأنه ترسخ في أذهانهم أن مصر لا يمكن أن يحكمها إلا فراعنة. ولقد عبر عن ذلك بصراحة البرادعي المتمرس على سياسة الغرب الناظر بمنظاره ، والذي راهن عليه الغرب ليصير ملك مصر إليه ، وذلك حين وصف الرئيس مرسي بأنه فرعون جديد مع أنه لم يقل هذا الكلام من قبل طيلة حكم آخر فرعون لمصر بل كان من المتطبعين على فساده. ومعلوم أن الغرب كان منذ احتلاله لمصر يمقت جماعة الإخوان المسلمين أشد المقت ويتوجس منها لأنها قاومت احتلاله لأرضها ، وهي جماعة خرج منها الرئيس المنتخب ديمقراطية بفعل ضغط الربيع المصري، ورغم أنف الغرب الذي عمل كل ما في وسعه لتوريط جماعة الإخوان المسلمين فيما يسميه الإرهاب من أجل منعهم من الوصول إلى مراكز صنع القرار، بعدما استنفد قرار منع الإخوان من المشاركة في السياسة ، ومن تكوين حزب قوته بسبب وعي الشعب المصري الذي ثار على الفساد ثورة رائدة جعلت الربيع يزهر في كل أقطار الوطن العربي. وبعد مرحلة التشكيك في أهلية حزب العدالة والحرية لقيادة البلاد ، ووصفه بقلة الخبرة والكفاءة ،بل وسمه بالضعف أيضا ، جاءت مرحلة التخويف منه التي كانت سائدة قبل الربيع المصري بذريعة التطرف والإرهاب ،والتي ظلت سائدة لعقود من السنين أعقبت فترة الاحتلال البريطاني، خصوصا عندما عقد الرئيس مرسي العزم على صيانة الثورة التي أسقطت الفساد . ولقد اجتمع الليبراليون واليساريون والعلمانيون والأقباط ووظفوا بلطجيتهم المأجورة وراء الأجندة الخارجية التي يقودها الغرب ،وتدعمها أنظمة عربية لا زالت تنتظر دورها في الزوال لأنها لا تختلف عن الأنظمة الفاسدة المنهارة في توجهاتها من أجل النفخ في دخان التشكيك في نوايا حزب العدالة والحرية خصوصا عندما عقد العزم على مراجعة محاكمات رموز النظام الفاسدة بجرائم قتل الشعب المصري خلال أيام الثورة . وتكالب المتطبعين على الفساد في مصر على اختلاف أطيافهم سيتكرر في كل البلاد العربية التي آل الأمر فيها إلى أحزاب إسلامية . والمتتبع للأوضاع في البلاد العربية التي فازت في انتخاباتها الأحزاب الإسلامية يلاحظ تجند الأطياف المتطبعة على الفساد من أجل تسويق فكرة التخويف من نوايا هذه الأحزاب بعد مرحلة التشكيك في كفاءتها . ومع أن المنطق يقتضي أن تكون الأحكام بناء على واقع معيش وملموس ،لا بناء على النوايا ، فإن أطياف المتطبعين على الفساد في البلاد العربية التي صارت تحكمها أحزاب إسلامية ضربوا المنطق عرض الحائط ، وصار معيار أحكامهم هو اعتماد أخيلتهم التي تشتغل على النوايا بأخيلة ولا تتعامل مع الواقع الملموس المحسوس. إن ما حدث يوم أمس في ميدان التحرير هو عبارة عن ثورة مضادة لثورة الشعب المصري الذي رفض ولفظ الفساد وتطلع إلى صلاح وإصلاح . وسيمول الغرب وعملاؤه من الأنظمة العربية الفاسدة المتبقية، و التي لا زالت لم تتصدع كل الثورات المضادة من أجل أن يبقي على جذوة الفساد مشتعلة في الوطن العربي ، وهو فساد يمكن لهذا الغرب وعملائه في هذا الوطن كما اعتاد على ذلك. ولقد بدأت هواجس الغرب ومعه بقية الأنظمة العربية الفاسدة تزداد بعد طريقة تعامل الرئيس المصري مع عدوان الكيان الصهيوني على قطاع غزة ، وتعامله مع الشعب السوري ضد النظام المستبد اللافظ لأنفاسه الأخيرة ، وأخوف ما يخافه الغرب بعد سقوط هذا النظام وصول حزب الإخوان المسلمين إلى مراكز صنع القرار في سوريا على غرار ما حدث في مصر خوفا من أن يصير الكيان الصهيوني محاصرا بين نظاميين مما لم يألف ، لهذا لا زال الغرب يطالب المعارضة السورية بموزاييك يطمئن إليه ، ويعطيه ضمانا بقطع الطريق على الإخوان المسلمين ، ولهذا يسكت الغرب عن دعم النظام الإيراني وعملائه في لبنان للنظام المستبد الفاسد في سوريا نكاية في الإخوان المسلمين الذين يترقبون نجاحا على غرار نجاح إخوانهم في مصر . فهذا الوضع الذي خلقه الربيع العربي في المنطقة العربية مقلق جدا للغرب وللكيان الصهيوني المستنبت وللأنظمة العربية المطبعة معه ، لهذا لا بد من تمويل مشاريع الثورات المضادة في بلاد الربيع العربي من أجل الإجهاز على الثورات الحقيقية التي أسقطت الفساد مخافة أن يزول هذا الفساد ، ويقضى على جيوبه المتبقية في الوطن العربي . ومشكلة الوطن العربي هو بقايا المتطبعين على الفساد الذين يعملون على تأخير جني ثمار الثورات العربية ، ويضعون الأعواد في عجلاتها من أجل عرقلة سيرها الطبيعي . والتطبع على الفساد ظاهرة مرضية ترسخت في مجتمعاتنا العربية لعقود ، ويمكن أن تلحظ في كل الآفاق . فعلى سبيل المثال لا الحصر يظهر الفساد في كل إدارة من إداراتنا وينمو شيئا فشيئا ، فينكره الناس في بداية الأمر ، ثم يستأنسون به بعد ذلك ، ثم يطبعون معه بعد ذلك ، ثم يتطبعون عليه في نهاية المطاف ، فإذا تغيرت آليات الفساد في هذه الإدارات، وحل مصلح مكان مفسد كان المتطبعون على الفساد الذين كانوا ينكرونه أول الأمر هم أول من يعارض الإصلاح ، ويكيد له كل كيد . ويبدو المتطبعون على الفساد مع كل مصلح كالمدمنين على المخدرات مع طبيبهم الذي يحاول إنقاذهم في حين يصرون على تعاطي المخدرات لأنهم بلغوا مرحلة الإدمان الميئوس منها. ومباشرة بعد حلول صالح مكان مفسد طالح تبدأ حكايات التخويف منه والتهويل من قراراته المقلقة لدى المتطبعين على الفساد. ولا بد من مرور وقت لتعود الأمور إلى نصابها ، ويتعافى هؤلاء المتطبعون على الفساد من تطبعهم كما يتعافى المدمنون على المخدرات من إدمانهم ، وحتى حدوث ذلك لا بد من جولات وصولات بين فساد مندحر وصلاح زاحف وفق سنة الله عز وجل في خلقه ، وهي إظهار الصلاح على الفساد وهو القائل سبحانه : ((فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بيس بما كانوا يفسقون )) فها قد جاء الربيع العربي مذكرا وانقسم العرب إلى ناهين عن السوء وإلى متطبعين عليه ، ولا بد أن يأتي أخذ الظالمين بالعذاب الموجع بسبب خروجهم عن جادة الحق .

الاستئناس بالفساد والتطبيع معه يفضي لا محالة إلى التطبع عليه
محمد شركي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي وجدة البوابة