أين أيديولوجيتي وهويتي ؟ من أنا ؟ وما العمل؟/د. طلال الشريف

20567 مشاهدة
هذا العنوان الثاني، أين أيديولوجيتي وهويتي؟ من أنا ؟ ما العمل ؟ والذي أقدمه في سلسلة الفكر والسياسة، محاولا الإجابة على تساؤلات طرحتها في نهاية حديثي عن العنوان الأول من السلسة وكانت مقالة عن ” شجون الايدولوجيا والهوية ”

بعدما خلصنا في المقالة الأولى، إلى أن هناك ضبابية، وتشويش، وتآكل، في هويتنا العربية أولا، وتناقضات واختلافات النماذج الإسلامية، وأنماط سلوكهم، واجتهاداتهم كأيديولوجيا ثانيا.

ورغم المحاولات المستميتة من غالبية العرب المسلمين، كنموذج يحاول الابتعاد عن تجارب إسلامية سابقة أدت إلي التراجع والضياع، إلا أننا نرى لكلِ إسلامه، في ظل دول عربية يدين معظم إن لم يكن كل مواطنيها بالإسلام.

فنرى في المغرب العربي يأخذ الإسلام طابعا مختلفا من دولة إلى أخرى، يطوعه الحاكم بالشكل الذي يخدم استقرار حكمه، وتتفاوت جماعات الإسلام السياسي بين المكفرين والمتسامحين وبين السياسيين والمقاتلين، وبين المتمردين على السلطة الحاكمة وبين المهادنين وصولا إلي علماء السلاطين.

وفي مصر يغطي الحكم نفسه منذ القدم بعقلانية الأزهر، وتاريخه العريق في صيانة الدعوة في مواجهة الإسلام السياسي المتمثل بالإخوان المسلمين، ولا تخلو الساحة المصرية من ظواهر التطرف الديني التي تتفاقم مرة، وتخمد مرة أخرى، إلي السودان المتعدد الاسلامويات في صراع طاحن على السلطة.

أما الشرق العربي فإنه يعتبر الأقل إشكالية في صراع السلطة والأيديولوجيا والهوية، رغم نموذج الأردن المتعايش بطريقة أقل حدة في الصراع بين الحكم والإسلاميين، والي حد قريب ما هو في فلسطين يشبه الحالة الأردنية لولا تبني جماعات الإسلام المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وفي لبنان تفعل الطائفية منذ زمن بعيد فعلها، وأخيرا اهتزت تلك التوازنات القديمة لصالح الإسلام السياسي، ولكن هنا نموذج آخر غير باقي العرب، أي أن التفوق الإسلامي جاء للمذهب الشيعي وليس السني، كما هو الحال في الوطن العربي.

وأما العراق فهو المسرح الكبير لكل تناقضات العقيدة مع القومي والعرقي والاثني، وهي حالة من الاضطراب المتواصل لزمن قادم بعيد.

وفي السعودية يكاد القومي العربي مجبرا على الاختفاء تحت عباءة الإسلامي الظاهري الذي تتبناه السلطة يشكل يكاد يكون مسيطرا عليه من الدولة ولخدمتها إلا ما قد ندر.

وكذلك اليمن والصومال وجيبوتي واريتريا، فهناك تتفاوت حالة الاضطراب، وضبابية الإسلامي والقومي، لدرجة لا يمكن الحكم عليها بأنها مؤثرة في إطار التناقض العربي هويةً، والإسلامي أيديولوجيةً، رغم بشاعة ما يحدث في الصومال بين المسلمين والمسلمين.

وهكذا فقد وضح تماما فشل مزاوجة الإسلامي بالعربي أو حتى في ثبات الحال عند رفع شعار القومية وشعار العقيدة الإسلامية معاً، فإن المعطيات التي دللنا عليها تبين وجود بون شاسع بين الشعار والتطبيق، بل كان الحال، ولا زال يفضح قصور الرؤية الحقيقية، وبالنتيجة غياب أدوات عمل ناجعة تحقق تلك الرؤية التي نرفع شعارها حتى بمنقوصيتها، فكان الضياع، وكان التأخر وكان مكن الخلل.

كل هذه النواقص، كانت تبني على التقوقع، وعدم رؤية المتغيرات التي حدثت منذ اقتران الإسلام بالأمة العربية كمحرك أساسي، وحاضنة، وحامل لهذا الدين، ثم محاولات تغليب الديني على القومي في مراحل الدعوة الأولى، وقيادة الديني للقومي حتى سقوط الخلافة العثمانية، واستعادة الحالة القومية العربية على خلفيات مساوئ الاستعمار العثماني التركي للأمة العربية.

وبتفوق وازدهار القومية من جديد، وبروز دورها، وتراجع فكرة الخلافة الإسلامية عن الساحة العربية، والمحاولات المستميتة من القوميين للنهوض بالأمة العربية، كان هناك انجازات حقيقية تقدم محاولات كثيرة للخلاص من الاستعمار الأجنبي، والتي بدأت مع انهيار الخلافة الإسلامية، وانتقلت إلي ثورة يوليو، واستمرت تحقق نجاحات باهرة، وتتعرض أيضاً لإخفاقات كبيرة تكرست بفعل غياب القراءة الحقيقية للتغير الحادث في العالم أجمع من ارتقاء في المنظور ألقيمي للفرد وحريته، وهذا أدي إلي تحول الأنظمة القومية إلي أنظمة ديكتاتورية تسحق الفرد، وترفع منسوب الظلم الاجتماعي،وتكريس القرابة والنسب كشكل آخر من القبلية، وتفشي الفساد ألقيمي والإداري على خلفية غياب منظومة قوانين متحضرة وفاعلة في إرساء قواعد المواطنة، والحق والواجب ومبدأ تكافؤ الفرص، مما أدى إلي إعادة تكوين فجوة بين السلطة والجماهير، توازي هذه الفجوة في حجمها الفجوة التي وصلت إليها الخلافة الإسلامية العثمانية الدينية من تسلط وغياب التنوير، الذي كان العالم كله يتبناه، ويحقق معه انجازات ضخمة من الحرية، واحترام حقوق الناس ورفع القيم الإنسانية إلي مراتب عليا أدت إلي نهوض المجتمعات الأخرى، واستتباب الأمن، والنظام، والحكم الرشيد فيها .

وبقينا نحن العرب المسلمون نترنح تارة تحت شعار القومية، وتارة أخرى تحت شعار الاسلاموية، وفقدنا أي إمكانية للخروج عن هذه الأنماط التي لم تحقق ما أصبح مثال حي على الرقي والنهضة البشرية في كل بقاع العالم، وهو الوصول إلى منسوب مرتفع من العدالة والاحترام للحقوق الإنسانية ودمقرطة النظام السياسي والحكم الرشيد الذي انطلقت منه كل الأمم التي تتفوق الآن علينا في حياتها وإيديولوجياتها، وبقينا نحن المسرح الكبير الذي يحاول الآخرون اللعب عليه دون إمكانية للتصدي أو للإفلات من سيطرة الأجنبي على خلفية جهلنا بحقائق التاريخ والتطور البشري نحو القيم الأفضل التي تمنح القوة للمواطن والمجموع.

ومن هنا، أصبحنا في هذه الحالة الضبابية، التي لا نعرف فيها حالنا إن كنا فعلاً مسلمين، أو عرب، أو عرب مسلمون، ونحاول كل مرة رفع الشعار، ولكنه لا يتحقق . ولذلك لابد من خطوات ثلاث نحددها ونعمل من منطلقها:

أ- التشخيص، أي تحليل الواقع الحقيقي لحالنا من هنا كان لابد من التفكير

أولا: إذا كان لنا معبداً، أو، صرحا،ً يحتوي تلك الايديولوجيا الإسلامية والهوية العربية ويزاوج بينهما. وثانياً: هل كان الصرح مشيدا حقيقة على قاعدة التزاوج العربي الإسلامي منذ البدء فأنتج حالة صحية أدت إلي ازدهاره بتناغم حقيقي، أم، كان هناك تناقض دائم أو موسمي أو تنافر مثلا بين القبلية العربية، والأممية الإسلامية، فمازال العرب قبل الإسلام، وبه، وآنيا، قبليون، ولم ينجح الإسلام في فك هذا اللغز، وأحيانا كثيرة تتغلب القبلية العربية على الإسلام ألأممي، وحتى ونحن مسلمون لا زلنا نقيم في القرن الواحد والعشرين، وعلى أعتاب منتصف الألفية الثانية للإسلام نتصرف ونقيم طقوس الجاهلية التي لم ترتدع بالأممية الإسلامية، فهل الدين الإسلامي إلي يومنا هذا لم يستطع استئصال جاهلية العرب القبلية المتناقضة مع أمميته بشكل كامل، كما فشلت كل الأفكار السماوية والأفكار الأرضية من قولبة العرب في قالب حضاري إنساني بعيدا عن الروح القبلية وما يتبعها من ثقافة المجتمع التي تمنع كل إمكانية للتطور والنهوض.

وثالثاً: إذا كان هناك معبدا كما قلنا يجمع بين الإسلامي والعربي بنجاح فهل هو شامخ ومنتج وله قيمة بين الحضارات، أم أنه لازال تابعا ومعيا أو مفعول به، وأدوات الهدم من خارجه وداخله لا زالت تعمل عملها، وهل توقف الهدم ؟ هنا نحتاج إلي يقين بالحالة التي نحن بها.

هل نبدأ البناء أم مازالت عوامل الهدم مستمرة، ولا نستطيع البناء عليها، وهل ننتظر إكمال عملية الهدم ونساعد من يري باستمراريتها داخليا أو خارجيا لتأخذ مداها كما كانت روما والكنيسة، أم نحاول تجميل وترقيع الموجود رغم عيوب البناء، لننعم بقدر، ووقت أفضل من التغيير غير المتيقن، حتى، لو كان لوقت قصير ننعم بالراحة، والحفاظ على الموجود، وعلى الأجيال القادمة، والأمة القادمة، أن تتدبر أمرها، أو تذهب إلي الجحيم.

وماذا نريد؟ هل نريد التحرر من الإسلام والقومية؟ ونذهب إلي شيء آخر؟ هل نريد الإسلام وتتخلي عن عروبتنا وقبليتنا؟ هل نريد العروبة ونتخلى عن الإسلام؟ أم لا مناص ومن غير الممكن، إلا، أن نكون، كما نحن، عربا مسلمين كما هو حالنا، ولا نغير هويتنا وإيديولوجيتنا ؟

هنا يجب التحديد من جديد لنعرف الشعار الذي نرفعه ، ونضع البرامج والأدوات اللازمة حقيقة لكل خيار نختاره؟

والسؤال الأكبر الذي له علاقة بحرية العقل اللامتناهية، هل نذهب لخياراتنا أفراد ولكل حريته أم نذهب إليه جماعة ولكل فرد منا خياره في البقاء أو الخروج لما يريد؟

من هنا نبدأ الخطوة الأولى للتخلص من معوقات وكوابح فاقمت من أزمتنا وداكنت من ضبابية عقلنا وسلوكنا منذ زمن بعيد.

وعليه تصبح هنا خيارات جد مهمة يمكننا وضعها للتفكير والاختيار وهي على النحو التالي

ب- الخيارات المتاحة أن نعمل على أن نكون:

1- أمة عربية واحدة هويةً، وبأنظمة حكم يختارها الناس في كل بقعة عربية، ولهم نماذج الاتحاد بأي صيغة يرتضونها، ويبتعد الإسلام عن التشريع والحكم، ولكنه يبقي بحرية للمتعبدين كيفما شاء المعتقدون به.

2- أمة إسلامية واحدة عقيدة أو ايدولوجيا، وهنا تستلزم الخلافة على هذه الدولة الدينية وسائر ولايات المسلمين ( الدول الإسلامية ) وليس على دولة أو ولاية واحدة وضمن تناقضات القوميات كلها والولاء فقط لدولة الخلافة.

3- دول عربية إسلامية ايدولوجيا وهوية، ونبقي في حالة الضياع، والتناقض المستمر التي نحن فيها الآن نتخبط ويضرب كل منا على رأسه وندعي العروبة والإسلام.

4- أفراد أحرار فيما لهم من هوية أو ايدولوجيا تجمعهم أنظمة سياسية للحكم، والإدارة في مواطنهم، وسيادة القانون، وهي نماذج موجودة ويمكن التزاوج والتنقيح لأي نموذج من النماذج المقامة مثل دولة المواطنة والخدمات.

ج‌- الخيار الذي أريده أنا في إجابتي على سؤال من أنا؟

أنا شخصيا مع الخيار الرابع، خيار النزوح عن القبلية القومية، خيار تحرير العقل، وفصل الدين عن الحكم، وليمارس كل منا قوميته ودينه بحرية، ودون مصادرة حريات الآخرين، مع امتلاك الدولة لكل وسائل الإنتاج، وممارسة الديمقراطية في تبادل السلطة والحكم، ومساواة المرأة بالرجل على كل الصعد والحقوق والواجبات، واحترام حرية الاعتقاد، وحرية التعبير، وتوزيع الثروات بالتساوي للوصول إلي العدل الاجتماعي،

وهذا الذي أريده هو خليط من الأنظمة المعمول بها ولكن لماذا هذا الخيار؟

نعم، لو نظرتم لكل هذه الايجابيات في الخيار الرابع، فستجدونها تحل كل إشكالية العرب والمسلمين، فكل مشاكلنا، ومساوئ حياتنا، ومآسينا، تنبع من غياب الحرية،وممارسة القهر، والظلم الاجتماعي، والتسلط الديني، ومصادرة الحقوق، والفساد، والتكالب على الثروات، غياب حرية التعبير، والتفوق المجتمعي الذكوري وضياع حقوق المرأة، وعدم تبادل الحكم بطريقة ديمقراطية، وغياب القانون، والقبلية، والعائلية المشينة، والتعصب، والحرام، والعيب والممنوع. باختصار

– القبلية، والعنصرية، والشوفينية، وتشعباتها، ونتائجها المدمرة، هي التي تعمق الشرخ في المجتمع منذ الجاهلية والي الآن، وهي تتعمق في الخيار الأول وهي امتداد للجاهلية العربية الأولى

– لا يمكن تحرير العقل وفصل الدين عن الحكم في الخيار الثاني ومازالت صفحات تاريخ الصراع على السلطة من أكبر سلبيات ومعوقات الحكم الإسلامي

– كل ما نحن فيه من تناقض ولا نستطيع حل اشكالياتنا يقع في الخيار الثالث وهي الحالة الموجودة حاليا

– كل ما وصلت إليه التجربة الإنسانية من ايجابيات هو في الخيار الرابع 1/10/2009م

أين أيديولوجيتي وهويتي ؟ من أنا ؟ وما العمل؟  د. طلال الشريف
أين أيديولوجيتي وهويتي ؟ من أنا ؟ وما العمل؟ د. طلال الشريف

ع. بلبشير

2009-10-06
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير